عبد الحسين عبد الرضا.. عبقري مدرسة الفرح

ياسر ثابت

 

ظل خمسين عاما يُطعم الشمس فنا. وكأيّ نحاتٍ جميل جعل منحوتاته الدرامية أجمل ما في الميادين. أزال قطع القطن من الآذان، ليسمع الجميع ضحكة الخليج التي ترن أصداؤها في القلب.

تارة يزهر الورد على المسرح، فيكون أداؤه ذراعا تسند خشبة الفن العريق أمام جمهور عريض، وتارة أخرى في مسلسل تلفزيوني يُوزّع السعادة والبسمة على الخليج وباقي المنطقة العربية، وفي أحوال ثالثة كانت أوبريتاته الخفيفة الظل لحن المعاني السلسة والحكايات التي تبقى في الذاكرة.

حفظت أجيال متعاقبة ملامحه الضاحكة، والتجاعيد قبل البسمة، وتصبّغات أسنانه، وشعره الأبيض المسترسل، وصوته الجهوري ومزاجه البركاني.

ممثل قدير من جيل الروّاد ومن مؤسسي الحركة الفنية في الخليج مع مجموعة من الفنانين منهم خالد النفيسي وعلي المفيدي وسعد الفرج وإبراهيم الصلال وغانم الصالح وغيرهم. سبقه أكثرهم إلى مفارقة الحياة، لكنه بقي راسخا مثل أبراج الكويت، متحديا المرض والمتاعب الصحية، إلى أن وافته المنية في 11 أغسطس/آب 2017.

عاش 78 عاما أمضى ثلثيها في الوسط الفني دون توقف ولا كلل أو ملل، حتى حان أجله لينطفئ ضوءٌ مِن ألمع أضواء المسرح الخليجي والعربي، وحين يرحل مبدع حقيقي تترنح الذاكرة ويسقط جزء منها.

 

عبد الحسين.. الخارج عن النص

إنه الممثل الكويتي عبد الحسين عبد الرضا (1939-2017) الذي رحل بطريقته الخاصة، خارجا عن النص كجزء من شخصيته الفنية الفريدة، مُعتمدا على الحدث غير المتوقع، والخروج الراقي عن سياق المشهد التمثيلي المباشر والمُعدّ مسبقا، ليُعيد الكرّة مرارا مؤكدا أن القامة الكبرى ليس لها إلا أن تكون هكذا قامة.

حتى بالخروج الأخير وهو الخروج الأكبر عن نص الحياة الرتيب والمليء بالإسفاف؛ خرج عن سياقه المعتاد وكوميدياه العميقة بضحكها منذ خطوته الأولى على خشبة المسرح، فحوّل الكوميديا والإبداع والفرح إلى دموع صادقة، ليتحوّل المشهد برمّته إلى وجع الفقد العميق وإلى الدموع قاسما مُشتركا بين عيون أبناء هذه المنطقة ومن يجاورها ممن لا يزال يحمل ذائقة سليمة.

كان بحق مدرسة الفرح ذات اللون المنفرد، والمارد الذي استطاع أن يجعل العقود الخمسة الماضية بتقلباتها المخيفة والحزينة أخفّ وطأة على أهل الخليج ودول الجوار. ظلّ يراهن على الفرح والمرح دون تكلّف، وعلى أنه صنعة ليست ببعيدة عن ابن هذه الجغرافيا الصعبة والمتجهمة بطبيعتها.

نال ما يليق به من ألقاب يمكن أن تختصر مسافة طويلة ومشوارا كبيرا زاخرا بالأعمال الفنية والمسرحية التي قدمها، مثل “هرم الفن” و”أسطورة المسرح” و”آخر من بقي من زمن العمالقة”، وغير ذلك من ألقاب تُحيي تجربته وترسّخها في سجل التميّز. لكن لماذا اختار الضحك؟

 

موت بالضحك

ربما لأنه لم يصادف بشرا ماتوا من الضحك، لكنه سمع روايات عمّن ماتوا قهرا أو كمدا، افترسهم الحزن وقلة الحيلة، فقرروا الانسحاب وترك الجلادين ليعيشوا بغيظهم.

تمكن باقتدار من تحويل الضحك إلى أفكار تدعو إلى التأمل، فأسقط الكثير من فلاسفة الفن العربي ومنظّريه ونخبته المزيفة، وذلك حين لاذ الكثير منهم بالصمت الوقح تجاه الأحداث التي شهدتها المنطقة العربية، وكأن شيئا لم يكن. في مشواره الفني الطويل كان يمضي مُسرعا، وينتقل من عمل فني إلى آخر، لدرجة أنه لم ينتبه إلى أنّ ما تعثّر به كان حالته الصحية.

