بورتريه

هتلر.. رفع راية النصر بباريس وتوجه لاحتلال موسكو

 

تفتح الجزيرة الوثائقية ملف ”أدولف هتلر“ الزعيم الألماني في سلسلة من ستة أفلام، تحقق في الرجل الذي يقف وراء ”هتلر“ وتدرس شخصيته من العمق، وتحدد اللحظات الأساسية في صعوده الصاروخي وسقوطه المدوي. وفي الحلقة الرابعة التي تحمل عنوان ”هتلر.. المنتصر“ يوثق الفيلم للأحداث والمعارك التي خاضها في الفترة الواقعة بين عامي 1939 و1941 لتوسيع إمبراطوريته، فضم تشيكوسلوفاكيا وغزا بولندا وفرنسا والمملكة المتحدة وصولا إلى الاتحاد السوفياتي الذي كانت تربطه مع ألمانيا اتفاقية عدم اعتداء.

حبيب مايابى

بخروجها من الحرب العالمية الأولى، أخذت ألمانيا معها حِملا كبيرا من الخسائر والهزائم والشروط التي أثقلت كاهل اقتصادها، ووضعت حدا لجيشها وترسانتها العسكرية.

وبعد أقل من عقدين من الزمان، كانت على موعد مع قفزة بعيدة المدى بفضل قائدها الجديد الذي يتميز بالديناميكية والحيوية.

وبعد نجاحاته السياسية والاقتصادية وتمزيقه لمعاهدة فرساي، شعر الألمان بالطمأنينة واعتبروا أن قائدهم رد لهم الكرامة وأعاد إليهم الاعتبار.

لكن هتلر كان مصمما على تحقيق حلمه في النصر الذي وعد به الشعب الألماني، فخاض الكثير من المعارك وضرب العديد من الدول، وكان في البداية هو الحاصل على قصب السبق في رهان المعارك.

وضمن سلسلة هتلر التي عرضتها الجزيرة الوثائقية تأتي الحلقة الرابعة بعنوان ”هتلر.. المنتصر“ لتوثق الأحداث والمعارك التي خاضها في الفترة الواقعة بين عامي 1939 و1941.

وقد تحدث في الفيلم عدد من أساتذة التاريخ والخبراء السياسيين والنفسيين لتحليل القرارات التي كان هتلر يأخذها، والدوافع التي جعلته يسير بالعالم نحو أكبر المعارك الدموية في التاريخ الإنساني.

التحدي الأول

على الرغم من أن هتلر كان قد وصف برجل سلام عندما تراجع عن غزو تشيكوسلوفاكيا بضغط من فرنسا وبريطانيا، فإنه عاد وضمها لألمانيا في مارس/آذار 1937.

وبحلول أبريل/نيسان 1939 أقام لذلك أكبر احتفال عسكري في تاريخ دولته استمر خمس ساعات، واستعرضت 50 ألفا من الوحدات العسكرية مهاراتها بحضور مليوني مواطن.

وقد وافق ذلك الاحتفال عيد ميلاده الخمسين، فتفاعل معه الشعب الألماني وعبروا عن فرحهم العظيم بانتصار قائدهم البطل.

وفي حديثها بالوثائقي قالت مؤلفة كتاب ”جرائم هتلر“ إيما كرايجي: إن جميع المواطنين بعثوا بالهدايا لهتلر وكتبوا له القصائد بمناسبة ذلك الاحتفال الذي وافق يوم مولده.

لم يتلق هتلر الهدايا من المواطنين العاديين فحسب، وإنما أهداه الوزراء والقادة تماثيل ومجسمات منحوتة لشخصيته، فقد أعطاه قائد القوات الألمانية الخاصة والبوليس السري هاينرش هِملر مجسما لفريدريك العظيم الذي يعتبر من أكثر الأبطال الذين يطمح هتلر أن يكون مثلهم.

ورغم كل مظاهر التملق السياسي التي ظهرت في تلك الفترة، فإن هتلر لم يكن مرتاحا لأنه كان يرى أن الزخم الذي تحظى به انتصاراته وحروبه ما زالت دون المستوى الذي يريده.

ويرى الأستاذ في جامعة نورث تكساس جيوف وارو أن هتلر كان يعتقد أنه في كل قرن يظهر قائدٌ واحد وهو قائد قرنه، لكنه لم يشاهد المظاهر الكافية للاحتفاء به.

وفي 31 أبريل/نيسان 1939 بعث الرئيس الأمريكي فرانكلين روزفلت قائمة من الدول لهتلر يحذره من غزوها، لكن القائد الألماني كان عميقا في رده، حيث قال إنه خلق مساحات شاسعة ليعيش فيها الشعب الألماني بهدوء.

ويقول خبراء ومحللون إن الشعور بالعظمة وتضخم الذات الذي يعاني منه هتلر كان من أهم الأسباب التي جعلته يسعى وراء الحروب واحتلال الدول.

