“كياروستامي” .. صُوفيّ السينما الأخير

 
عبد الكريم قادري
 
“أعتقد أن العقل لا يجب أن يعمل بعيدا عن القلب، فأي تضارب بينهما لن يكون جيدا، ولذلك ليس هناك أي اختلاف بينهما إذا كنت مهتما بالتعبير عن الأفلام” عباس كياروستامي
صفحة بيضاء ينظر إليها فتُولد المعاني، يرسمها بذهنه أحداثا وتفاصيل، تقود إلى التجلي والذوبان في الفكرة، يُلحّ ويُصر حتى يأتي بما لم يتطرق له غيره، لا يهتم بالقواعد، بل يخلقها، ولا بالمُجمل، بل يُفتته، وحدها التفاصيل الصغيرة تغريه، من هنا خلق بصمته، وشاع تميزه، وكثُر مريدوه/ جمهوره، باع نفسه للجمال والفن والفكر، فسكنوا أنامل أصابعه، حلّ فيهم، حتى أصبح لسان حالهم وفلسفتهم في الكثير من أفلامه، كل مرة يتلوّنون بشخصية من شخصياته، ليتضح منهم وبهم القُرب والبُعد، الاتحاد والحلول، هذا هو عباس كياروستامي (22 يوليو/1940- 04 يوليو/2016) .. صُوفيّ السينما الأخير، المخرج الإيراني الذي لا أقول رحل، بل ذهب لوجهة غير التي ألفناها وعرفناها.
 
ذهب كياروستامي وترك لنا لوحات سينمائية عامرة بالجمال والمعنى، نابضة بالبعد الإنساني، لا تأبه بالحدود والجغرافيا، ولا بالزمان والمكان، هُلامية، تتبدد وتتجدد كل مرة، ولا تموت، لأنها مؤسسة على  قاعدة جمالية صلبة، وبُعد فلسفي متين، ترك لنا سينما تطرح الأسئلة، تحفر في الذات عميقا، ترك لنا شخصيات سينمائية وكأنها حالات فرويدية تعكس نظريات نفسية مُكبلة بسلوكيات مرضيّة، و تراكمات الماضي الذي أفرزته، وكأنه يحلّ في كل شخصية ليُعطيها بعدا مُقنعا، فمرة نراه يسأل ببراءة طفولية “أين منزل صديقي..؟”1987، وأخرى يتلذذ بـ”طعم الكرز”1997، ويمر بنا “بين أشجار الزيتون”1994، ويؤكّد بأنّ “الحياة ستستمر”1992، وهذا حين يُقّرب عدسة الكاميرا، ليأخذ مشهد ” كلوز- آب”1992، نرى به دواخلنا المظلمة، لا يتوقف هنا، بل يعدُ مُريديه بالفناء، ويغريهم بالتحليق لأنه وحسب معطياته “ستحملنا الريح” 1999 عاليا، ليتحول الكُل إلى “مسافر”1974 عبرها.
 
لقطة من فيلم "كلوز – أب"
 
عناق حار مع السينما
 
المُتتبع الجيد لأفلام عباس كياروستامي لا بد أن يخرج بجملة من الملاحظات المُرقّمة أو المُرتبة أبجديا، من خلالها سنعرف خصائص وأدوات هذا المخرج، ولأن كياروستامي لا يأبه بالقواعد، والقوالب الموروثة، سننحو نحوه، ونتعامل مع موروثه السينمائي بنقد صوفي، كما كان يتعامل مع أعماله بجمال صوفي، أي أننا سنحاول أن نعرف سرّ العناق الحار الذي حدث بين عباس كياروستامي والسينما، هذا العناق الذي ولّد  كل هذا الجمال.
 