بقي عبد الحسين عبد الرضا لعقود أيقونة الدراما الخليجية الفنية والمسرحية التي لا يشقّ لها غبار عبر تاريخ طويل على خشبات المسارح والشاشات، لكنه ترجّل عن جواده بعد إجراء عملية جراحية في القلب نتيجة تعرضه لجلطة حادة.

فارق عبد الحسين الحياة في مستشفى بالعاصمة البريطانية لندن، وبذلك أغلقت الثقافة الكويتية صفحة من إبداعاتها، كما ودّعت قامة شامخة قدمت الكثير لأمتها، وأثرت في الحياة الفنية الكويتية ونالت التقدير أينما حلّت.

شارك عبد الحسين عبد الرضا في تأسيس "فرقة المسرح العربي" عام 1961
عبد الحسين عبد الرضا شارك في تأسيس “فرقة المسرح العربي” عام 1961

 

فن وعطاء موسوم

وُلد الفنان عبد الحسين عبد الرضا في دروازة عبد الرزاق بفريج العوازم في منطقة شرق في 15 يوليو/تموز 1939 لأب يعمل بحّارا، وهو السابع من بين إخوته الـ14، تلقّى تعليمه في الكويت حتى مرحلة الثانوية العامة في مدرستي المباركية والأحمدية.

عمل في وزارة الإرشاد والأنباء في قسم الطبع، ثم سافر في بعثة إلى مصر على نفقة الوزارة عام 1956 لتعلم فنون الطباعة، وفي عام 1961 سافر في بعثة إلى ألمانيا لاستكمال الدراسة في فنون الطباعة. كما تدرّج في الوظائف الحكومية حتى وصل إلى منصب مراقب عام قسم الطباعة في وزارة الإعلام عام 1959، إلى أن تقاعد في 30 سبتمبر/أيلول 1979، غير أن أهم ما يطبع حياته هو فنه وعطاؤه الموسوم.

كانت بداياته الفنية في أوائل ستينيات القرن العشرين، وتحديدا في عام 1961، حين ظهر في أول عمل مسرحي باللغة العربية الفصحى بعنوان “صقر قريش”، حيث كان بديلا للممثل عدنان حسين، وأثبت نجاحه أمام أنظار المخرج زكي طليمات، وتوالت بعدها الأعمال من مسلسلات تلفزيونية ومسرحيات لتنطلق معها الإنجازات والشهرة والجوائز وغيرها.

شارك في تأسيس “فرقة المسرح العربي” عام 1961، وفرقة “المسرح الوطني” عام 1976، وأسّس فرقة “مسرح الفنون” عام 1979 كفرقة خاصة، وفي عام 1989 أسّس “شركة مركز الفنون للإنتاج الفني والتوزيع”، وكان قد أسس في عام 1971 “شركة مطابع الأهرام”.

 

بين المسرح والتلفزيون

قدّم عبد الحسين للمسرح نحو 33 مسرحية أشهرها “باي باي لندن” و”بني صامت” و”على هامان يا فرعون” و”سيف العرب” و”عزوبي السالمية”، وكتب أيضا بعض الأعمال المسرحية التي مثّل فيها، وأسس عام 1989 شركة “مركز الفنون للإنتاج الفني والتوزيع”، كما أسّس قناة “فنون” عام 2006، وهي تشكل استمرارا لنهجه الفني والمسرحي.

في التلفزيون، شارك في أكثر من 30 مسلسلا يُعدّ بعضها أشهر المسلسلات الخليجية على الإطلاق، ولا يزال المسلسل الأول في الخليج هو مسلسل “درب الزلق” مع سعد الفرج وخالد النفيسي وعبد العزيز النمش وعلي المفيدي، وكذلك مسلسلا “الأقدار” و”قاصد خير”، وكان آخر ظهور له في مسلسل “سيلفي 3” عام 2017.

كتب عبد الحسين بعض أعماله المسرحية والتلفزيونية بنفسه، منها “سيف العرب” و”فرسان المناخ” و”عزوبي السالمية” و”30 يوم حب” و”قاصد خير” وغيرها، كما خاض مجال التلحين والغناء والتأليف المسرحي والتلفزيوني وأصبح منتجا.

