القاضي عياض.. رحلات العلم ونزاهة القضاء وشرارة الثورة

هو رجل يختزل المغرب بمختلف أبعاده، في عقيدته السنية المالكية والمخلصة لعمل أهل المدينة، واختياراته المعتدلة حدّ الاستشهاد، ومدرسته الأشعرية القائمة على اتباع أهل السنة وعدم مخالفة أئمة المذاهب السنية الأربعة، وعدم تكفير كل من ولى وجهه نحو القبلة، وتقديم العقل على ظاهر النصوص، وفي انتمائه الجغرافي كسليل لقبيلة عربية يمنية، وأحد مواليد مدينة سبتة ذات الرمزية الخاصة شمالا، قبل أن يقضي نهاية عمره في ضواحي مدينة مراكش ويدفن في تربتها، ليصبح واحدا من رموزها جنوبا.

جمع العلم من أطرافه، فأتقن اللغة العربية وآدابها والحديث وقواعده والفقه ومدارسه، واحترف القضاء جل حياته حتى أصبح لقب “القاضي” جزءا لا ينفصل عن اسمه. وهو اليوم اسم يطلق على واحدة من أكبر وأشهر جامعات المغرب، جامعة مدينة مراكش.

عاش القاضي عياض زهرة شبابه في عصر من عصور الازدهار السياسي والاقتصادي والثقافي التي شهدها المغرب، حيث دولة المرابطين تبسط نفوذها من الأندلس شمالا إلى عمق الأدغال الأفريقية جنوبا، والعلم والعلماء يرفلون في نعيم من الرخاء، وقد رشف عياض من معين هذه الحقبة، لكنه سيغترف أيضا من قدر الفترة الأولى من عهد الموحدين، حيث المحن والعذاب يسوم العلماء سوء العذاب.

“لولا عياض لما عرف المغرب”.. نشأة الفتى اليحصبي

قال عنه العلامة محمد أمين الصحراوي إن مقامه هو مقام البخاري ومسلم والأئمة الأربعة، فهم حملة الشريعة، وعلومهم التي يبثونها في صدور الرجال بالتلقين أو بالتأليف هي أورادهم، والوسيلة بينهم وبين الله تعالى.[1]

ارتبط اسمه بمقولة “لولا كتاب الشفا لما عرف القاضي عياض، ولولا عياض لما عرف المغرب” الشائعة بين المغاربة. وتنسب المصادر التاريخية أصوله إلى قبيلة يحصب، وهي قبيلة من حِمير التي ينتسب إليها الكثير من العرب، ممن نزلوا بالشام وبمصر وبعضهم بالأندلس بعد الفتح.[2]

“لولا كتاب الشفا لما عُرف القاضي عياض، ولولا عياض لما عُرف المغرب”

ويؤرّخ مولد القاضي عياض في العام 476 هـ (منتصف شهر شعبان)، الموافق للعام 1083 م، في مدينة سبتة المغربية. وقد نشأ في بيت علم وأدب، حيث بدأ مساره التعليمي بحفظ القرآن الكريم ثم تلقي الحديث والفقه على يد شيوخ وعلماء سبتة.

وقد نشأ القاضي عياض في كنف أسرة ميسورة الحال، مما جعل حياته الأولى سهلة ميسورة هادئة، فعكف على طلب العلم كما يمكن لشخص في مثل ذكائه وفي مثل ظروفه أن يطلبه، وتدرج في ذلك حتى جلس إلى الشيوخ الكبار، يأخذ عنهم الأمهات في اللغة العربية وآدابها والقراءات والتفسير والحديث وأصول الفقه وعلم الكلام، وما إلى ذلك من فروع الثقافة والمعرفة التي كانت سائدة في عصره.[3]

ويقول عنه ابنه القاضي محمد بن عياض في ترجمته له: نشأ أبي على عفة وصيانة، مرضي الحال، محمود الأقوال والأفعال، موصوفا بالنبل والفهم والحدق، طالبا للعلم، حريصا عليه، مجتهدا في طلبه، معظَّما عند الأشياخ من أهل العلم وكثير المجالسة لهم، والاختلاف إليهم.[4]

