أحمد شوقي.. أمير الشعراء

أميرَ القوافي قد أتيتُ مُبايِعا

وهذي وُفودُ الشرقِ قد بايَعَت مَعي

هكذا توج حافظ إبراهيم صديقه أحمد شوقي بك بوسام الإمارة، وتاج زعامة الشعر العربي في حفل بهيج في القاهرة سنة 1927، ومنذ أن حمل الرجل ذلك اللقب لم ينازعه في الإمارة منازع، ولم يسلبه حضوره الطاغي في ذاكرة الأدب العربي المعاصر سالب من قسوة النقاد، أو تجارب المدارس الشعرية المتعددة التي حاولت أن تجدد في الأدب شكلا ومضمونا، بل ومثلت ثورة غير متناهية على فنيات وقيم شعرية كان وما زال أحمد شوقي أبرز ممثل لها.

لا يزال أحمد شوقي خالدا كنغمة ساحرة في فم الزمان الشادي، ولا تزال أغاريده الشعرية وطنية كانت أو إنسانية أو ذاتية تبحر في ثنايا الأيام، وتأخذ كل يوم بشغاف جيل عربي جديد.

أحمد شوقي.. طفولة في القصور

يتوزع انتماء أحمد بن علي بن أحمد شوقي بين أب كردي وأم تركية شركسية، وفي تلك الأسرة التي أقامت في مصر، ولد الطفل أحمد في 16 أكتوبر/تشرين الأول 1868 في حي الحنفية بالقاهرة القديمة، حيث تمتد الحارات والأزقة لتصافح الزمان والتاريخ، وتختزن في الأمكنة المتراصة رياحين متعددة من قصص الحياة والنبوغ والكدح من أجل حياة باسمة مثل تقاسيم المصريين.

عاش أحمد شوقي مع جدته التي كانت تعمل وصيفة في قصر الخديوي إسماعيل، وكانت ثرية ذات عقار ومال، فعاش معها حفيدها متنقلا بين منزلها الفخم وقصر الخديوي.

دخل شوقي كُتاب الشيخ صالح وهو ابن أربعة أعوام، وقد أبدى نبوغا لافتا مكنه من حفظ القرآن الكريم، وتعلم مبادئ القراءة والكتابة، قبل أن يدخل المدرسة الابتدائية المعروفة باسم “المبتديان”.

أحمد شوقي شاعر البلاط الخديوي

وسرعان ما تفتقت ذائقة الشاب أحمد شوقي عن حب شديد للمطالعة، وخصوصا في دواوين الأدب العربي، فنهل منه بشوق ظامئ إلى مورد عذب قليل الزحام.

وظل طوال سنواته الأولى في الثانوية يستظهر الدواوين والمطولات الشعرية من تراث فحول وعمالقة الأدب العربي، مما دفع إدارة مدرسته إلى مكافأته بإلغاء رسوم الدراسة عنه.

وحين بلغ ١٥ عاما من عمره التحق شوقي بمدرسة الحقوق والترجمة، وتخرج منها بعد أن نال نصيبا موفورا من معرفة اللغة العربية والفرنسية قبل أن يغادر إلى فرنسا في منحة تعليمية على نفقة الوالي العثماني لمصر الخديوي توفيق، وخلال أربع سنوات في مونبلييه بفرنسا تضلع شوقي من معارف اللغة الفرنسية، واطلع على روائع الأدب الأوروبي والفرنسي بشكل خاص، قبل أن يعود إلى بلاده سنة ١٩٩٣ ويتولى رئاسة القلم الإفرنجي بديوان الحاكم العام لمصر العثمانية.

وقد نال المترجم شوقي ثقة وثناء ديوان المملكة، وترقي في المناصب والمهام، فكان ممثل الحكومة المصرية في مؤتمر المستشرقين المنعقد بجنيف في سويسرا سنة 1896.

أحمد شوقي.. شاعر البلاط ذو الولاء المطلق لأولياء النعمة

تفتقت تجربة شوقي الشعرية، ولفتت الأنظار منذ أن كان طالبا في مدرسة الحقوق وهو دون العشرين من عمره، وكان خياله الخصب مترفا براقا يفيض بإبداع قوي العارضة عميق السبك مخضل الأخاييل والصور، وقد كانت قامته الشعرية تفوق سنّه، وكان عمره الثقافي يربو بكثير على عمره الزمني.