عرف كياروستامي بأن الأجهزة الحديثة والمتطورة، والأغلفة المالية المرتفعة، لا تصنع بالضرورة أفلاما كبيرة وخالدة، وقد عكس هذه القناعة في أعماله، ونجح فيها نجاحا باهرا، أي أنه دخل للعالمية بها، ويكفي أن يكون هناك مصور يحمل كاميرا عادية، وملتقط صوت، وفكرة جيدة، ليصنع لنا فيلما خالدا، أي أن جهود المخرج وتفكيره كان يتمحور حول الطريقة التي يقدم بها نفسه، أي فكرة الفيلم، لجملة من المريدين/ المشاهدين، حول العالم، كيف سيضمن بقاءها صامدة تحاكي ذات الإنسان، كيف سيتغلّب ويخلق شكلا جديدا في فيلمه، يخرج من خلاله من تبعية الأشكال الموجودة، ويقدم به ما يود تقديمه بانسجام وسلاسة.
 
نجد مثلا في فيلم “كلوز- آب” بأن هناك تجديدا على مستوى الشكل الفني، وكياروستامي طبعا لم يقم بهذا التجديد من أجل التجديد، بل سؤاله كان يتمحور حول كيفية تقديم هذه القصة بأحسن طريقة وأفضلها، على الأٌقل في نظره، هذه القصة التي تتمحور حول شخص اسمه “سابزيان” انتحل شخصية المخرج الإيراني (محسن مخملباف 1957)، لعشقه الكبير للسينما وصناعها، وقتها كيارسوتامي كان يشتغل على أحد المشاريع السينمائية، لأن هذه القصة أثارته، ما جعله يتوقف ويتفرغ لها، وعليه قام بتصوير محاكمة “سابزيان”، وإجراء مقابلة معه، وبعد الانتهاء من هذا طرح السؤال التالي، ما الذي سأفعله بهذه المادة الفيلمية المحدودة..؟ وهل يكفي هذا لصنع فيلم..؟ طبعا لا يكفي ، لذا قرر البحث عن طريقة تمكّنه من إنهاء الفيلم والمحافظة على روحيّة القصة، ومن هنا قام بخلق “مشاهد تمثيلية” جديدة في الفيلم، مع الحفاظ على الحد الأدنى من الحقيقة، التي قال عنها كياروستامي “لا يمكن أبدا أن نقترب من الحقيقة إلا عبر الخيال”، وفعلا اقترب من الحقيقة، وحقق حلم “سابرزيان” بأن يصبح سينمائيا، لأنه ليس هناك فرق بين البطل والمخرج، فكلاهما تحت قبة السينما.
 
تحول هذا الفيلم إلى تحفة خالدة، ما جعل المجدد الكبير وأحد أقطاب “الموجة الجديدة” (جون-لوك جودار 1930-) يقول عنه ” بأن السينما تنتهي عنده”، أما (كونتين تارنتينو 1963-) فلم يجد ما يقوله بعد مشاهدة الفيلم سوى بأنه صفق بحرارة لأكثر من خمس دقائق كاملة، أما (مارتن سكورسيزي 1942-) فقال ” إنه أعلى مراتب الفنية السينمائية”، من هنا يكون فيلم “كلوز- آب” فتح وخلق طريقة مُعالجة جديدة في صناعة السينما، وبصمة خاصة بكياروستامي.
 
لقطة من فيلم "طعم الكرز"
 