مدينة سبتة.. بوابة الأندلس وموطن القاضي عياض الأول

كثير من جوانب شخصية القاضي عياض تجد تفسيرها في بيئته الأولى، حيث مدينة سبتة الساحلية المحتلة حاليا من طرف إسبانيا، وهي تقع شمال غرب المملكة المغربية في موقع يطل على مضيق جبل طارق، حيث يلتقي البحر الأبيض بالمتوسط مع المحيط الأطلسي، وهي أقرب مدن المغرب من الأندلس، وتعتبر معبر المتنقلين بين الضفتين الشمالية والجنوبية للمتوسط، وهناك من ينسب أصل تسميتها إلى سبت بن نوح عليه السلام.[5]

سبتة.. مسقط رأس القاضي عياض ونقطة عبور العماء بين المشرق والمغرب، لا تزال تحت الحكم الإسباني

وتتسم هذه المدينة بموقعها الحصين، إذ تحيط بها سبعة جبال متصلة، كما عرفت المدينة تاريخيا بكثافة عمرانها وخصوبة تربتها ورواج تجارتها.

ويعود دخول مدينة سبتة في الإسلام إلى العام 92 للهجرة، ومنها أبحرت طلائع الجيش الإسلامي نحو الأندلس أول مرة. وكان الموقع الجغرافي المتميز للمدينة سببا في ازدهارها العلمي والاقتصادي، فما من عالم أندلسي انتقل إلى المشرق إلا ومر بها ذهابا وإيابا، مع ما يعنيه ذلك من استقرار لبعض الوقت وإلقاء للدروس وتبادل للمعرفة.[6]

قاضي قرطبة.. رحلة علمية بتوصية من أمير المسلمين

مما يلاحظ في سيرة القاضي عياض، أنه لم يبدأ رحلته العلمية إلا حين جاوز سن العشرين. ولما استوفى الثلاثين من عمره، أصبح عالما قد أخذ من كل فن بطرف، لكنه لم يقتنع بذلك فهم بالرحلة والجلوس إلى مزيد من الشيوخ الذين أخذ عن بعض تلاميذهم إليهم ليسمع منهم بغير واسطة طالبا لعلو السند وتحقيق العلم، فكانت وجهته الأندلس.[7]

وتكشف المصادر كيف اهتم يوسف بن تاشفين أمير المسلمين -حسب الوصف الذي كان المرابطون يطلقونه على قائدهم- برحلة القاضي عياض إلى الأندلس، وكتب رسالة إلى قاضي قرطبة يوصيه فيها بقاضي سبتة ويمدحه.[8]

وكان من أوائل شيوخه أبو علي الصدفي الذي كان قد سافر لوقت طويل نحو الشرق والتقى بأكثر من 160 عالما هناك، وعاد بعلم كبير وبات مرجعا أساسيا في الأندلس، وحين انتقل القاضي عياض إلى قرطبة بحثا عنه وجده قد اختفى عن الأنظار لرفضه عرضا بتولي مهمة القضاء، وكثير من طلبة العلم يبحثون عنه، ثم برز من جديد فأخذ عنه القاضي عياض العلم، ثم عاد إلى سبتة.[9]

عاد القاضي عياض إلى مدينة سبتة وقد زاد علمه وتوسعت معارفه، وكانت عودته في جمادى الآخرة من عام 508 هـ، فجلس للتدريس وهو ابن 32 عاما، ثم تقلد منصب القضاء في سبتة عام 515 هـ، الموافق لسنة 1121 م، وظل في منصبه هذا 16 عاما.

كانت أيام حكم يوسف بن تاشفين (دولة المرابطين) بالمغرب، وكذلك أيام ولده علي بن يوسف بن تاشفين أيام ازدهار واستقرار ورخاء وعدل ورفاهية وتقدير كبير للعمل والعلماء. كما كانت أيام يوسف بن تاشفين وولده علي من بعده، عهدا تفتّح على الأندلس بكل ما كانت تعج به إذ ذاك من حضارة وعلوم وآداب وفنون.

