بورتريه

هتلر.. الهزيمة ثم الانتحار

 

 

تفتح الجزيرة الوثائقية ملف ”أدولف هتلر“ الزعيم الألماني في سلسلة من ستة أفلام، تحقق في الرجل الذي يقف وراء ”هتلر“ وتدرس شخصيته من العمق، وتحدد اللحظات الأساسية في صعوده الصاروخي وسقوطه المدوي. وفي الحلقة السادسة والأخيرة وتحمل عنوان ”هتلر.. المنهزم“ يتحدث الفيلم عن المحطات الأخيرة في حياة هتلر، فأفاض عن محاولة اغتياله، وتحرير فرنسا، وبداية نهايته مع مرضه ووهن جسمه وخروج الضباط والجنرالات على أوامره وصولا إلى انتحاره.

حبيب مايابى

بعد عقد من الزمان أمضاه الفوهرر في سلطة مطلقة يرسم مستقبل العالم لتحقيق حلمه في تأسيس دولة الألف عام، وجد أدولف هتلر نفسه محاصرا في قبو مستشارية الرايخ، وقد ضاقت عليه الأرض بما رحبت.

ورغم أنه أبصر نهاية مستقبله، فقد أبى إلا أن يورط شعبه ويزيد من دمار دولته التي لا يريدها أن تقوم بعد مغادرته للميدان.

وفي الحلقة السادسة والأخيرة من سلسلة هتلر التي عرضتها الجزيرة الوثائقية، وكانت بعنوان ”هتلر.. المنهزم“، تطرق الفيلم الوثائقي للمحطات الأخيرة من حياة هتلر.

وبعد ما جرب أسلحته التي كان يعمل على تطويرها، فإنه فقد الأمل في كسب رهان الحرب وبدأ يترك عالم المعارك ويمضي أغلب وقته في برغهوف متحدثا عن انتصاراته.

أسلحة خارقة

بحلول يوليو/تموز 1944، وجد هتلر نفسه تحت الحصار. وفي الوقت الذي بدأت فيه قوات الحلفاء تقترب من ألمانيا، كان الجنرالات يخططون للإطاحة به، ورغم ذلك فإنه بقي مستمرا في حلمه باستعادة النصر الذي لم يحافظ عليه، ويعتقد أن الرب سيساعده في التخلص من أعدائه.

وفي 7 يوليو/تموز 1944 وصل لقلعة ”كليس هايم“ في النمسا لتفقّد ”الأسلحة الخارقة“ التي لطالما تحدث عنها وطمأن بها الشعب الألماني.

يقول أستاذ التاريخ في جامعة نورث تكساس روبرت سيتينو إن هتلر في الفترة الأخيرة من الحرب ظل يتحدث عن الأسلحة الخارقة، ليعطي ضباطه أملا في الاستمرار والمقاومة حتى النهاية.

وفي تلك الفترة كان العلماء النازيون يعملون على تطوير صواريخ فتاكة وطائرات مقاتلة عالية الفاعلية، ودبابات عملاقة يصل وزنها 200 طن. وبسرية تامة كان الباحثون النازيون يختبرون ”صاروخ الثأر“ وهو أول صاروخ بالستي في العالم.

لكن الكثير من الجنرالات والضباط لم يكونوا مقتنعين بجدوى تلك الأسلحة، حيث لم يعد بإمكانها تخليص الجيش الألماني من الوحل الذي وُضع فيه.

رغم أنه أبصر نهاية مستقبله، فقد أبى هتلر إلا أن يورط شعبه ويزيد من دمار دولته

اغتيال فاشل

وبعد الضربات الموجعة التي تلقاها الجيش الألماني وإرغامه على الانسحاب من نورماندي، كان غضب الضباط قد بلغ ذروته.

وعندما قام هتلر بزيارة لعرين الذئب في العشرين من يوليو/تموز 1944 للاجتماع بكبار المستشارين العسكريين، قامت مجموعة من الضباط يقودهم العقيد كلاوس فيليب بمحاولة اغتياله، حيث وُضعت له قنبلة في حقيبة يدوية عند قدميه داخل قاعة الاجتماعات التي دخلها منتصف النهار.

وعند الساعة 12:42 ظهرا كان الانفجار يحطم قاعة الاجتماعات حيث يوجد الزعيم ومجموعة من الجنرالات العسكريين يناقشون بعض الخطط العسكرية.

