“ميخائيل هانيكي”.. صانع رُعب السينما الواقعية الغارقة في العنف

ربما لم يختلف النقاد والمشاهدون حول صانع سينما قط، اختلافَهم حول المخرج والكاتب النمساوي “ميخائيل هانيكي”، وذلك لأسباب جلية لا تحتاج للبحث.

يكفي أن نشاهد فيلما أو اثنين من أعماله، لندرك أنه يعزف على أوتار لم يقربها أحد غيره، مع ما يثير فينا من رعب، ثم يتركنا نتطلّع بانجذاب ملموس للشاشة، متسائلين عشرات الأسئلة التي لن يجيبها، فهو لا يطرح الأسئلة، ولا يقدم الإجابات، بل إنه لا يعرفها كما يدّعي، ويؤكد أن كل الإجابات صحيحة وممكنة.

اقرأ أيضا

list of 4 itemsend of list

لم يبدأ العجوز السبعيني الإخراج السينمائي إلا في عقده الخامس، وهو يبدو أول وهلة متلذذا بما يعانيه أبطاله ومشاهدوه على حد السواء، لكن بالمشاهدة المتأنيّة نجده مبدعا ومفكرا حقيقيا، يكتب عن الحقيقة التي لا يريد أحد أن يصدق وجودها، فيقدم سينما مخيفة ومختلفة.

الكتابة.. صنعة لا يحب أن يتخذ فيها شريكا

لا يشرع “هانيكي” في كتابة أعماله إلا حين تكون الفكرة قد اكتملت تماما برأسه، فيبدأ بفكرة بسيطة، يبحثها جيدا، يرسم شخصياته ويعرف مصائرها، ويكتب. ثم إنه لا يحب أن يشاركه أحد، وينقب عن الأفكار الأصيلة، لا سيما تلك التي تبحث في أعماق المشاعر الإنسانية.

في فيلمه الأول “القارة السابعة” (Der siebente Kontinent) الذي عُرض عام 1989، يستعرض الحياة اليومية العادية جدا في عائلة متوسطة الحال، فيتنقّل بين يومياتهم العادية، من التسوق، وغسل السيارة، وإعداد الطعام، وكتابة الخطابات للوالدين البعيدين.

وحين تبدأ الشعور بعاديتهم، تنقلب الأحداث تماما، وتبدأ ‏العائلة الهادئة تحطم المنزل وحياتها بأكملها، فالأب يحطم الأرفف، ويمزق الكتب، ويدمر حوض السمك، فتتناثر الأسماك الصغيرة على الأرض.

تموت الأسماك بين صرخات الطفلة الصغيرة، التي مزقت كراساتها وكتبها المدرسية، وأما الأم فتمزق النقود، فيدفعها الأب داخل المرحاض، وتختفي تحت دفعات الماء، ثم يُقدمون جميعا على الانتحار!

لقطة من فيلم “حب” الذي كتبه وأخرجه “ميخائيل هانيكي” (2012)

وفي فيلمه الأخير “حب” (Amour) الذي عُرض عام 2012، ابتعد عن العنف والحوادث الغرائبية في أفلامه، واختار أن يكتب عن الموت، وكان قد خبره حين انتحرت خالته، التي ربته صغيرا.

لقد كانت الخالة مصابة بمرض الروماتيزم، وطلبت منه أن يمسك يدها وهي تبتلع حبوب المنوم، فلما أبى ابتلعتها بنفسها بعيدا عنه، لكنه وجدها وأنقذها، وبعد مرور عام آخر انتحرت. ومع أن العجوز في الفيلم لم تنتحر، فإنها ألحّت في طلب الموت من زوجها الذي يرعاها.

لقد قدم لنا “هانيكي” المرض والذبول، وإرهاق الناس بالرعاية والتعاطف، والهاجس المرعب الذي ينتاب العجائز، وكل ذلك في إطار هادئ ومرعب في الوقت ذاته، وتحت عنوان “الحب”.

في الفيلمين يقتل أحد ما حبيبه، فيسمع صوته متحشرجا منتظرا الموت الذي أراده، لكن الطرق التي سلكها كل منهم إلى تلك النهاية هي ما يهم “هانيكي”، فكيف تبدو الأشياء شديدة العادية، وهي تخفي في بواطنها رعبا نفسيا لم يتصوره أحد؟

ثم إنه لا يقدم مبررات كثيرة لتصرفات أبطاله، بل إنه لا يعرف لها مبررا، وحين يسأله ممثلوه عن تاريخ الشخصية في خياله، يقول إنه لا يعرف، وعلى كل ممثلٍ أن يفترض ما يراه مناسبا، لكنه في الوقت ذاته لا يتركهم يرتجلون إطلاقا.