في هذا السياق ولد ونشأ عياض بن موسى بن عياض، فكان من الطبيعي أن يجد الجو أمامه ممهدا ليشبع نهمه إلى العلم والمعرفة، متنقلا في سبيل ذلك بين المغرب والأندلس.[10]

قضاء غرناطة.. نزاهة أزعجت الوالي وعزلت القاضي

تولى القاضي عياض منصب القضاء بمدينة سبتة عام 510هـ، وكان وقتها في عامه الخامس والثلاثين، وكانت أولى علامات الفساد بدأت في الظهور في عهد الدولة المرابطية، من قبيل الوساطة والشفاعة لبعض الناس، والمحسوبية لهم على حساب الآخرين؛ فتصدى القاضي عياض لتلك الآفة، وأبدى حزما في تطبيق الحدود والأحكام، واشتهر بين الناس بعلمه الغزير ودقة فتياه، وحياده الكامل، حتى ذاعت شهرته في كل مكان.[11]

جعلت هذه الشهرة الحميدة أمير المسلمين عليا بن يوسف بن تاشفين يوليه قضاء غرناطة بالأندلس، ليصلح من شأنها، نظرا لانتشار المفاسد بين أهلها، وكثرة القلاقل والاضطرابات بها، وكان ذلك عام 531 هـ، فسجلت المصادر كيف أعرض عن الشفاعات والمؤثرات، وردع أتباع السلطان عن الباطل، وعزل كل من ثبتت عدم أهليته وكفايته من منصبه، ولم يكن يواجه في كل ذلك سوى والي الأندلس، تاشفين بن علي، فقد استاء منه وضاق به ذرعا، خاصة أن القاضي عياض كان يرفض أي تدخل في عمله، وتمنّع ضد أي محسوبية أو وساطة، حتى ولو كانت من الأمير نفسه.[12]

جامعة مدينة مراكش المعروفة باسم جامعة القاضي عياض

في ظل هذه الأوضاع، سعى الأمير تاشفين بن علي عند أبيه أمير المسلمين علي بن يوسف، حتى يصرف القاضي عياض عن منصبه، وبالفعل تم مراده، وعُزل القاضي عياض من منصبه في رمضان عام 532 هـ.[13]

عاد القاضي عياض إلى مدينته سبتة، متفرغا للتدريس والإفتاء ونشر العلم، ثم دار الزمن دورته الكاملة، ليطلب منه أمير المرابطين تاشفين بن علي الذي كان مستاءا منه أيام كان واليا على الأندلس، أن يلي منصب القضاء في سبتة سنة 539هـ، وكانت أحوال دولة المرابطين قد تدهورت وقتها، واكتسحت جيوش الموحدين معظم ولاياتها في المغرب، فأراد أميرهم أن يولي رجالا صالحين وأشداء في تلك المناصب الحساسة لوقف تدهور الدولة المرابطية، ولم يجد في سبتة خيرا من القاضي الذي كان قد عمل أيام حكم والده على عزله.[14]

قاضي سبتة في فاس.. آثار العودة إلى موطن الأجداد

كانت للقاضي عياض رحلة علمية أخرى أخذته إلى مدينة فاس، وهي الحاضرة السياسية والعلمية للمغرب وقتها، وهي المدينة التي يعتبرها البعض أصله الأول في المغرب، حيث كان أسلافه قد استقروا بها أول الأمر قادمين من الأندلس، قبل أن يغادرها جده عمرون نحو مدينة سبتة عام 373 هـ.

