علي بن أبي طالب.. فداء النبي ومستشار الخلفاء وخاتمة الخلافة الراشدة

ما زال علي بن أبي طالب رضي الله رغم مرور 1405 سنوات على استشهاده حاضرا في دائرة النقاش، فالرجل الذي جمع أشتات الفضائل وكان منتدى قيم العروبة والإسلام، أوقفه السجال الطائفي في عمق الخلاف، بين مُغالٍ في تقديسه أو جافٍ عن توقيره، ومنذ أن صبغت لحيته الشريفة بدم رأسه في صبيحة من أيام الغدر الطائفي والعنف الفكري، ما زال عبق الدم ورائحة الطهر ولسان التاريخ مولعا بالحديث عن “أبي تراب” علي بن أبي طالب بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف بن قصي بن كلاب.

وبين الموقفين كان لعلي بن أبي طالب رضي الله -وما زال وسيبقى- الموقع الرفيع، والمكانة السامية في قلوب المسلمين، وخصوصا أولئك الذين نزلوا في محبته منزلا وسطا فلم يرفعوه إلى مكانة الأنبياء والرسل، ولم يهبطوا إلى درجة استحلال دمه وذريته واللعن والسب على المنابر.

وإلى ما لعلي بن أبي طالب رضي الله عنه، فإليه أيضا منتهى سلسلة الشرف التي تمثل القمة النسبية الأولى في الإسلام، ويحظى المنتمون إلى الدوحة الشريفة بتقدير من جميع المسلمين، وينالهم ما ناله والدهم علي بن أبي طالب من غلو المغالين وجفاء المعادين، ولذلك ما زال اسمه باقيا في الخالدين، والحديث عنه زهرة المجالس التي لا تزيدها الأيام إلا نضارة وفواح عطر.

صفوة بني هاشم.. طفولة شبل البطحاء وغصن بيت النبوة

في قمة النسب الهاشمي الأصيل يجتمع والدا علي رضي الله عنه، فهو ابن أبي طالب بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف، وهو ابن السيدة الكريمة فاطمة بنت أسد بن هاشم بن عبد مناف، وبين ذين الأبوين الذين حازا السيادة والزعامة في قريش عاش عليٌّ حياةً مفعمة بالجلال والجمال والقيم، لكنه عاش طفولته فعليا في بيت ابن عمه النبي الكريم محمد بن عبد الله ﷺ، فكان غصن بيت النبوة، وشبل البطحاء الذي جمع قوة الساعد، وذكاء البصيرة، وحدة الذهن ونجدة العظماء.

وقد كان من خصائص هذا الفتى الهاشمي النبيل أنه أول من ولد في جوف الكعبة من الهاشميين، فقد دخلت به أمه لما أثقلها المخاض، فولد هنالك حيث تستمد الأرض أمطار أنوار السماء، وحيث يرتفع عمود الخير من الأرض إلى فجاج الملأ الأعلى، ليكون بذلك أصغر أبناء أبي طالب وأكثرهم رسوخا في شغاف التاريخ وفي وجنات الأيام.

تذكر كتب التاريخ أن عليا رضي الله عنه ولدته أمه في جوف الكعبة المشرفة

وفي حين ثبت أن حكيما بن حزام ولد في الكعبة، فقد ضعف البعض الروايات القائلة إن عليا رضي الله عنه ولد فيها، وتعليقا على ذلك قال الحاكم في كتابه “المستدرك”: تواترت الأخبار أن فاطمة بنت أسد ولدت أمير المؤمنين عليا بن أبي طالب كرم الله وجهه في جوف الكعبة.

وقد كان انتقال علي إلى بيت النبي ﷺ بسبب الفاقة التي ضربت مكة المكرمة في سنوات المحْل التي عاشتها البطحاء المقدسة، فأخذ العباس بن عبد المطلب ابن أخيه جعفرا بن أبي طالب فكفله، وأخذ النبي ﷺ عليا ليكفله، مخففين بذلك على سيد البطحاء مؤونة العيال في سنة شهباء، وخرج الأخوان من بيت أبيهما، وتركا معه ابنه عقيلا وابنتيه أم هانئ وجمانة.