فتوحات سينمائية/ تحليق بدون أجنحة
 
بعد “كلوز- آب” الذي حصد من خلاله “جائزة سينما ريمني الفضية”، حقق بعده كياروستامي العديد من الأفلام المهمة، وفي نفس السنة تقريبا قام بإخراج فيلم “وتستمر الحياة” الذي حصد ” جائزة روسيليني في مهرجان كان”، وبعدها بسنتين قام بإخراج فيلم “عبر أشجار الزيتون” الذي يُعد واحدا من ثلاثية كوكر، وبعدها بسنتين قام بإخراج فيلم “رحلة باتجاه القمر”، ليعثر على فيلمه الخالد ” طعم الكرز” 1997، الذي حصل من خلاله على أعرق وأهم جائزة عالمية، وهي ” جائزة السعفة الذهبية في مهرجان كان السينمائي”، وتكمن قوة الفيلم من خلال تقنيته البسيطة، التي اشتغل من خلالها على التفاصيل التي جاءت محملة بالشعرية والصوفية، عبر قصة الفيلم التي تتمحور حول شخص يُريد الانتحار، وفي خضم هذا يبحث على من يرمي عليه التراب ويدفنه عندما يموت، أي أنه قام بتجهيز حفرة تحت شجرة كرز، وبدأ رحلة البحث عن هذا الذي يرضى بأن يقوم بهذه المهمة، وفي خضم هذا يعثر على مجنّد كردي فقير، قدم له عرضا ماديا وإنسانيا لكنه رفض هذه المهمة وفرّ، ثم قدم العرض لشاب أفغاني، يدرس في إحدى كليات طهران، رفض هو الآخر، ليعثر في الأخير على عجوز تركي يشتغل في متحف للفن الطبيعي، له محاولات وتجارب في الانتحار، وأثناء كل هذا يدخل الرجل مع هؤلاء في محاورات فلسفية كبيرة عن ماهية الانتحار، من خلال جوانب دينية وإنسانية واجتماعية، أي  أن كل فرد فيهم لديه مرجعية وتصور للانتحار، لكن أكثرهم فلسفة هو العجوز التركي الذي يملك تجربة في هذا، ومن هنا كان أكثرهم دراية ووعيا بهذه التجربة، قدم كياروستامي هذه التجربة التي تتراوح بين الحياة والموت عبر مشاهد حوارية طويلة، لكنها مفعمة بالحيوية، قوية من الناحية الإنسانية.
 
وبعد سنتين دخل في تجربة أخرى من خلال فيلم “سوف تحملنا الريح”، ثم الفيلم الوثائقي “أفريقيا إي بي سي” الذي تطرق من خلاله لمرض الايدز في إفريقيا، ثم فيلم “عشرة”، الذي شارك في الدورة الـ 55 من مهرجان كان السينمائي”، وصولا إلى آخر أفلامه “مثل عاشق” 2012.
 
لقطة من فيلم "سوف تحملنا الرياح"
 
عباس كياروستامي تجربة سينمائية امتدت لعقود من الزمن، كانت بدايتها من خلال الفيلم القصير “الخبز والشارع” 1970، بالأبيض والأسود، ثم تلتها العشرات من الأفلام القصيرة والمتوسطة الأخرى، ناهيك عن تعاونه مع العديد من المخرجين ككاتب سيناريو، وقد ساعد في اتّقاد موهبته السينمائية، كونه يمتلك آليات ومرجعيات فنية أخرى، إذ سبق له وأن عمل رساما ومصمم جرافيك ورسام كاريكاتير، كما عمل في مجال الدعاية والإعلام والإعلانات، وعلى عكس العديد من المخرجين الإيرانيين قرر البقاء في بلده بعد الثورة الإسلامية سنة 1979، حيث قال في هذا الصدد “حينما تأخُذ شجرة مثمرة من مكانها وتزرعها في مكانٍ آخر فهي ببساطة لن تُثمر”.
 
ومن أجمل الشهادات التي قيلت في تجربة هذا المخرج هو ما قاله المخرج الياباني الكبير أكيرا كوروساوا (1990-1998) “أعتقد أن أفلام المخرج الإيراني عباس كياروستامي رائعة واستثنائية، والكلمات وحدها تعجز عن وصف مشاعري…على أني اقترح عليكم مشاهدتها وعندها ستعرفون ما أعنيه.
 
إن “سانتيا جيت راي” قد مات، ومنذ هذه اللحظة أُحس بالتيه والتخبط، وأجدني مقلوبا رأسا على عقب، ولكن مجرد مشاهدة أفلام كياروستامي تدعوني لأن أشكر الله، فقد حصلنا على بديل صالح لراي.
 
في الآونة الاخيرة ومع تردي أحوال السينما، في الدول المتقدمة سوف نجد بعض الأمم وبخبرات بسيطة في مجالات صناعة السينما قد أنتجت أعمالا قيمة، …وما أعنيه هو أنني لا بد من أن أقف لحظة تأمل جادة من بعد مشاهدتي لأفلام عباس كياروستامي.”