بورتريه

هتلر.. طريق صعب نحو الزعامة

 

تفتح الجزيرة الوثائقية ملف "أدولف هتلر" الزعيم الألماني في سلسلة من ستة أفلام، تحقق في الرجل الذي يقف وراء "هتلر" وتدرس شخصيته من العمق، وتحدد اللحظات الأساسية في صعوده الصاروخي وسقوطه المدوي. وفي الحلقة الثانية من هذه السلسلة والتي حملت عنوان "هتلر.. الممثل" يتتبع الفيلم المسار السياسي لهتلر في الفترة الواقعة بين 1928 و1934، وكيف عمل على تقوية الحزب النازي ولململة شتاته بعد التعثر الذي لحق به بعد نهاية الحرب العالمية الأولى.

حبيب مايابى

من طائرة تحلق في الأجواء ويقع ظلها على جميع الشوارع في الدولة، ينزل القائد العظيم عبر سلم ممتد من السماء حاملا مفاتيح جنة كان قد صنعها بمفرده، ويدعو جميع المواطنين إلى دخولها ليعيشوا في الرخاء والأمن والاستقرار والتطور.

كان ذلك مشهدا من بداية الفيلم الدعائي "انتصار الإرادة" للمخرجة الألمانية ريني ريفنستال الذي قدمت فيه شخصية أدولف هتلر على أنه الهدية المنتظرة التي أرسلها الرب لإنقاذ الشعب الألماني.

لكن "انتصار الإرادة" لم يكن إلا وحيا من خيال الدعاية والتمثيل الذي استطاع هتلر أن يصنع منه نفسه، ويخرج به من دور الأيتام والمشردين في النمسا إلى منصات السياسة والقيادة والتأثير في العالم.

وفي سعيها لتوثيق التاريخ وصُنّاعه، جاء فيلم "هتلر.. الممثل" ضمن سلسلة هتلر التي عرضتها الجزيرة الوثائقية عام 2019.

تتبع الفيلم المسار السياسي لهتلر في الفترة الواقعة بين 1928 و1934، وكيف عمل على تقوية الحزب النازي ولململة شتاته بعد التعثر الذي لحق به بعد نهاية الحرب العالمية الأولى.

كما تعرض الوثائقي لعدد من الفضائح التي لحقت بهتلر، واستطاع بفعل الدعاية أن يخرج منها دون أن تؤثر على سمعته في الساحة السياسية.

 

الانتخابات الأولى.. خسارة ماحقة

بعد أن أصبح زعيما -دون منافس- للحزب الذي كُلّف بالتجسس عليه سابقا، عمل هتلر على خلق قاعدة جماهيرية تضمن له دخول عالم السياسة والنفوذ.

وفي انتخابات مايو/أيار 1928 عمل فريقه على وتر الإعلام والدعاية لإقناع الألمان ببرنامج الرجل الذي أصبح أقوى زعيم في العالم.

ورغم الجهود الكبيرة التي بذلها الحزب الاشتراكي الوطني، فإن نتائج الانتخابات كانت سيئة، حيث لم يحصد الحزب سوى 2% من مجموع أصوات الناخبين الألمان.

ويرى غاي والترز مؤلف كتاب "النازيون الجواسيس والمرتزقة" أن هتلر ورفاقه لم يكونوا مهمين عند الناخب الألماني لأنهم شرذمة ومرتزقة من جنوب ألمانيا.

وبعد الهزيمة في الانتخابات، لم يتقبل أدولف هتلر الاستسلام للنكسة التي لحقت بحزبه، وإنما بدأ في الخروج لمخاطبة الجماهير، ونصّب نفسه زعيما ومتحدثا لحزب النازيين.

وكانت ألمانيا بعد الحرب العالمية الأولى تلقت قروضا لإعادة الإعمار من الولايات المتحدة الأمريكية، وبعد أزمة "وول ستريت" في أكتوبر/تشرين الأول 1929، ضغطت أمريكا لاستعادة ديونها، فساءت الأوضاع الاقتصادية في ألمانيا وفقد الشعب الثقة في الحكومة، واعتبرها عاجزة عن النهوض بوتيرة النمو وتجاوز نكسة الحرب.

كان ذلك الانهيار فرصة سانحة لهتلر ليخرج إلى الشارع ويتحدث للجماهير، مناديا بضرورة الإنقاذ وتخليص البلاد مما يصفه بالأعداء والعاجزين.

وبعدما فشلت الحكومة حينها في احتواء الأزمة سياسيا واقتصاديا، بدأ الألمان يعتنقون عقيدة التطرف السياسي، وزادت الاحتجاجات ضد الحكومة والشركات الكبرى.

كانت أفكار قائد الحزب الاشتراكي الوطني حاضرة في ساحة المظاهرات، كما خرج الزعيم مع المحتجين من أجل إحراج الحكومة، فأصبح حديث الساعة بين الألمان.