درج علي بن أبي طالب في مهد النبوة، وتربى في البيت الشريف، وكان رفيقا لرسول الله ﷺ، وكان من صفاته الخالدة أنه لم يسجد لصنم في حياته، فقد عاف حياة المشركين، ونفح الإيمان في قلبه عاطرة الإباء التوحيدي قبل أن يصدع بقبول الدعوة المحمدية، فكان أول من أسلم من الصبيان، وكان عمره يوم دخل الإسلام نحو 10 سنين، وقيل حوالي 13 سنة.

خطة الهجرة.. ليلة خالدة في فراش النبي الكريم

تفتق أريج السماء عن الإذن للنبي ﷺ بالهجرة، فأسرّ النبي الكريم ﷺ بذلك لخليله أبي بكر، وبدأ التحضير للحدث الكبير في تاريخ الإسلام، كانت جحافل الغيّ من إنس وجانّ على أهبة الاستعداد لمنع هذا الحدث الخارق في تاريخ البشرية.

كانت كل قوى الطغيان تعمل جاهدة على وقف نهر الحضارة التي انطلق من بين كلمات الرسول الأعظم ﷺ، فجاء إبليس في صورة شيخ نجدي وجلس مع قريش في دار الندوة، وبعد استعراض السبل المتعددة للقضاء على الدعوة المحمدية، جاء المقترح الإبليسي بأن يُختار له شباب من كل بطن من قريش، وليضربوه ضربة رجل واحد، فيتفرق دمه بين القبائل، ولا يستطيع بنو هاشم مواجهة قريش كلها.

لم يدُر هذا المخطط برأس أحد من شياطين قريش، لأن الشيطان نفسه لم يكله لغيره، لكن نواميس القدر كانت قد وضعت أشرعة أخرى على زوارق النجاة التي حملت النبي ﷺ في شغاف الغيب وسارت به في وهاد الصحراء إلى مأمنه، حيث ملتف النخيل ومنبسط الجبال ومثوى الرجال الأوفياء.

في الوقت الذي بات فيه علي بن أبي طالب في بيت النبوة ليلة الهجرة، توجه النبي الأكرم وصاحبه إلى غار ثور

 

خرج النبي ﷺ، وذر بعض الحصى على رؤوس القوم، وقرأ عليهم ما شاء من كلمات ربه التامات، ومر كالفجر منسابا يقطع ظلمات الكفر، والبدر يمزق أبراد الليل، وترك آمالهم وعزائمهم أضغاث أحلام في نومة طويلة، لم يقطعها غير حر الشمس في ضحوة من ضحوات مكة.

أما الفتى علي بن أبي طالب، فقد كان ملتفا في فراش النبي ﷺ يحسبه القوم رسول الله، ليكون بذلك فداء للنبي الأكرم عليه الصلاة والسلام في رحلته إلى الأبدية والخلود. ولم تطل إقامته بعد النبي ﷺ فقد سار بعد ثلاثة أيام إلى المدينة المنورة في ركب يسمى ركب الفواطم، ضم دررا وجواهر من سيدات بيت النبوة، ممن حملن اسم فاطمة، ووصل الركب إلى المدينة المنورة، فالتأم الشمل وألقت عصاها الكرامة واستقر بها النوى، كما قر عَيناً بالإياب المسافر.

وفي المدينة المنورة بدأت حياة جديدة لعلي بن أبي طالب، فلم يطل المقام حتى تزوج السيدة المصون فاطمة بنت رسول الله ﷺ.

وكان عرسا نبويا ظللته النبوة وكرامة المحفل الإيماني، وغاب عنه الترف والمباهاة، وزفت الفتاة إلى ابن عمها. وبعد أشهر قليلة بدأ مسار الجهاد والمقاومة المسلحة يفرض نفسه على المسلمين.. فكانت قصة أخرى من حياة ابن أبي طالب.

ذو الفقار.. رفيق الجهاد الضارب في سبيل الله

عُرف علي بن أبي طالب بقوة الجسم ونباهة الذهن وصفاء الذاكرة وبراعة العزيمة، فكان أسدا هصورا في الميادين وعالما جليلا ومصلحا عبقريا في منتديات الصحابة، وعابدا أواها في محاريب الليل ومراقي الساجدين.

