أندرو كارنيغي.. قصة ثراء وكفاح من أجل السلام

حبيب مايابى

البيت الذي ولد فيه كارنيغي سنة 1835بمدينة دانفرملاين في أسكتلندا، وفيها بدأ حياته

عرف الفقر وبؤس الحياة في طفولته، ولكنه بعصاميته وجده ومثابرته سرعان ما حجز لنفسه مقعدا بين رجال الأعمال وأصحاب النفوذ وقادة العالم.

وبعد أن صُنف كأغنى رجل في العالم، تبرع أندرو كارنيغي بثروته لصالح الفقراء والمنكوبين في الحروب وتخلى عن ثروته من أجل أن يسود السلام في العالم.

وقد أنتجت الجزيرة الوثائقية فيلما بعنوان “قصة كارنيغي” سلطت فيه الضوء على عصاميته وكفاحه من أجل الإنسانية ونظرته للثروة والأثرياء.

في سنة 1835 ولد أندرو كارنيغي بمدينة دانفرملاين في أسكتلندا، وفيها بدأ حياته، وكان والده يعمل في إنتاج الصوف، لكنه بسبب التطور الصناعي لم يستطع أن يستمر في عمله بشكل مربح، فعاش كارنيغي بداية حياته في الفقر المدقع الذي عانى منه والداه.

ومع بداية شبابه هاجر مع عائلته من أسكتلندا إلى الولايات المتحدة الأمريكية أرض الفرص والأحلام حيث وصلها سنة 1848 بعد رحلة شاقة استمرت ثلاثة شهور.

وبعد وصوله للولايات المتحدة بدأ العمل سريعا في البريد، وكان يجني أسبوعيا دولارا واحدا و20 سنتا، ورغم ضآلة هذا المبلغ فإنه كان يساعد به عائلته.

كان الشاب حينها يشعر بالفقر الذي سرق منه طفولته وأدخله في عالم الكد والكدح، فسجل مقولته الشهيرة “عرفت الفقر وسأقضي عليه عندما أكون رجلا”.

كانت مدينة بيتسبرغ الأميركية حينها شريان الاقتصاد الصناعي في الولايات المتحدة كما قال المؤرخ رون باراف “تعتبر بيتسبرغ هي الطفل المدلل للصناعة الأميركية، ومن خلال العمل الدؤوب يمكن للإنسان أن يحقق فيها ما لم يحققه في أي مكان”.

بعد وصوله للولايات المتحدة بدأ كارنيغي العمل سريعا في البريد، وكان يجني أسبوعيا دولارا واحدا و20 سنتا

إلى قمة الثراء

انتبه كارنيغي لهذه الفرص وجمع ما جناه من العمل في مؤسسة البريد وغيرها، وبدأ يستثمر في مجال السكك الحديد، واستغل علاقاته ومعرفته مع العاملين في مجال السكك وسرعان ما نجح وجنى الكثير من الأرباح الطائلة.

وقد كانت السكك الحديد التي استثمر فيها مهمة أيام الحرب الأهلية في الولايات المتحدة، لأن كل شيء يُنقل من خلالها، فأصبحت الحرب آلة لجني المال فأماكن الحروب محل للربح السريع.

وفي تلك الفترة توسعت دائرة أعماله في جميع الأصعدة حتى أبرم أكبر صفقة على الإطلاق مع البحرية الأمريكية.

وقاده الطموح إلى المخاطرة وبدأ يتجه للاستثمار في الصلب والفولاذ، بينما كان رجال الأعمال يستثمرون في مجال الحديد، فأسس مصنعا للصلب عام 1875 عاد عليه بأرباح فاقت توقعه.

وساهمت شركاته الصناعية في إعادة الإعمار وبناء أمريكا الحديثة، فأشرفت شركاته على إنشاء أهم المنشآت المعمارية كجسر بروكلين في نيويورك وتطوير البنى التحتية في بيتسبرغ، فحقق أرباحا من ذلك كما يقول الأستاذ بجامعة كارنيغي رون سكوت “إن إعادة الإعمار في الولايات المتحدة أعطت كارنيغي فرصة للصعود، والحاجة الماسة للصلب وضعته في المكان الصحيح والزمن الصحيح”.

وفي سنة 1891 نقصت أجور العمال في مصانع الصلب والفولاذ بسبب انخفاض الطلب، فقامت إضرابات كبيرة في بيتسبرغ، لتتفاقم الأزمة إلى معركة بين المضربين وحراس المصانع، فتوفي 300 شخص في ذلك الإضراب عام 1892 فتحسر أندرو على ذلك وانتابه شعور بالألم.

بعد أن صُنف كأغنى رجل في العالم، تبرع أندرو كارنيغي بثروته لصالح الفقراء والمنكوبين في الحروب

إنجيل الثروة

على عكس كثير من الأثرياء الذين عرفوا الفقر في طفولتهم وأنساهم طول الزمن مُر الحياة، كان أندرو كارنيغي يشعر بالفقراء في جميع أنحاء العالم، وكانت نزعته الإنسانية طاغية عليه في مساره المهني الحافل بالنجاحات، وكان يعتقد أن جمع الثروة ليست هي كل شيء في الحياة بل على الإنسان أعباء أكثر من ذلك بكثير.