سقط في التفجير أربعة قتلى، لكن هتلر لم يكن واحدا منهم، فقد نجا بأعجوبة رغم أن حقيبة القنبلة كانت قريبة منه.

وبعد ساعتين من وقائع الانفجار كان هتلر في استقبال موسوليني، ويواصل جدول أعماله اليومي دون تأخر رغم الجروح والإصابات.

وإثر المحاولة الفاشلة وجه القائد خطابا مرتجلا عبر الإذاعة للشعب الألماني، وقال إن العناية الإلهية اختارته ليواصل مسيرة البناء والتضحية من أجل إنقاذ وطنه. وذكر أن المجموعة التي دبرت عملية الاغتيال لا علاقة لها بالجيش، وستتم معاقبتها دون رحمة.

وإثر المحاولة الفاشلة، خرج آلاف المواطنين في الشوارع تضامنا مع قائدهم، وبدأت شعبيته في تزايد بعد فترة من الجفاء السياسي. وبعد أسبوعين من محاولة الاغتيال أُحيل المتآمرون لمحكمة الشعب، وصدر بحقهم حكم الإعدام بالشنق.

وتوسيعا لدائرة الانتقام التي يرغب فيها الزعيم، ألقي القبض على 7000 مواطن وقتل ما يربو على 4000 آخرين.

وفي حديثه بالوثائقي، قال الأستاذ بجامعة نورث تكساس جيوف وارو إن حادثة الاغتيال جعلت هتلر يقوم بتحقيق أوهامه الانتقامية من أي شخص يشتبه في ارتباطه بهذه المؤامرة.

في 31 يناير/كانون الثاني 1945، وصلت قوات ستالين إلى نهر بودا

معركة الغابات

وبينما كان هتلر يقتل الجنود الذين يتهمهم بالخيانة والجبن، تقدمت قوات الحلفاء في عمق فرنسا وقامت بتحرير العاصمة باريس في 24 أغسطس/آب 1944.

وبعد ثلاثة أسابيع من تحرير فرنسا، كانت القوات الأمريكية تسجل حضورها كأول قوة تدخل في أرض ألمانيا منذ اندلاع الحرب 1939.

ومن أجل مواجهة المصير المحتوم، أراد هتلر أن يقوم بالهجوم على الحلفاء والقوات الأمريكية في غابات أردين من أجل السيطرة على ميناء أنتويرب الذي يشكل خطا حيويا للإمداد.

ورغم أن الجنرالات الألمان أخبروا قائدهم بعدم قدرتهم على دخول هذه المعركة، فإنه أصر على دخولها ووعدهم بنجاحها كما حدث سابقا في عام 1940 مع القوات الفرنسية والألمانية.

وبعد إطلاقه للهجوم، خسرت ألمانيا 300 طائرة و100 ألف جندي في معركة استمرت أربعين يوما فقط. وأدى ذلك الهجوم الفاشل الذي حذر منه القادة العسكريون إلى إضعاف القوات البرية والجوية على حد السواء.

لكن هتلر لم يقبل الهزيمة ورفض الاستسلام، وبدأ يضع اللوم على الشعب الألماني، واعتبره لا يستحق الحياة لأنه خذل قائده ودولته.

وفي 31 يناير/كانون الثاني 1945، وصلت قوات ستالين إلى نهر بودا، وحينها كان الجيش الألماني فقد مئات الألوف من الجنود، فاضطر للاستعانة بصغار وكبار السن للوقوف في وجه جيوش السوفيات والحلفاء ذات العدد والمدد.

ورغم الوضع الخطير الذي أصبح يهدد حياة هتلر، فإنه لم يفكر في الذهاب واللجوء إلى أي مكان، وإنما فضل البقاء في مخبئه الواقع تحت برغهوف. وفي غرفة لا تتجاوز مساحتها ثلاثة أمتار، كان هتلر يقضي معظم وقته رفقة كلبه المفضل في ذلك المخبأ ولا يخرج إلا نادرا.

وبعد مؤتمر يالطا الذي جمع بين تشرتشل وروزفلت وستالين لمناقشة مستقبل أوروبا بعد الحرب واتفقوا فيه على عدم القبول بالتفاوض، قرر هتلر استدعاء الرؤساء النازيين إلى برلين في 24 فبراير/شباط 1945 وحدثهم عن انتصاراته السابقة، لكنهم لم يسمعوا منه خطة لإنقاذ مستقبلهم.