بنتائج انتخابات 1930 أصبح هتلر نجما عالميا وقائدا ملهما محليا

الانتخابات الثانية.. صعود للمرتبة الثانية

واستباقا لمعركة الانتخابات المقررة في 1930 بدأ الزعيم يخطط لخوض النزال السياسي لتعويض الهزيمة التي لحقت بحزبه في انتخابات 1928، فاصطحب خصمه السياسي سابقا جوزيف غوبلز الذي تولى إدارة الدعاية والإعلام للحزب في تلك المرحلة وتوجها نحو الجماهير.

حينها صعدت الأسهم السياسية لهتلر في الساحة المحلية وتوجهت نحوه وسائل الإعلام، وأصبح منظّرا يحمل أفكارا تنقذ البلاد من وحل التعثر الاقتصادي، ويَخرج مئات الألوف من الناس لسماع خطاباته في المهرجانات السياسية التي ينظمها في مدينة نورمبيرغ.

ورغم أن أفكاره ذات نزعة قومية كبيرة، فإنه في تلك الفترة خفف من "العداء في وجه السامية"، وركز على الوعود باستعادة العظمة لدولته.

ويرى ريتشارد أوفيري أستاذ التاريخ في جامعة إكستر أن هتلر في الانتخابات علم أن الألمان لا يهتمون إلا بالانتعاش الاقتصادي، وأن معاداة السامية لا تأخذ جزءا من طموحاتهم.

وبعدما وطّد علاقته بالجمهور، حان موعد الانتخابات السياسية سنة 1930 فألقى الحزب النازي بثقله لخوض معركة الاقتراع التي شارك فيها ما يربو على 60 مليون ناخب من المواطنين.

لم تكن نتائج الانتخابات بالنسبة لهتلر كسابقتها مفاجئة، حيث حصل على 107 مقاعد في البرلمان، وأصبح ثاني أكبر حزب حسب نتائج الاقتراع.

هتلر بعد انتخابات 1930 أصبح يعيش حياة المترفين والأثرياء رغم أن دخله لم يكن يسمح بذلك

العشق الممقوت

بنتائج انتخابات 1930 أصبح هتلر نجما عالميا وقائدا ملهما محليا. ومع تضاعف نجاحاته بدأ يعيش حياة الترف حيث اشترى منزلا فخما كبيرا في مدينة ميونخ وسيارة مرسيدس، ولديه سائق وموظفون تحت تصرفه.

وفي مشاركتها بالوثائقي قالت مؤلفة كتاب "الوساطة مع هتلر" الدكتورة كارينا أورباك إن هتلر بعد انتخابات 1930 أصبح يعيش حياة المترفين والأثرياء رغم أن دخله لم يكن يسمح بذلك.

وفي منزله الفاخر في ميونخ، كانت تعيش معه ابنة أخته جيلي روبال ذات الجمال الساحر والقامة الفارعة، وقد كان منجذبا إليها على ما تفيد التقارير.

كانت جيلي منزعجة من خالها، وتخبر أصدقاءها أنه شخصية متوحشة ويريد منها أشياء لا أحد يمكنه أن يتصورها.

وقد كتبت الصحافة وقتها أنه كان يحبسها في منزله كسجينة يحتفظ بها لنفسه، وبعدما اكتشف أنها على علاقة غرامية انزعج منها وأصيب بالغيرة والغضب.

وبعدما منعها من السفر إلى فيينا، وُجدت ميتة بطلقات نارية لم يُكشف عن فاعلها، رغم أن أصابع الاتهام والشكوك لم تكن بعيدة من دائرة الخال العاشق.

شعر هتلر بالخيبة والدمار لموت ابنة أخته التي منعها من السفر وأرادها بجانبه، ولم يستطع أن يكون من المودّعين لجنازتها، فانكمش على نفسه وبقي حزينا حتى خيف عليه من الانتحار.

وقد فتحت قصة جيلي روبال فصلا جديدا من الفضائح لم يكن هتلر يتوقعه، حيث كشفت الصحافة عن علاقته مع فتاة سابقة حاولت الانتحار بسببه، كما تحدثت عن قصته مع قائد القوات شبه العسكرية النازية آرنست روم الذي يعرف بالشذوذ الجنسي.

في بداية عام 1932 نشر هوفمان المصور الخاص للزعيم الصاعد كتابا بعنوان "هتلر الذي لا يعرف أحدا"

 

تلميع الذات

وبعد الفضائح التي تزامنت مع ظهوره السياسي، بدأ في تلميع صورته عبر استخدام الوسائل التي تعوّد عليها في إبراز ذاته من الدعاية والترويج.

وفي بداية عام 1932 نشر هوفمان المصور الخاص للزعيم الصاعد كتابا بعنوان "هتلر الذي لا يعرف أحدا" حاول أن يعطي من خلاله صورة مغايرة للشائعات التي انتشرت عن هتلر في الساحة السياسية حينها.

وقد انتشر الكتاب بشكل سريع بين القراء الألمان، وساعد هتلر في تشكيل الصورة التي يريدها لنفسه كزعيم منشغل بقضايا المجتمع والكفاح من أجل حل المشاكل.