جاءت غزوة بدر لتظهر قوةَ هذا الأسد الهاشمي وسيفَه الذي عرف باسم ذي الفقار، وبذي الفقار اقتص علي بسرعة رأس الوليد بن عتبة بن ربيعة في المبارزة التاريخية التي اختار لها النبي ﷺ ثلاثة رجال من أسرته الشريفة، لمواجهة ثلاثة رجال من صناديد قريش، وانتهت المبارزة بسقوط رجال قريش الأقوياء صرعى تحت السيوف الإسلامية، فهز ذلك الجيشَ القريشي، وعجل بالهزيمة النفسية إلى قلوبهم.

يعتقد كثير من المؤرخين أن شكل سيف علي بن أبي طالب رضي الله عنه “ذو الفقار” كان مستقيما له فقار

ولم تكن بدر آخر الفتكات العلوية، بل كان له دور مشهود في المرحلة الأولى من غزوة أحد، فقد قتل قائد لواء المشركين طلحة بن أبي طلحة، وكان دوره في بقية الغزوات دورا بطوليا، فكان -على سبيل المثال- أسد غزوة الخندق، حيث جندل بطل الأحزاب عَمرا بن عبد ود العامري، وقضى على أسطورة فارس خارق لا يشق له غبار.

وقد ظلت حياة حيدرة خلال الحقبة النبوية ما بين محراب النبوة وبيت الطهر الفاطمي، أو بين غزوة أو سفارة أو رأي واستشارة، ففي البيت الصغير عاش مع زوجته الكريمة تحت ظلال الحب والطهر، وأنجبا في ذلك البيت الكادح أولادهم الأقمار الحسن والحسين وزينب الكبرى وأم كلثوم، ولم يتزوج علي على فاطمة طوال حياتها، إلى أن أودعها الثرى بعد وفاة والدها رسول الله ﷺ بأشهر قليلة.

“أعوذ بك من معضلة لا أبا حسن لها”.. مستشار الخلفاء

أخذ علي بن أبي طالب دور المستشار الحكيم في فترة الخلفاء الراشدين الثلاثة من قبله، ويؤثر عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قوله “اللهم إني أعوذ بك من معضلة لا أبا حسن لها”.

ولنترك الخليفة علي بن أبي طالب يتحدث عن علاقته بالخلفاء الذين سبقوه، كما روى ذلك الذهبي في سير أعلام النبلاء، إذ يقول: لما قدم علي البصرة قام إليه ابن الكواء وقيس بن عباد، فقالا له: ألا تخبرنا عن مسيرك هذا الذي سرت فيه تتولى على الأمة تضرب بعضهم ببعض، أعهدٌ من رسول الله ﷺ عهده إليك؟ فحدثنا فأنت الموثوق المأمون على ما سمعت.

فقال: أما أن يكون عندي عهد من النبي ﷺ في ذلك فلا والله، إن كنت أول من صدّق به فلا أكون أول من كذب عليه، ولو كان عندي من النبي ﷺ عهد في ذلك ما تركت أخا بني تيم بن مرة وعمر بن الخطاب يقومان على منبره، ولقاتلتهما بيدي ولو لم أجد إلا بردي هذا، ولكن رسول الله ﷺ لم يقتل قتلا ولم يمت فجأة، مكث في مرضه أياما وليالي يأتيه المؤذن فيؤذنه بالصلاة، فيأمر أبا بكر فيصلي بالناس وهو يرى مكاني، ثم يأتيه المؤذن فيؤذنه بالصلاة، فيأمر أبا بكر فيصلي بالناس وهو يرى مكاني.