وبالرغم من أن القاضي عياض لم يزر مدينة فاس من قبل، فإنها لم تكن بعيدة عن مساره العلمي، حيث يسكن الفقيه أبو إسحاق إبراهيم الفاسي أحد شيوخه المنتسبين إليها، وهو ممن أخذ عنهم القاضي عياض في سبتة.[15]

وتسجل المصادر التاريخية عددا من الآثار التي احتفظت بها فاس عن زيارة القاضي عياض العلمية، أولها بيت أسرة آل الغدريس التي استضافته في فترة إقامته بالمدينة، ويعتبر هذا البيت من بين أشهر بيوت مدينة فاس وقتها، باعتباره بيت علم وفقه وكتابة، وكان جدهم بكار بن مرهون بن عيسى مستقرا في سجلماسة قبل أن يدخل إلى المغرب.[16]

أمير المسلمين، علي بن يوسف بن تاشفين

نزل عياض ضيفا على قاضي فاس في داره التي تقع في منتصف الدرب الصغير الأول الذي يوجد عن يسار الداخل للدرب الكبير المجاور لمسجد اللبارين بزنقة حجامة، وكانت للقاضي الغدريس مكتبة وجد فيها عياض بعض سلواه.[17]

ومما يؤكد أهمية زيارة القاضي عياض للمدينة، أن عائلة الغدارسة حافظت على الآثار التي تدل على صلة أجدادهم بهذه الزيارة، فقد ظلوا يفتحون بيتهم لكل من يريد أن يؤدي زيارة للبقعة التي كان يرقد فيها عياض قبل ما يقرب من تسعة قرون، وهو الاهتمام الذي يفوق ما تحظى به دار ابن خلدون أو لسان الدين ابن الخطيب في مدينة فاس.[18]

وقد اقترن اسم عياض في فاس باسم أسرة أخرى هي آل الملجوم الذين يرتفعون بنسبهم إلى عمير بن مصعب الأزدي وزير الإمام إدريس الأول، وقد أوى إليهم عياض أيضا وزار مكتبتهم الخاصة وأجاز بعضهم كذلك.[19]

وإلى جانب هذين المكانين اللذين غشيهما أبو الفضل، هناك مكان ثالث كان يجد فيه راحته، وهو جامع صغير يقع قبالة درب حجر النار الذي لا يبعد عن ساحة الصاغة القريبة من زنقة حجامة، بحيث يكفيه أن يقطع الممر الذي يقع قبالة درب زنقة حجامة، ثم يعرج ذات اليمين ليجد الجامع الذي يحمل اسمه منذ ذلك الوقت في نهاية الطريق مقابل درب حجر النار.[20]

“الشفا”.. مؤلفات السيرة النبوية والتاريخ

يرتبط اسم القاضي عياض خصوصا بمؤلفه المعروف اختصارا باسم “الشفاء”، وهو كتاب “الشفا بتعريف حقوق المصطفى”، وهو أشهر مؤلفاته وأكثرها تداولا بين الناس، ويقع في جزأين، مثله في ذلك مثل كتاب “مشارق الأنوار على صحاح الآثار”.

ومن بين أهم مؤلفاته أيضا كتاب “الإعلام بحدود قواعد الإسلام”، وهو كتاب صغير الحجم ألّفه للناشئة المتعلمين، ويقول في مقدمته القصيرة: أيها الراغب في الخير، الحريص على تدريب المتعلمين لوجوه البر، فإنك سألتني في جمع فصول سهلة المأخذ قريبة المراد، مفسرة حدود قواعد الإسلام، فاعلم.[21]

يجمع القاضي عياض في معرفته بين حقول عدة، منها إلى جانب الفقه والحديث والقضاء حقل التاريخ الذي كان يشهد ازدهارا ملحوظا خلال القرنين السادس والسابع للهجرة، وقد كان لمدينة سبتة دور بارز في علوم التأريخ خصوصا ما تعلق منها بالتأريخ للحركة العلمية وعلاقة ذلك بالاجتماع البشري والعمران الإنساني بفضل من الله.[22]