نظرا للأغلبية التي يتمتع بها حزبه في البرلمان وجماهيره العريضة في الساحة، لم يعارضه أحد في الاستحواذ على السلطة

الانتخابات الثالثة.. اكتساح

بعد استعادة صورته والسيطرة على تماسك شعبيته، بدأت خطواته الواعدة بالسير نحو السلطة عبر المشاركة في انتخابات سنة 1932.

وفي الحملة الانتخابية، كان أدولف هتلر أول من استخدم الطائرة في التجول بين المدن الألمانية لإلقاء الخطابات أمام الجماهير، وقد سمحت له تلك الديناميكية والمظاهر المبهرة بإقناع الجماهير التي شرح لها رؤيته عبر المهرجانات المباشرة.

كانت نتائج الاقتراع موافقة لما خطط له الزعيم ورفاقه، حيث حصدوا 230 مقعدا برلمانيا، وأصبح هتلر قائدا لأكبر الأحزاب في البلاد.

لكن الرئيس الألماني حينها بول فون هيندنبرغ كان يرى أن هتلر شخص متهور ويحمل فكر الاستبداد والتفرد بالسلطة ولا ينبغي أن يكون قائدا مباشرا، وعرض عليه منصب نائب المستشار، لكن هتلر رفض ذلك لأنه يسعى للسلطة المطلقة.

وبعد أشهر قليلة من الخلافات بين الرئيس والبرلمان الجديد، وجد هيندنبرغ نفسه مرغما على تسليم قيادة الحكومة لهتلر فكلفه بمنصب المستشار في 30 يناير/كانون الثاني 1933.

وبعد شهر من تكليفه بقيادة الحكومة، أراد أن يلقي أول خطاب رسمي من منصبه الجديد في برلين، فجمع الجماهير وجنود العاصفة ورُفعت الأعلام النازية، ودخل هتلر بين الحشود وتوجه إلى المنصة، وبعد دقيقة من الصمت بدأ خطابه الذي ركز فيه على العمل من أجل استعادة قوة ألمانيا، فسحر الحضور وانجذب إليه الناس.

بعد الفضائح التي تزامنت مع ظهور هتلر السياسي، بدأ في تلميع صورته عبر استخدام الوسائل التي تعوّد عليها في إبراز ذاته من الدعاية والترويج

سلطة مطلقة

وبعد خطابه بفترة يسيرة تم حرق مقر البرلمان الألماني ففُرضت حالة الطوارئ، واستغل هتلر الفرصة للتنكيل بالشيوعيين وتكميم أفواه المعارضين وسجن رؤساء الأحزاب السياسيين.

كان اليهود ومؤسساتهم التجارية من المستهدفين الأساسيين في حملة الطوارئ، حيث شملتهم الاعتقالات وحرق المحلات.

وردا على مطالب المنظمات الدولية بمقاطعة البضائع الألمانية، زادت نقمة النازيين على اليهود وأُقيلوا من المناصب السياسية واعتمدت ضدهم قوانين التمييز العنصري.

وفي سعيه لتوطيد حكمه وتجسيد أفكاره، تخلص من صديقه زعيم الجيش الشعبي آرنست روم ورفاقه إرضاء للجيش العسكري الوطني، وبعد ذلك بدأ يأخذ الولاء من قادة المؤسسات العسكرية.

وفي 1934 غيب المرض الرئيس فون هيدينبرغ الذي كان يشكل عقبة في وجه هتلر للتفرد بالسلطة، فاستغل هتلر اللحظة وأصبح الرئيس والمستشار في الوقت نفسه.

ونظرا للأغلبية التي يتمتع بها حزبه في البرلمان وجماهيره العريضة في الساحة، لم يعارضه أحد في الاستحواذ على السلطة.

عمل هتلر مع المخرجة السينمائية ريني ريفنستال على إنتاج الفيلم الدعائي "انتصار الإرادة"

السينما والإعلام.. في الخدمة

ومن أجل إقناع العامة برسالته، وتقديمه في صورة منقذ البلاد الذي طالما انتظره الشعب، عمل مع المخرجة السينمائية ريني ريفنستال على إنتاج الفيلم الدعائي "انتصار الإرادة" الذي ظهر هتلر في لقطته الأولى ينزل من طائرة كأنه هو المخلص القادم من السماء لإنقاذ الناس. وقد وثق الفيلم فرح النازيين ومهرجاناتهم في نورمبيرغ 1934.

وفي حديثه بالوثائقي، قال بول جاسكوت أستاذ التاريخ في جامعة ديبول: إن هتلر في تلك المرحلة كان زعيما سياسيا لا يشبه أحدا، فقد استغل السينما ووسائل الإعلام في ترسيخ سلطته.

ومن خلال الفيلم الذي عُرض في جميع دور السينما، أصبح هتلر زعيما وطنيا يجلس في الساحة السياسية دون منافس ليبدأ عهدا جديدا من الهيمنة وبسط القوة.