وفي تلك الفترة الحرجة من الهزائم المتتالية، كان المرض يسجل ضرباته على جسم هتلر، فقد أصيب بارتعاش في ذراعه الأيسر وأصبح متثاقلا في سيره، وبدت أعراض الوهن ظاهرة عليه بشكل كبير.

قامت مجموعة من الضباط يقودهم العقيد كلاوس فيليب بمحاولة اغتيال فاشلة لهتلر

تدمير الدولة

وفي 7 مارس/آذار 1945 وصلت عشيقته إيفا براون إلى برغهوف التي طلب منها مغادرته سابقا، لكنَّ وفاء الحب وذكريات الزمن تغلبت على خوفها وعنادها، ولم ترض إلا الجلوس مع من أعطاها مساحة قلبه وجزءا من وقته الذي تتقاسمه الهزائم والأمراض.

وفي 16 مارس/آذار 1945 وأثناء فرحته بقدوم إيفا، وصله تقرير من وزير حربه يخبره بوشك انهيار الاقتصاد الألماني، وعجز قواته عن الاستمرار في المعارك.

وبدلا من الاستسلام، كان هتلر يستلهم من التاريخ وأساطيره، فقد استدعى وزير الحرب ألبرت شبير وأمره بتدمير البنية التحتية الألمانية عبر تنفيذ سياسة الأرض المحروقة التي يعتقد أنها أحرقت روما.

لم ينفذ الوزير أوامر القائد، وعمل على إقناع الجنرالات بتجاهلها، ليكون أول شخص من دائرة النظام يخالف أوامر هتلر.

رغم الوضع الخطير الذي أصبح يهدد حياة هتلر، فإنه لم يفكر في الذهاب واللجوء إلى أي مكان

عقيدة الانتحار

وبعدما علم أن أوامره بحرق المصانع وتدمير المنشآت لم تنفذ، شعر بالهزيمة والخيبة وبدأ يتحدث مع المقربين منه عن أفضل أنواع طرق الانتحار وأكثرها راحة.

وعندما هرب نائب قائد القوات هيرمان غورينغ إلى بافاريا أرسل إلى هتلر رسالة يخبره بأن وقته قد انتهى وجلوسه في برغهوف ليس إلا سجنا.

حينها قال هتلر إنه لن يستسلم، وعندما يُهزم سوف يقتل نفسه ويحرق جثته. وقد أبدى عدد من المناصرين مثل غوبلز استعدادهم لتنفيذ فكرة القائد التي لن تترك فرصة للعدو من الأخذ بالثأر وإهانة الأبطال.

في 30 أبريل/نيسان 1945 انتحر هتلر بإطلاق النار على نفسه

الزواج ونهاية الأسطورة

وبحلول 23 أبريل/نيسان 1945 كانت قوات ستالين قد اقتحمت برلين وبدأت تتجه نحو مخبأ هتلر. وعندما قامت قوات السوفيات بقتل موسوليني وتعليق جثته بجانب عشيقته، أصيب هتلر بالتوتر وبدأ يفكر في نهايته.

وفي 29 أبريل/نيسان 1945، وبعدما تأكد من مصيره، أقام حفلا بسيطا في قاعة المؤتمرات في مخبئه وعقد قرانه مع عشيقته إيفا براون.

وبعد مراسم التوقيع على الزواج اجتمع هتلر بسكرتيرته تراودل يونغه وأملى عليها توصياته ونظرته لنتائج الحرب.

وفي 30 أبريل/نيسان 1945، وبعدما كان جيش ستالين يقترب من برغهوف، طلب هتلر من حارسه أن يعطيه المسدس ليطلق النار على نفسه، لكن إيفا براون اختارت أن تقوم بتناول سم سيانيد لتموت مع زوجها.

وإكمالا لنهاية الأسطورة وإخراجها بشكل يليق، أعلنت الإذاعة الألمانية في 1 مايو/أيار 1945 عن وفاة الزعيم في ساحة المعارك ضد السوفيات.

وكان هتلر يقول إنه إذا سقط سيأخذ العالم معه، وعند خروجه من الميدان كان قد وقّع على نهاية 60 مليون نسمة من مختلف أنحاء العالم.