تضخم الذات الذي يعاني منه هتلر كان من أهم الأسباب التي جعلته يسعى وراء الحروب واحتلال الدول

من الإعمار إلى الدمار

كان هتلر يريد ألمانيا عاصمة العالم، فأراد إعادة بناء برلين بشكل يسمح لها أن تكون مسيطرة على العالم.

ومن أجل تحقيق حلمه في بناء العاصمة الجديدة، استدعى في مكتبه كبير المهندسين المعماريين ألبرت شبير وكلفه بوضع خطة معمارية قابلة للتنفيذ بشكل سريع.

وبينما كان المعماري شبير يعرض تصاميمه في قصر برغهوف لبناء الدولة الفاضلة الجديدة ”جيرمانيا“ التي يحلم بها القائد، وجد هتلر نفسه مشغولا في وضع خطط أخرى لتوسيع إمبراطوريته التي يعتزم إنشاءها.

كان هتلر يريد ألمانيا عاصمة العالم، فأراد إعادة بناء برلين بشكل يسمح لها أن تكون مسيطرة على العالم

صداقة الأعداء

وبعدما وقعت بولندا اتفاقية مع بريطانيا لحماية أراضيها، وجد هتلر نفسه في نكد من الدنيا، حيث إن إكراهات الجغرافيا تفرض عليه التحالف مع عدوه الأيدولوجي الاتحاد السوفياتي الذي يقع على الحدود الشرقية مع بولندا.

وفي 23 أغسطس/آب 1939، عُقد لقاء في موسكو بين وزير الخارجية الألماني يواخيم فون ريبنتروب ونظيره الروسي فياتشيسلاف مولوتوف، لتوقيع اتفاقية عرفت بمعاهدة عدم الاعتداء بين الدولتين.

وقد نصت الاتفاقية على أن تبقى ألمانيا النازية والاتحاد السوفياتي على الحياد في حالة تعرض إحدى الدولتين لهجوم من طرف ثالث.

أبدى جوزيف ستالين ارتياحه للاتفاقية الجديدة مع الألمان، كما أن هتلر أصبح بموجب تلك الصداقة بإمكانه أن يحتل بولندا دون خوف من الاحتكاك بين قواته والاتحاد السوفياتي.

وإثر توقيع المعاهدة، رفع هتلر كأسه ليشرب على نخب حرب عالمية جديدة، لم يكن المنجمون السياسيون يرونها في سماء التوقعات.

ففي 1 سبتمبر/أيلول 1939 أعطى القائد أوامره لفيرماخت (القوات المسلحة الموحدة الألمانية) باحتلال بولندا، وكان على يقين من أن بريطانيا وفرنسا لن تتحركا في وجه حربه الجديدة. لكن بعد انطلاق عمليات غزوه بيومين، أعلنت بريطانيا وفرنسا خوض المعارك ضد الألمان وفاء بالتزاماتهما مع بولندا، فشكل ذلك صدمة لهتلر، وبدأت شعبيته تتأثر بتهوره.

ومن أجل طمأنة الجماهير ركب القطار المدرع وذهب لميدان القتال مع حدود بولندا، وظهر في التلفزيون يتجول مع الجنود في ساحة المعركة. وبعد شهر من هجمات قواته سقطت بولندا بيد هتلر، وتم تقسيمها بين ألمانيا والاتحاد السوفياتي.

بعد شهر من هجمات قواته سقطت بولندا بيد هتلر، وتم تقسيمها بين ألمانيا والاتحاد السوفياتي

الثأر داخل عربة قطار

بعد احتلاله لبولندا عزم هتلر على غزو فرنسا. ورغم أن قواته أشارت عليه بالتريث حتى يستعيد الجنود أنفاسهم بعد الحرب مع بولندا، فإنه كان مصرا وقاطعا في قرار احتلال مدينة الأنوار، وطلب من الجنرالات إعداد خطة لتنفيذ الهجوم.

وفي 10 مايو/أيار 1940 شنت القوات الألمانية هجوما قويا على قوات الحلفاء، وبعد فترة وجيزة من الهجمات المتبادلة التي تَفوّق فيها سلاح الجو الألماني، دخلت القوات النازية عمق مدينة باريس.

وفي لحظة من نشوة الانتصار أخذ هتلر بثأره، وأعاد نفس السيناريو الذي حدث قبل 20 عاما، حيث أجبر الفرنسيين على توقيع الهدنة في عربة السكة الحديد التي أُرغم الألمان على أن يوقعوا فيها على القبول بالخروج من الحرب العالمية الأولى.

رُفعت الأعلام النازية في سماء فرنسا، وتجول هتلر في باريس وقام بزيارة لقبر نابليون بونابرت الذي لطالما حلم أن يكون مثله.

وفي 6 يوليو/تموز 1940 رجع هتلر لألمانيا واستقبلته الجماهير في حشود كبيرة، ومظاهر من الفرح تليق بالأبطال الفاتحين. وحينها استعاد الشعب الألماني ثقته بالقائد الذي كانوا يتخوفون من مغامراته الحربية.