وفي فرنسا دأب شوقي على أن يبعث ببريد من أشواق وحنين إلى مصر، وإلى قصر الخديوي توفيق الذي كان وليّ نعمته، وقد تحمل تكاليف دراسته في فرنسا.

كانت مدائح شوقي لساكني القصر الملكي في مصر حديث الأدباء والنقاد الذين يرون في هذا الشاب الكردي المبدع شاعر القصر، في زمن تتكالب فيه الأزمات الداخلية والخارجية على مصر وعلى الخلافة العثمانية بشكل عام.

بسبب وقوفه في وجه الغزو البريطاني، نُفي شوقي إلى الأندلس التي وجد فيها تراثا وتاريخا غنيا لقصائده الشجية

ومع الخديوي عباس حلمي الذي خلف أباه في حكم مصر، بات شوقي أكثر قربا من القصر وأقرب آصرة إلى البلاط الذي كان يهتز تحت تهديد الاحتلال البريطاني الذي يدق بقوة أبواب مصر.

وقد اجتمعت لشوقي أسباب متعددة لتعميق ولائه للقصر؛ فقد نشأ بين حدائقه وسواريه طفلا يتعلق بأذيال جدته الوصيفة المربية في قصر الخديويين، ثم أضفى الملوك على شاعرهم المرموق أيادي النعم وجزيل العطاء والتقدير، لينضاف إلى ذلك بعد آخر يتعلق بالهوية الإسلامية التي كان شوقي يرى من خلالها في الخلافة العثمانية إمارة للمسلمين ومهدا لحماة الشريعة الإسلامية في وجه الاحتلال البريطاني.

أحمد شوقي.. شاعر الثورة ضد الاحتلال

انحاز أمير الشعراء إلى مصر في وجه الاحتلال البريطاني، فهاجم عدوان الإنجليز على بلاده وتصدى لسطوة الاحتلال بقلمه السيال وعاطفته الجياشة وقوافيه الحارقة، فقرر البريطانيون نفيه إلى إسبانيا، ليجد هنالك ظلا ظليلا وبقايا آسرة مما ترك الأندلسيون قبل أن تقطع نساؤهم وأطفالهم عرض البحر إلى المغرب، ويتركوا ما خلدوا من تاريخ وأدب وثقافة وحضارة وقمم شامخة أسيرة بيد الإسبان.

“يا نائح الطلح” نونية عارض بها شوقي ابن زيدون

تحركت في شغاف الشاعر القادم من ضفاف النيل أرجوحة شاعرية نسجت ضفائر من حزن وشوق على المنارات والقصور الحمراء في غرناطة، وعلى النوافير الدامعة في قرطبة وإشبيلية، ورأى بعين الشعر وبصيرة الإبداع مذابح الإسلام ومجاري دماء العرب، يوم أخرجهم العدوان الصليبي من الجزيرة الخضراء.

أحسّ الشاعر أحمد شوقي بترابط المآسي، وأن ما تعيشه مصر من احتلال ليس إلا نسخة مما عاشته الأندلس، وأن ضفائر الطلح الأندلسي ليست إلا صورة أخرى من دموع النيل.

على درب ابن زيدون.. نائح الطلح بين أساطين الأندلس

لئن كان نزار قباني قد عانق في دليلته السمراء وهي تجول به في شوارع غرناطة الجريحة “رجلا يسمى طارق بن زياد” فإن شوقي قد عانق في الأندلس رجلا خلق من أدب وشوق يسمى ابن زيدون.

وعلى خطى ابن زيدون من القصر إلى المنفى في رحلة على صهوات موج الحياة المتقلبة، رسم شوقي آصرة التشابه والتلاقي بين الذاتين الشاعرتين، فكتب نونيته الشهيرة التي يعارض بها نونية ابن زيدون.

أضحى التنائي بديلا من تدانينا

وناب عن طول لقيانا تجافينا

 

أصغى شوقي إلى اللحن الخالد الذي بثه ابن زيدون في ضمائر الطلح والغمام الأندلسي فشدا مغردا:

يا نائح الطلح، أشباه عوادينا

نشجى لواديك أم نأسى لوادينا؟

ماذا تقص علينا غير أن يدا

قصت جناحك جالت في حواشينا

رمى بنا البين أيكا غير سامرنا

أخا الغريب وظلا غير نادينا

آها لنا نازحي أيك بأندلس

وإن حللنا رفيفا من روابينا

بعد عودته من المنفى، استقبل شوقي استقبال الأبطال وتحول إلى شاعر الجماهير والثورة

يستصرخ شوقي في قصيدته غضب النيل وعزم الأهرامات ويستذكر مرابع الطفولة القاهرية.