وقد ألَّف القاضي عياض في هذا المجال كتابه المعروف “ترتيب المدارك”، وهو يُعد أكبر موسوعة تتناول ترجمة رجال المذهب المالكي ورواة الموطأ وعلمائه، وقد دافع عن نظرية المالكية في الأخذ بعمل أهل المدينة، باعتباره عندهم من أصول التشريع.[23]

وكغيرهم من علماء الغرب الإسلامي، اهتم علماء مدينة سبتة بالسيرة النبوية، وهو ما أثمر كتاب “الشفا” للقاضي عياض، ويتناول جانبا من التاريخ النبوي يتصل بالحياة النفسية والاجتماعية للرسول الكريم، ويبين أخلاقه وشمائله عليه الصلاة والسلام.[24]

اندحار المرابطين.. بداية المحنة الموحدية القادمة من الجنوب

كانت الدولة المرابطية التي نشأ القاضي عياض في عهدها من أعظم الدول الإسلامية التي ظهرت في بلاد المغرب، وكانت -كما يدل اسمها- دولة مجاهدة بشكل خاص، وقد حققت في هذا المجال الكثير من الفتوحات، وفي عهدها نشر الإسلام في غرب ووسط القارة الأفريقية، حتى وصلت إلى منتهى نهر النيجر وبلاد الكاميرون وقلب نيجيريا، والأهم من ذلك كله أنها كانت دولة سلفية المنهج والعقيدة.[25]

هذا الجانب العقدي يفسر قسما كبيرا من سيرة القاضي عياض، ويؤكد أن وفاقه مع الحكام أيام المرابطين لم يكن مداهنة أو خضوعا منه لسلطتهم، بقدر ما كان اتفاقا منه مع خلفيتهم الفكرية والعقدية، بل إن أبا الفضل لم يكن يتردد في التصدي لتجاوزات الولاة والأمراء، دون أن يؤدي ذلك إلى قطيعة بينه وبينهم.

مؤلفات القاضي عياض بن موسى السبتي

في الشطر الثاني من حياته، شاهد القاضي عياض هذه الدولة، وهي تندحر شيئا فشيئا، وتجسد ذلك في انتشار الفساد والترف، وفي الهزائم المتتالية أمام جيوش ابن تومرت الملقبة بجيوش “الموحدين”.[26]

لقد علم القاضي عياض مقدار القسوة والوحشية التي تعامل بها الموحدون مع خصومهم، فخاف على أهل سبتة من أن يصيبهم مثل ما أصاب أهل مدينة سلا الذين ذبحهم الموحدون عن بكرة أبيهم عندما حاولوا مقاومتهم، ورأى أن من المصلحة أن يدخل هو وأهل سبتة في طاعة الموحدين، حتى تستقر الأمور، ويرى ما يمكن عمله بعد ذلك، وبالفعل دخل القاضي عياض وأهل سبتة في طاعة الموحدين عام 540 هـ، وأقره الموحدون على منصب القضاء.[27]

باشر القاضي عياض تسيير شؤون سبتة وهو يفكر في نفس الوقت كيف سيتصرف مع هؤلاء الزاحفين على السلطة في المغرب، خاصة عندما قام الموحدون باقتحام مدينة مراكش عاصمة المرابطين وآخر حصونهم، مخلفين مذبحة كبيرة.[28]

يحيى بن غانية.. آمال التحرر تغدر بأهل سبتة

في لحظة أمل في استرجاع زمام المبادرة، قرر القاضي عياض الاتصال بآخر القادة المرابطين الكبار، وهو يحيى بن غانية الذي كان يسيطر على جزر الأندلس الشرقية، فنسّق معه من أجل القدوم إلى مدينة سبتة وتسلميها إليه، على أن يعمل يحيى بن غانية على محاربة الموحدين، وتحرير مدن المغرب منهم، وبالفعل وافق يحيى على ذلك، فأعلن أهل سبتة خلع طاعة الموحدين، وذلك في عام 543 هـ.[29]

على عكس ما جرى الاتفاق عليه، تخاذل يحيى بن غانية عن القدوم إلى سبتة، في حين أسرع الموحدون إلى حصار المدينة بجيوش كثيفة، فخاف القاضي عياض على أهل المدينة من القتل والسبي، فخرج إلى الموحدين بنفسه، فحملوه إلى أمير الموحدين عبد المؤمن بن علي، وكان وقتها في مراكش.