اجمعت الأمة على ان الخلافة الراشدة قد انتهت بموت الخليفة الرابع علي بن أبي طالب رضي الله عنه

ولقد أرادت امرأة من نسائه أن تصرفه عن أبي بكر، فأبى وغضب وقال: أنتن صواحب يوسف، مروا أبا بكر يصلي بالناس، فلما قبض الله نبيه نظرنا في أمورنا، فاخترنا لدنيانا من رضيه نبي الله لديننا، وكانت الصلاة أصل الإسلام، وهي أعظم الأمر وقوام الدين، فبايعنا أبا بكر، وكان لذلك أهلا لم يختلف عليه منا اثنان، ولم يشهد بعضنا على بعض، ولم نقطع منه البراءة، فأديتُ إلى أبي بكر حقه، وعرفت له طاعته، وغزوت معه في جنوده، وكنت آخذ إذا أعطاني، وأغزو إذا أغزاني، وأضرب بين يديه الحدود بسوطي.

فلما قُبض ولاها عمر، فأخذ بسنة صاحبه وما يعرف من أمره، فبايعنا عمر لم يختلف عليه منا اثنان، ولم يشهد بعضنا على بعض، ولم نقطع البراءة منه، فأديتُ إلى عمر حقه، وعرفت طاعته، وغزوت معه في جيوشه، وكنت آخذ إذا أعطاني، وأغزو إذا أغزاني، وأضرب بين يديه الحدود بسوطي.

فلما قُبض تذكرتُ في نفسي قرابتي وسابقتي وسالفتي وفضلي، وأنا أظن أن لا يعدل بي، ولكن خشي أن لا يعمل الخليفة بعده ذنبا إلا لحقه في قبره، فأخرج منها نفسه وولده، ولو كانت محاباة منه لآثر بها ولده، فبرئ منها إلى رهط من قريش ستة أنا أحدهم، فلما اجتمع الرهط تذكرت في نفسي قرابتي وسابقتي وفضلي وأنا أظن أن لا يعدلوا بي، فأخذ عبد الرحمن مواثقنا على أن نسمع ونطيع لمن ولاه الله أمرنا، ثم أخذ بيد ابن عفان فضرب بيده على يده فنظرت في أمري، فإذا طاعتي قد سبقت بيعتي، وإذا ميثاقي قد أخذ لغيري، فبايعنا عثمان، فأديت له حقه، وعرفت له طاعته، وغزوت معه في جيوشه، وكنت آخذ إذا أعطاني، وأغزو إذا أغزاني، وأضرب بين يديه الحدود بسوطي.

فلما أصيب نظرت في أمري فإذا الخليفتان اللذان أخذاها بعهد رسول الله ﷺ إليهما بالصلاة قد مضيا،وهذا الذي قد أخذ له الميثاق قد أصيب، فبايعني أهل الحرمين وأهل هذين المصرين.

مقتل الخليفة.. خمس سنوات في عواصف الفتنة

أخذ علي بن أبي طالب مكانه في قيادة المدافعين عن الخليفة المحاصر عثمان بن عفان رضي الله عنه، وكان يتولى بنفسه رفقة ابنيه الحسن والحسين حماية البيت العثماني الشريف، وإمداده بالمؤونة بعد أن فرض عليه ثوار الفتنة حصارا غير مسبوق، ثم آل الأمر بهم إلى قتله، لتبدأ عاصفة فتنة وصراع سياسي وفكري منذ ذلك التاريخ إلى اليوم.

وقد بايع عليا بن أبي طالب كبارُ الصحابة في المدينة المنورة، ورفض آخرون بيعته، ومنهم معاوية بن أبي سفيان والي الشام والخليفة الأول للدولة الأموية. كما أن عددا من الصحابة منهم أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها، وطلحة بن عبيد الله والزبير بن العوام، طالبوا بالقصاص لعثمان والقضاء على قتلته أولا، وساروا من مكة إلى البصرة.

وأمام هذه التهديدات المتعددة، قرر الخليفة الرابع نقل عاصمة الخلافة من المدينة المنورة إلى الكوفة بالعراق، وذلك حماية لحرم النبي ﷺ من الأزمات والصراعات التي بدأت تطل برأسها على المركز السياسي والأمني للخليفة.