لكن مصر وإن أغضت على مِقَة

عين من الخلد بالكافور تسقينا

على جوانبها رفت تمائمنا

وحول حافاتها قامت رواقينا

كأم موسى على اسم الله تكفلنا

وباسمه ذهبت في اليوم تلقينا

ومصر كالكرم ذي الإحسان فاكهة

لحاضرين وأكواب لبادينا

غرس المنافي.. عمق الانتماء الوطني المجنح في القوافي

حفر المنفى الأندلسي جرفا عميقا في المسيرة الشعرية لأحمد شوقي، وأخرج من القوافي المجنحة عمق الانتماء الوطني الذي نبت غرسه الأول خلال إقامته في باريس واتصالاته مع قادة وطنيين مرموقين مثل مصطفى كامل وغيره من السياسيين المناوئين للإنجليز.

لم يفت شوقي بكاء أوطانه العربية المستباحة من قبل الغزاة، فكانت قصيدة “سلام من صبا بردى أرق”

وقد استمر الأدب الوطني بمختلف تصنيفاته النضالية والتوعوية يغزو دواوين شوقي وترسخ أكثر بعد عودته من المنفى إلى مصر سنة 1920.

وبعد عودته إلى مصر تحول شوقي إلى شاعر الجماهير والثورة، وشاعر الإنسان الطامح إلى الحرية، وتدفق شعره ليكون نيلا ثانيا بمصر، يضج في أعماق القصيدة العربية، مما دفع الشعراء العرب إلى مبايعته أميرا للقصيدة العربية وزعيما للشعراء، في حفل بهيج أقيم في مصر سنة 1927.

“وللأوطان في دم كل حر يد سلفت ودين مستحق”

وقد كان شوقي رائد التضامن العربي والإسلامي، فنجده صادحا باسم العرب والمسلمين تضامنا مع سوريا لإغاثة منكوبي العدوان الفرنسي على دمشق، مخلدا قصيدته السائرة:

سلام من صبا بردى أرق

ودمع لا يكفكف يا دمشق

ومعذرة البراعة والقوافي

جلال الرزء عن وصف يدقُّ

ألست دمشق للإسلام ظئرا

ومرضعة الأبوة لا تعق

وكل حضارة في الأرض طالت

لها من سرجك العلوي عرق

 

وضمن هذه القصيدة يخلد أحمد شوقي حكمته الباقية التي ظلت شعار الثوار منذ أن أطلقها إلى اليوم:

وللأوطان في دم كل حر

يد سلفت ودين مستحق

وللحرية الحمراء باب

بكل يد مضرجة يدق

جادت قريحة شوقي بأشعار تنوعت بين غزل ومديح ورثاء ووصف وثناء

وفي ليبيا يتناغم أحمد شوقي مع جهاد الشيخ عمر المختار، ويخلد ذاكراه في قصيدة رثائية طافحة جمالا وحرية وشكيمة:

ركزوا رفاتك في الرمال لواء

يستنهض الوادي صباح مساء

يا ويحهم نصبوا منارا من دم

توحي إلى جيل الغد البغضاء

جرح يصيح على المدى وضحية

تتلمس الحرية الحمراء

يا أيها السيف المجرد بالفلا

يكسو السيوف على الزمان مضاء

تلك الصحاري غمد كل مهند

أبلى فأحسن في العدو بلاء

ديوان شوقي.. نهر بحجم نهر النيل

يمثل أحمد شوقي في ثراء مادته الشعرية واتساع مجالاتها نيلا شعريا يجري في شرايين مصر ويتكامل مع نيلها الخالد، وقد امتاز أحمد شوقي عن غيره من أدباء عصره بوفرة الإنتاج الشعري، حيث أربى المجموع من شعره على 23 ألف بيت، توزعته الخريطة التقليدية لأغراض الشعر العربي من مدح ومديح نبوي وغزل ورثاء ووصف وفخر وخمريات، وانضافت إليه مجالات الأدب الجديد من نضال وطني ومسرحيات أدبية كان أحمد شوقي رائدها بلا منازع.

في قصيدته “نهج البردة” جارى شوقي البوصيري في بردته المديحية “ريمٌ على القاعِ”

وقد امتاز أحمد شوقي أيضا بسعة الخيال وقرب المأخذ وسهولة اللغة، والتفاعل مع مختلف أحداث ووقائع الحياة، وتقلبات المشاعر والأحاسيس من لهو وسكر وخمرة، ومن تضامن إسلامي وإنساني ووطني، ومن حكمة وموعظة، ومن شكوى وألم.