كان غزو هتلر لفرنسا نوعا من إضعاف المملكة المتحدة

دعوة للتفاوض

لم تكن فرنسا بالنسبة لأدولف هتلر هي التحدي الأكبر، بل كان غزوها نوعا من إضعاف المملكة المتحدة التي لم يعرف بعد نوع المواجهة معها.

وفي حديثه للوثائقي قال ريتشارد أوفيري أستاذ التاريخ في جامعة إكستر: بعد انتصار هتلر على فرنسا كان التحدي الأكبر بالنسبة له ما سيفعله تجاه بريطانيا، لأنها هي العدو الأبرز الذي ينبغي أن يتم تحطيمه رغم إعجابه بحضارتها.

وفي 10 يوليو/تموز 1940 قام سلاح الجو الألماني بضربات قوية لتدمير الكثير من السفن والموانئ التابعة للقوات البريطانية.

وفي 19 يوليو/تموز 1940 وجه هتلر نداء لبريطانيا بضرورة الجلوس على طاولة المفاوضات قائلا: في هذه الساعة أشعر أنني مجبر على الوقوف أمام ضميري لتوجيه نداء آخر إلى إنجلترا، وأنا لا أطلب شيئا من موقع المنهزم، بل المنتصر.

لكن المملكة المتحدة رفضت العرض ولم تأخذه بعين الاعتبار، واستمرت في المواجهة مع الألمان على مستوى الضربات الجوية حينها.

وفي سعيه لتوسيع دائرة موارده من أجل قمع بريطانيا، كانت أنظار هتلر تتجه نحو أوروبا الشرقية، رغم توقيعه على المعاهدة مع الاتحاد السوفياتي.

وفي 11 مايو/أيار 1941 أُعلن في وسائل الإعلام الرسمية أن رودلف هيس نائب قائد القوات الألمانية أصيب بالجنون.

لكن ذلك ليس سوى خطة للتخلص من نائب القائد الذي ذهب في رحلة سرية لبريطانيا من أجل مفاوضات للسلام دون أن يأخذ الإذن من هتلر.

كان هتلر يرى أنه المنتصر الوحيد في الساحة الذي يقرر توجيه بوصلة الحرب دون إملاءات وشروط

نقض العهد وتوسيع الحرب

اقتنع هتلر بأن سيطرته الكاملة على بريطانيا لن تكون إلا باحتلال أجزاء كثيرة من أوروبا الشرقية، لأخذ مواردها وإنفاقها على التسليح ضد المملكة المتحدة، فبدأ يخطط سرا لضرب الاتحاد السوفياتي.

وفي أثناء تحضيره لغزو الاتحاد السوفياتي، أصدر أوامر جنائية لتحرير الجنود الألمان من الملاحقة عندما يطلقون النار على المدنيين، وكان ذلك تحضيرا لإبادة عرقية ضد البلشفية اليهودية.

وفي 22 يونيو/حزيران 1941 أعطى هتلر إشارته للقوات المسلحة بتوجيه ثلاثة ملايين من المقاتلين نحو روسيا. وطبقا لتعليماته، قامت القوات الخاصة بذبح اليهود والغجر والبلاشفة في عمليات إبادة جماعية تضم النساء والأطفال والعجزة.

وفي نوفمبر/تشرين الثاني 1941 كانت القوات الألمانية –وهو أكبر جيش في التاريخ تمت تعبئته لعملية واحدة- تتقدم بنجاح في كل الأماكن بالاتحاد السوفياتي.

وفي مركز القيادة المسمى ”عرين الذئب“ التابع للقوات الألمانية شرق روسيا، كان هتلر يشرف بنفسه على سير العمليات الهجومية، رغم المضاعفات الصحية التي كان يعاني منها منذ فترة.

يقول الأستاذ في جامعة نورث تكساس الدكتور جيوف وارو إن ”هتلر كان حريصا على أن يظهر كقائد ومخطط عسكري في جميع وقائع الحرب“.

وخلال وجوده في ”عرين الذئب“ كان الجنرالات يخفون عنه الكثير من الأمور، لأنه كان انفعاليا وسرعان ما يتدخل بشكل مفاجئ ويفسد الخطط العسكرية.

وفي 5 ديسمبر/كانون الأول 1941 وبعد خمسة أشهر من الهجمات المتتالية ضد السوفيات، أجبرت قوات الجيش الأحمر الروسية الجنود الألمان على التراجع عن موسكو بعدما كادت تسقط في أيديهم.

وعندما هاجمت الإمبراطورية اليابانية القوات الأمريكية في بيرل هاربر بجزر هاواي بشكل مفاجئ، كان هتلر لا يزال منتصرا على جميع الأصعدة، وأعلن أنه سيدخل الحرب ضد الولايات المتحدة الأمريكية.

فبدأ عهد من حصد الأرواح، ودقت طبول الحرب من جديد نحو مزيد من التوسع في المساحات العالمية. وكان هتلر يرى أنه المنتصر الوحيد في الساحة الذي يقرر توجيه بوصلة الحرب دون إملاءات وشروط.