يعتبر هذا الخروج هو الأخير بالنسبة للقاضي عياض من مدينة سبتة، إذ لم يعود إليها قط، فرغم أن المصادر تقول إن عبد المؤمن عفا عن القاضي عياض وصفح عما جرى، فإنه طلب منه أن يمكث معه في مراكش.

إنكار عصمة ابن تومرت.. روايات الانتقام الموحدي

أسست دولة الموحدين على يد أبي عبد الله محمد بن عبد االله المعروف بابن تومرت، الذي أصبح يلقب بعد قيام الدولة بالمهدي، وتبنت هذه الدولة أسسا دينية جعلت جل علماء المغرب والأندلس وقتها يقفون منها موقف المعارضة والرفض، فقد زعم الموحدون أن ابن تومرت هو المهدي المنتظر، ووصفوه بالعصمة وحصروا الإيمان في أتباعه دون غيرهم، واعتمدوا كتابا ألفه زعيمهم يقوم مقام القرآن الكريم، وهو يتضمن خليطا من عقائد الأشاعرة والشيعة والمعتزلة والخوارج.[30]

حدود دولة الموحدين التي سيطرت على البلدان بالدم والحديد

وتتضارب الروايات بحسب المصادر التاريخية حول مآل القاضي عياض، إذ تقول رواية إنه ظل يرافق السلطان الجديد إلى أن مرض خلال رحلة قادته إلى قبائل دكالة، ثم عاد ليموت جراء مرضه هذا، بينما تذهب رواية أخرى إلى أن الموحدين قتلوه طعنا بالرماح.

ويرجّح أن القاضي عياض مات من مرضه الذي أصابه خلال رحلة دكالة، إلا أن المؤكد هو أن الرجل عاش في محنة، وكابد صعوبة بعد تعيينه قاضيا في قرية جبلية نائية، ومن غير المستبعد أن يكون سبب مرضه هذا سم دسّ له عمدا بهدف قتله والتخلص منه، لأنه لم يكن يقر الموحدين على قناعاتهم العقدية.[31]

“ظَلَموا عياضا وَهو يَحلَم عنهمُ”.. نهاية غامضة

يسجل الدارسون لمسار حياة القاضي عياض باستغراب كبير غياب أي أثر لزيارة قام بها إلى المشرق أو الديار المقدسة لأداء الحج والعمرة، رغم ما خلفه من أشعار تعبر عن لهفته لهذه الرحلة. ويخلص الباحثون إلى استنتاج سبب رئيس لهذا المعطى، يتمثل في انشغال عياض بخطة القضاء وعدم إمكانية تعويضه في هذه المهمة، ثم جاءت المحن والفتن التي أثارها وصول الموحدين إلى الحكم، ليشغل القاضي عياض بشكل كامل حتى وفاته.

وبصرف النظر عن الرواية الأصح حول نهايته، فإن ذكرى القاضي عياض كادت تنسى في عهد الموحدين، حتى أن الترجمة التي كتب ابنه محمد عنه تنطوي على ملامح خضوع لرواية الموحدين، فقد كان محمد بن عياض يعيش في ظل حكمهم، وهو ما يحمل بعض الباحثين إلى الاحتياط في النقل عنه.