 

“مستر بوش”.. أوبريت ونقد ساخر

“أبو عدنان” ذاكرة الشخصية العربية الأصيلة، والتي تنتمي إلى هذه الزاوية من العالم العربي الفسيح، تلك الشخصية المليئة بالبساطة والمحبة العميقة والسلام النفسي. ربما لهذا السبب تحديدا حمل عبد الحسين عبد الرضا هموم العالم العربي، واشتهر بنقده اللاذع للظروف السياسية القائمة، ساعده في ذلك المناخ المنفتح الذي تعيشه الحالة الفنية في الكويت. هكذا برع في أداء أدوار الشخصية الساخرة المرحة التي تنتقد وتسخر من الأوضاع العربية بقالب كوميدي.

كما اشتهر بجمال صوته، وهذا ما أعطاه تميزا عن بقية الفنانين في جيله، مما جعله يخوض تجربة “الأوبريتات” كأول فنان يقوم بعمل أوبريتات تمثيلية غنائية لقيت نجاحا كبيرا، بالإضافة إلى أنه غنّى ضمن أعماله التلفزيونية والمسرحية عندما كان العمل يستدعي ذلك.

وفي مطلع التسعينيات قدّم أغنية بمناسبة زيارة الرئيس الأمريكي الأسبق جورج دبليو بوش للكويت بعد التحرير بعنوان “مستر بوش”، شاركه بها حياة الفهد وداوود حسين.

 

ثنائيات الإذاعة والتلفزيون

قدّم عبد الحسين العديد من الثنائيات في الإذاعة والتلفزيون، لعل أشهرها مع رفيق مشواره الفني سعد الفرج، والذي اتضح في مسلسل “درب الزلق” و”مسلسل الأقدار” وعدد من المسرحيات، وكذلك مع الفنان خالد النفيسي في مسلسلات “محكمة الفريج” و”ديوان السبيل” و”الحيّالة”، علما بأن بدايته مع الثنائيات كانت مع عبد العزيز النمش ومحمد جابر في مسلسلات “مذكرات بوعليوي” و”الصبر مفتاح الفرج”، ومن أشهر الثنائيات التي قدمها كانت مع الفنانة سعاد عبد الله في عدد من الأوبريتات.

تحتفظ ذاكرة الناس بعشرات اللقطات والمواقف التي تجلّت فيها موهبة عبد الحسين الفنية وهو ينتزع ابتسامة الجمهور من وسط قسوة الواقع ويُمتّعه بقفشاته الذكية، مُتعاليا على كل ركام الاختلافات والوجع العربي الذي لا يزال سائدا.

تعرّض عبد الحسين عبد الرضا لعدة أزمات صحية، إذ عانى من أزمة قلبية عام 2003 أثناء تصويره لمسلسل "الحيالة"
عبد الحسين عبد الرضا تعرّض لعدة أزمات صحية، إذ عانى من أزمة قلبية عام 2003 أثناء تصويره لمسلسل “الحيالة”

 

في وداع المعلم

تعرّض عبد الحسين عبد الرضا لعدة أزمات صحية، إذ عانى من أزمة قلبية عام 2003 أثناء تصويره لمسلسل “الحيالة”، نُقِل على أثرها إلى المستشفى، وتبين إصابته بانسداد في الشرايين، وسافر بعدها إلى لندن لإجراء جراحة عاجلة، وعاد بعد شفائه لإكمال تصوير المسلسل.

كما تعرّض لأزمة حادة عام 2005 إثر إصابته بجلطة في المخ، فأُدخِل على أثرها العناية المركزة بمستشفى مبارك الكبير، ونُقِل بعدها للعلاج في ألمانيا.

وبعد الانتهاء من مسلسل “العافور”، أجرى عمليتي قسطرة للقلب في لندن عام 2015، وفي 9 أغسطس/آب 2017 نُقل إلى المستشفى حيث تعرض لوعكة صحية شديدة في العاصمة البريطانية لندن، ودخل العناية المُركّزة حتى وافاه الأجل المحتوم.

الفنان السعودي ناصر القصبي كان آخر من رافقه في عمل فني في رمضان عام 2017، حيث كتب “‏أُعزي نفسي بوفاة الفنان الكبير عبد الحسين عبد الرضا، وداعا أيها العظيم، غيابك أيها المعلم لا يملأه أحد”.

هكذا غادر عالمنا نجم الكوميديا عبد الحسين عبد الرضا الذي أبكانا من القلب جميعا برحيله.