أبطال يقترفون العنف لأنهم يستطيعون!

أبطال “ميخائيل هانيكي” يرتكبون العنف لأنهم يستطيعون ذلك، وذلك ما أكده في فيلميه “فيديو بيني” (Benny’s Video)، و”ألعاب مسليّة” (Funny Games) بنسختيه النمساوية والأمريكية.

في الفيلم الأول يصادق “بيني” فتاة صغيرة تقاربه عمرا، كان قد لقيها في متجر شرائط الفيديو، فيصطحبها لمنزله، ويريها الكاميرا ونظام التسجيل والعرض، ثم يقدّم لها الطعام والشراب على مائدة العائلة وهما يتسامران، ثم يريها سلاح قتل الخنازير الذي أخذه خلسة من مزرعة والده، ثم يقتلها.

ربما كانت الضربة الأولى خطأ، لكنه -وهو يتمتم أسفا- يعبئ السلاح ويطلق النار مرة أخرى على الفتاة وهي تصرخ في ألم، ثم تصمت للأبد.

ما من سبب يدفع الفتى المراهق لارتكاب جريمة القتل، ولا ما لحقها من شر غير مبرر، يُرتكب بهدوء وبساطة شديدين، لكنه يفعل ذلك لقدرته عليه، ولثقته في الهرب من عواقبه.

لقطة من فيلم “مخفي” (Caché) الذي كتبه وأخرجه “ميخائيل هانيكي” (2005)

بعدها بخمسة أعوام، عاد بطل “فيديو بيني” إلى أكثر أفلام “هانيكي” عنفا؛ وهو فيلم “ألعاب مسلية”، وكأنه تصوّر لما سيؤول إليه حال “بيني” حين يشب، فنراه يعاونه صديقه، وهما يستخدمان العنف لترويع عائلة صغيرة بمنزلها الريفي.

ليس ذلك عندهما إلا لعبة مسلية، تمثلت في رهان بينهما وبين الزوجين، عن ما إذا كانا سيبقيان حيين حتى التاسعة صباحا.

لقد كان الشابان قادرين تماما على القتل، بعد أن أقعدا صاحب المنزل، لكنهما لا يريدان فعل ذلك بسرعة ويسر، بل يستمتعان بترويعهم. وحين يسأل الزوج أحدهما عن السبب، يجيب ببرودة: لأنني أستطيع.

كره كثير من الناس الفيلم، واستهجنوا العنف غير المبرر، حتى وإن كان بعيدا عن الشاشة، فقد أرعبهم ما يمكن أن يفعله الشابان، لكن “هانيكي” استنكر غضبهم، وقال إنه صنع الفيلم ليخرج من كرهوه من الصالات قبل إتمامه، وعلى من أكمله أن يتحمّل عاقبة استمراره في مشاهدة اختلال نفسي بهذا القبح!

تقاطع عابر مع السياسة على رصيف الحكاية

درس “ميخائيل هانيكي” الفلسفة وعلم النفس والدراما بجامعة فيينا، فأصبح أكثر اهتماما في أعماله بالنفس البشرية وطبيعتها ومكنوناتها، ولا يهتم بالسياسة ولا التاريخ، إلا إذا تقاطعا مع فكرته عرَضا.

في عام 2005، قدّم فيلم “مخفي” (Caché)، فاقترب قليلا من أزمة التعايش بين الفرنسيين والمهاجرين، لكن قلب الفيلم هو الشعور بالذنب، الذي يعود ليطارد رجلا بعد أعوام من خدعة ارتكبها بحق صديق طفولته الجزائري الصغير.

يعود الماضي في رسوم طفلٍ وشرائط مراقبة، تُرسل لمنزل الرجل وتذكره بما فعله، وحين يبحث عن صديق الطفولة ويجده، ينفي الرجل علاقته بالأمر.