قبر القاضي عياض أحد المواقع التاريخية المعروفة في مدينة مراكش

ما تؤكده المصادر هو أن قبر القاضي عياض عثر عليه عام 712 هـ في عهد الدولة المرينية السنية التي أسقطت دولة الموحدين، حيث أمر القاضي أبو إسحاق بن الصباغ بتسوية ما حول القبر وإشهاره وإظهاره، وهو اليوم من المواقع التاريخية المعروفة في مدينة مراكش.[32]

ومن بين أفضل ما يؤرخ لمحنة القاضي عياض في نهايات حياته، ما قاله عنه الإمام أبو عمر بن سالم المالقي:[33]

ظَلَموا عياضا وَهو يَحلَم عنهمُ
وَالظُلمُ بينَ العالمينَ قديمُ

جَعَلوا مَكان الراءِ عينا في اسمهِ
كَي يَكتموه وَشأنه مَعلومُ

لَولاه ما فاحَت أَباطح سبتةٍ
وَالرّوض حَول فنائِها معدومُ

 

المصادر

[1] الحسين بن محمد شواط، القاضي عياض عالم المغرب وإمام أهل الحديث في وقته، دار القلم دمشق، 1999
[2] http://mishkatalanwar.com/site/2018/05/04/من-أئمة-التصوف-السني-الأشعري-القاضي-ع/
[3] https://www.habous.gov.ma/daouat-alhaq/item/2298
[4] http://mishkatalanwar.com/site/2018/05/04/من-أئمة-التصوف-السني-الأشعري-القاضي-ع/
[5] الحسين بن محمد شواط، القاضي عياض عالم المغرب وإمام أهل الحديث في وقته، دار القلم دمشق، 1999
[6] الحسين بن محمد شواط، القاضي عياض عالم المغرب وإمام أهل الحديث في وقته، دار القلم دمشق، 1999
[7] http://mishkatalanwar.com/site/2018/05/04/من-أئمة-التصوف-السني-الأشعري-القاضي-ع/
[8] الحسين بن محمد شواط، القاضي عياض عالم المغرب وإمام أهل الحديث في وقته، دار القلم دمشق، 1999
[9] https://www.youtube.com/watch?v=fb7qKnvh1J0
[10] https://www.habous.gov.ma/daouat-alhaq/item/2298
[11] https://www.alukah.net/culture/0/107501/#ixzz7GpomWkFh
[12] https://www.alukah.net/culture/0/107501/#ixzz7Gpp4lQ5z
[13] https://www.alukah.net/culture/0/107501/#ixzz7GppBdGSr
[14] https://www.alukah.net/culture/0/107501/#ixzz7GppM6eMY
[15] https://www.habous.gov.ma/daouat-alhaq/item/5495
[16] https://www.habous.gov.ma/daouat-alhaq/item/5495
[17] https://www.habous.gov.ma/daouat-alhaq/item/5495
[18] https://www.habous.gov.ma/daouat-alhaq/item/5495
[19] https://www.habous.gov.ma/daouat-alhaq/item/5495
[20] https://www.habous.gov.ma/daouat-alhaq/item/5495
[21] https://www.habous.gov.ma/daouat-alhaq/item/2331
[22] https://www.arrabita.ma/blog/جوانب-من-تاريخ-الحركة-العلمية-بسبتة-ال-3/
[23] https://amrkhaled.net/Story/1049570
[24] https://www.arrabita.ma/blog/جوانب-من-تاريخ-الحركة-العلمية-بسبتة-ال-3/
[25] https://www.alukah.net/culture/0/107501/#ixzz7GpoJMH99
[26] https://www.alukah.net/culture/0/107501/#ixzz7GpoaUpiW
[27] https://www.alukah.net/culture/0/107501/#ixzz7GppdsnvG
[28] https://www.alukah.net/culture/0/107501/#ixzz7Gpq5nz00
[29] https://www.alukah.net/culture/0/107501/#ixzz7GpqO6hBg
[30] الحسين بن محمد شواط، القاضي عياض عالم المغرب وإمام أهل الحديث في وقته، دار القلم دمشق، 1999
[31] https://www.alukah.net/culture/0/107501/#ixzz7GpqgELIp
[32] https://www.alukah.net/culture/0/107501/#ixzz7Gpr2vxrN
[33] أبو عمر بن سالم بن صالح النهرواني المالقي، رواية شعر ابن خبازة: أزهار الرياض