يقول الناشط الخيري السير توم هينتر “لم يكن كارنيغي مهتما بجمع الثروة لشخصه بقدر ما كان يرى فيها إنقاذا للناس ومعاناتهم، بل كان يرى أن الرجل الذي يموت ثريا يموت منبوذا”.

تبنى كارنيغي نظريات خاصة عن المال وكيفية تحصيله وإنفاقه، فكتب مقالا بعنوان “الثروة” ليُعرف لاحقا بإنجيل الثروة، وهو كتاب موجه لرجال المال وأصحاب الثروات الكثيرة يحثهم فيه على الاستثمار في المجالات الإنسانية والإنفاق على العلم.

وبعد سيطرته على قطاع الصلب لثلاثة عقود وتصنيفه أكبر مستحوذ على مجال الصناعة في نهاية القرن الـ19، أبرم صفقة بتاريخ 2 مارس/آذار 1901 مع مجموعة بنك جي بي مورغان وباع مصنع الصلب في بيتسبرغ بمبلغ 480 مليون دولار.

كان رجل الأعمال الطموح مهتما بالعلم، فقام ببناء ما يربو على ثلاثة آلاف مكتبة و22 معهدا علميا لأنه يعتقد أن التعليم هو المخلص للشعوب من الفقر. وقام بتمويل جامعة كارنيغي في بيتسبرغ وكذلك أضخم متحف يحمل اسمه في نفس المدينة.

وخلال مسيرته الخيرية تبرع بـ350 مليون دولار أمريكي، ومجموع ما تتبرع به مؤسساته الخيرية يعادل مبلغ 150 دولارا عن كل دقيقة.

خلال مسيرته الخيرية تبرع بـ350 مليون دولار أمريكي، ومجموع ما تتبرع به مؤسساته الخيرية يعادل مبلغ 150 دولارا عن كل دقيقة

الكفاح من أجل السلام

ارتبط كارنيغي بعلاقات وطيدة مع الرئيس الأمريكي فرانكلين روزفلت إذ ينتميان للحزب الجمهوري، وقد دعمه في ترشحه للرئاسة وأنفق عليه بسخاء لأنه كان معجبا بأفكاره وحبه للسلام، وبعد نجاحه تبنى الرئيس روزفلت نظريات كارنيغي الثقافية كخطة تبسيط اللغة الإنجليزية.

وكان كارنيغي قد شيد قصرا منيفا في سكيبو في مرتفعات أسكتلندا، واستقبل فيه الكثير من السياسيين وأساتذة الجامعات، فأصبح قبلة للمنظّرين وقادة السياسة في العالم.

وبعد بيعه لشركات الصلب واهتمامه بالأعمال الخيرية، عمل أندرو كارنيغي على إخماد الفتن بين الشعوب ووأد الحروب والنزاعات.

وكان روزفلت قد نجح سنة 1905 في إنهاء الحرب بين اليابان وروسيا فنال بذلك إعجاب رجل المال والسلام.

وبعد خروجه من البيت الأبيض عام 1909 طلبه كارنيغي أن يعمل معه سفيرا للسلام، فقبل ذلك لكنه اشترط تمويل رحلة إلى القارة الأفريقية فتم له ذلك.

توجه روزفلت سفيرا للسلام مبعوثا من كارنيغي إلى أوروبا يحمل أفكار السلام، وشرح خطورة الحروب على الإنسانية، وعندما أصبحت الأجواء توحي باندلاع حرب عالمية نكص روزفلت على عقبه وخان مموّله وباعثه وأصبح يصفه بالطفل المغرور، لكن ذلك لم يثن كارنيغي عن طموحه ومواصلته لجهود السلام والحيلولة دون وقوع الحروب.

تبنى كارنيغي نظريات خاصة عن المال وكيفية تحصيله وإنفاقه، فكتب مقالا بعنوان "الثروة" ليُعرف لاحقا بإنجيل الثروة

كان رجل الأعمال يطالب بإنشاء لجنة دولية للتحكيم وتكون مستقلة للحيلولة دون وقوع الحروب.

وفي سنة 1913 حضر افتتاح قصر السلام في مدينة لاهاي بهولندا الذي كلفه 1.5 مليون دولار، وما زالت صورته منحوتة في ذلك القصر كأحد أهم دعاة السلام في العالم.

وفي سنة 1914 احتضن قصر سكيبو أول اجتماع لاتحاد كنائس السلام الذي أسسه نفس العام وسخر له جميع الوسائل من أجل العمل على منع الحروب.

وبعد أن أرسلت ألمانيا جنودها لغزو فرنسا شعر أندرو كارنيغي بالإحباط وخيبة الأمل لأنه لم يستطع أن يوقف الحرب، فأصيب بالاكتئاب وظل مريضا حتى فارق الحياة سنة 1919