السؤال الذي يطرحه “هانيكي”، أو يرغب في أن يطرحه مشاهدوه، هو: كيف سيتعامل المرء مع شعور الذنب ذلك، وكيف يغير ادعاء طفل حياة أناس كثيرين، لم يكن ينبغي أن يشعروا بالذنب حياله.

ثم إنه عاد وقدّم فيلما آخر تقاطع مع السياسة تقاطعا عابرا، وهو فيلم “الشريط الأبيض” (Das weiße Band) عام 2009، وقد بدأت فكرته بصورة تراود عقله منذ عشرينياته، عن فتيات بقرية ألمانية شمالية في القرن التاسع عشر، شعرهن ذهبي معقوص في ضفائر أو كعكات.

لقطة من فيلم “ألعاب مسلية” (Funny Games)، الذي كتبه وأخرجه “ميخائيل هانيكي” (1997)

فبدأ يقرأ عن تاريخ تلك الحقبة، وتطرق أكثر لأساليب العقاب والتأديب في المدرسة وبين العائلات المحافظة، وهكذا قدّم فيلما عن قرية صغيرة قبيل الحرب العالمية الأولى، تقع بها بعض حوادث العنف الغامضة، التي لا نعرف مرتكبيها.

لم تُذكر السياسة إلا عرَضا، ولم يهتم “هانيكي” بالفروق الطبقية بين العائلات، ولم يستعرض أثرها على الأحداث، وكل ما كان يعنيه هو أثر أساليب التربية المتزمتة على الأطفال، والعلاقات بين الأفراد في القرية، وتأثرهم بما يحدث.

الصورة والصوت الموغلان في العفوية

لا يعرض “ميخائيل هانيكي” عنفه على مشاهديه مباشرة، فلا تتفجر الرؤوس على الشاشة، بل تُسمع أصوات الطلقات النارية في خلفية إطار آخر، وحين يعود بكاميرته تخبرنا الدماء المتناثرة بحقيقة ما حدث.

وهو في أغلب الوقت يثبّت الإطار تماما، ويترك لنا الوقت لاستيعاب التفاصيل، بلا حركة زائدة ولا لقطات مقرّبة. يصنع بالصوت والصمت مع الصورة ثنائية تضع مشاهده في قلب المشهد، بلا موسيقى تصويرية، ولا مؤثرات صوتية.

فليس في أفلامه إلا الأصوات الطبيعية، أصوات التلفاز والمذياع، والموسيقى التي يسمعها أبطاله، وهو ينتقي مقطوعاتها من مكتبته بدقة، حرصا على أن تلائم شخصياته.

الفيلم يعني أن تكذب 24 مرة بالثانية الواحدة، لتُقدِّم الحقيقة.

المخرج ميخائيل هانيكي

في فيلم “مدرّسة البيانو” (La pianiste) الذي اقتبسه من رواية بنفس العنوان، كان طبيعيا أن تشغل الموسيقى مكانا بالفيلم، ومع غرابة بطلته وتعقيد علاقتها بأمها وتلاميذها، وكل الخلل الذي يحيط بتصرفاتها، فإن الموسيقى العتيقة التي استخدمها “هانيكي” تضفي هدوء وطبيعية، وتعادل مشاعر النفور التي قد تصيب المشاهد، فتصبح المشاهدة تجربة مهيبة بين الكراهية والحب.

“ميخائيل هانيكي”.. مكانة سينمائية مرصعة بالجوائز

إن “ميخائيل هانيكي” لمُخرج كبير، أحببنا ما يقدمه أم كرهناه، وقد حصد جوائز كثيرة، منها:

  • سعفتان ذهبيتان من مهرجان كان في عامي 2012-2017.
  • جائزة أفضل مخرج من مهرجان كان في عام 2005.
  • جائزة لجنة التحكيم الخاصة من مهرجان كان في عام 2001.
  • أوسكار أفضل فيلم أجنبي 2013.

ناهيك عن عشرات الترشيحات الأخرى، التي تشيد بأعماله كتابة وتنفيذا.

يميل “هانيكي” للتطرف في تقديم دراما صادقة، كأنها قطعة من الحياة الطبيعية لأناس عابرين، يعنى بأن يقدم أبطالا ميسوري الحال مثقفين، ويعرض لنا الجوانب الخفية في حياتهم، ليصدمنا بما لا نرغب في معرفته، فنكرهه، ويبتسم هو في تفهّم وثقة، كدأب من يعرف أكثر.


إعلان