أحمد شوقي.. على طريق البوصيري وأشواق المحبة النبوية

خلد شوقي اسمه في لائحة شعراء المحبة ومداح النبي الكريم صلى الله عليه وسلم، وقد جمع أمير الشعراء في قصائده النبوية الخالدة بين براعة الاستهلال وعمق المحبة ونضارة الأسلوب، معارضا بذلك إمام المديح وشيخ شعراء المحبة النبوية الإمام محمد بن سعيد البوصيري.

فقد عارضه في قصيدته “نهج البردة” التي جارى فيها البوصيري في بردته المديحية السابغة:

ريمٌ على القاعِ بينَ البانِ والعلَمِ

أحلَّ سفكَ دمي في الأشهرِ الحُرُمِ

ومطلع قصيدة البوصيري هو:

أمِن تذكّرِ جيرانٍ بذي سلَمِ

مزجتَ دمعاً جرى من مقلةٍ بدَم

أشعار عديدة تفتقت بها قريحة أمير الشعراء لتتحول إلى مسرحيات شعرية

ومن أشهر نصوص المديح عند أحمد شوقي قصيدته:

ولد الهدى فالكائنات ضياء

وفم الزمان تبسم وثناء

 

ومن المديحيات الشوقية الخالدة قصيدته التي يقول في مطلعها:

سلوا قلبي غداة سلا وتابا

لعلَّ على الجمالِ له عِتابا

ويُسألُ في الحوادثِ ذو صواب

وهل تركَ الجمالُ لهُ صوابا؟

“مصرع كليوباترا”.. رائد الأدب المسرحي

يصنف أحمد شوقي باعتباره رائد الأدب المسرحي في مصر والعالم العربي بشكل عام، وهو أيضا رائد المسرحية الشعرية، وقد أصدر أول مسرحية شعرية له سنة 1893 وحملت اسم “علي بك الكبير”، قبل أن يعيد التجربة بعد انقطاع استمر لأكثر من ثلاثين سنة، من خلال نصوص أكثر جدة وطرافة وشاعرية، مثل “مصرع كليوباترا” و”مجنون ليلى” و”عنترة” و”قمبيز”، و”أميرة الأندلس” وغيرها.

وقد استمد شوقي مادة مسرحياته من التاريخ المصري والعربي عموما ومن يوميات الحياة، كما يرى محمد مندور في حديثه عن الأدب المسرحي وعن ريادة أحمد شوقي فيه.

شاعر رجعي وأدب متكلس.. شوقي في ميزان النقد

يرى الأديب السوري جهاد فاضل أن أحمد شوقي نال الأمرّين من النقاد في حياته وبعد موته، وقد كان طه حسين على سبيل المثال يفضل مطران خليل مطران على شوقي، ويرى في شعر ذلك اللبناني المهاجر تجديدا أدبيا رائعا لم يوفق إليه شوقي.

لم تكن وفاته سنة 1932 نهاية رحلته في الضمير العربي، بل كانت بداية سفر من الخلود الأدبي لأمير الشعراء

ويرى فاضل أن ناقدين اثنين على سبيل المثال لم ينصفا شوقي، ولم يتوسلا في نقدهما له بالموضوعية والنزاهة الأدبية والفكرية وهما العقاد وأدونيس الذين يجمع بينهما شغف الحداثة والتجديد.

كتب العقاد عن شوقي في حياته، مما أهّله لأن يحمل لقب عدوّ شوقي الأول وفق ما يرى الكاتب والناقد اللبناني جهاد فاضل، أما ما كتبه أدونيس فقد كان بدافع فكري قائم على التناقض حيث رأى أن شوقي هو شاعر اللسان العربي والقيم الإنسانية والإسلامية، وأدونيس خصم لتلك القيم، ولذلك جرد قلم النقد الحاد لسلخ شاعرية شوقي ووصفه بالرجعية والتكلس الأدبي.

ورغم حدة النقد الذي وجهه أدونيس ومن قبله العقاد إلى أحمد شوقي فإنه وجد من ينصفه، وخلدته ذاكرة التاريخ الأدبي والثقافي للأمة العربية التي كان المعبر عنها لسانا وهوية ومشاعر وأشواقا، ولم تكن وفاته سنة 1932 نهاية رحلته في الضمير العربي، بل كانت بداية سفر من الخلود الأدبي لأمير الشعراء.