رسم تخيلي تراثي لموقعة الجمل حيث هودج السيدة عائشة رضي الله عنها

ولم يكن علي رضي الله عنه قادرا على تنفيذ القصاص بشكل فوري من قتلة عثمان لعدم علمه بأعيانهم، ولاختلاطهم مع آخرين وكثرتهم واستعدادهم للقتال، وبعد مرور أشهر من دون أن ينفذ القصاص فيهم خرج جمع من الصحابة من مكة في مقدمتهم طلحة والزبير وأم المؤمنين عائشة رضي الله عن الجميع، سعيا للقبض على قتلة عثمان وتنفيذ القصاص فيهم، ولكن عليا رضي الله عنه اعتبر سيرهم إلى البصرة خروجا على واجب الطاعة، وخشي انهيار الدولة الإسلامية في فترة حساسة وحرجة من تاريخها.

وبعد أن سعى بكل ما أوتي من حكمة لمنع القتال من خلال الحوار والتفاوض الذي كاد أن يؤتي أكله، أنشب السبئية الرماح، وبدؤوا الحرب في ليل دون إذن من قيادة الطرفين. وبعد انتهاء المعركة كلف علي رضي الله عنه أربعين من أشرف نساء البصرة بمرافقة أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها إلى مكة.

وإذا كانت الحرب قد وضعت أوزارها بعد موقعة الجمل مع فريق يضم عددا من أكابر الصحابة منهم طلحة والزبير وعائشة، كانوا يرون وجوب القصاص الفوري من قتلة عثمان رضي الله عن الجميع؛ فإن فريقا آخر بالشام منهم معاوية ابن أبي سفيان كان يرى أنهم أولياء دم عثمان، ومثّل هذا الفريق التحدي الأكبر لعلي رضي الله عنه بعد موقعة الجمل.

كان هذا التحدي أقوى وأصعب متغير في خمسية علي بن أبي طالب، فقد وجد معاوية بن أبي سفيان في “قميص عثمان” لواء مظلمة مكّنه من اقتطاع الشام، وجعل القصاص لعثمان بن عفان رضي الله الشرط الأول قبل أي تفاوض مع أمير المؤمنين علي بن أبي طالب.

ثم كان صوت السلاح وسيلة الحسم في هذا الخلاف الكبير، بعد أن اقتتل الجيشان الإسلاميان قتالا شديدا، وقد كان الطرفان على يقين بجهادية وصوابية ما هم عليه، وأنه من القُرَب التي ينبغي العبور إليها على أمواج الدم.

استمرت معركة صفين أياما كانت في معظمها سجالا بين الطرفين، قبل أن تنتهي الأمور إلى اتفاق على فكرة التحكيم.

فتنة الخوارج.. سيوف التكفير وأمواج الدم العابرة للتاريخ

يختصر ابن كثير في البداية والنهاية بداية فتنة الخوارج حين يقول: قد تقدم أن عليا -رضي الله عنه- لما رجع من الشام بعد وقعة صفين، ذهب إلى الكوفة فلما دخلها اعتزله طائفة من جيشه، قيل: ستة عشر ألفا. وقيل: اثنا عشر ألفا. وقيل: أقل من ذلك. فباينوه وخرجوا عليه وأنكروا عليه أشياء، فبعث إليهم عبد الله بن عباس، فناظرهم فيها ورد عليهم ما توهموه من الشبهة، ولم يكن له حقيقة في نفس الأمر، فرجع بعضهم، واستمر بعضهم على ضلاله.

ويقال إن عليا رضي الله عنه ذهب إليهم، فناظرهم فيما نقموا عليه حتى استرجعهم عما كانوا عليه، ودخلوا معه الكوفة، ثم إنهم عادوا فنكثوا ما عاهدوا عليه، وتعاقدوا وتعاهدوا فيما بينهم على القيام بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والقيام على الناس في ذلك، ثم تحيزوا ناحية إلى موضع يقال له النهروان.

 

حرب ضروس قادها الخليفة علي بن أبي طالب ضد الخوارج أعملت بهم السيف وشردت بهم من خلفهم

وكسيرته في الحوار والتفاوض بدأ أمير المؤمنين ملفا آخر من ملفات الخلافة الصعبة، وهو التفاوض الفكري والعقدي مع هذه الآلاف المفعمة بالحماس الديني، والقابضة على سيوف مُذرَبة تريد أن تعملها في الرقاب، أمرا بالمعروف ونهيا عن المنكر كما تراه، لكن هذا الحوار انتهى مرة أخرى باصطكاك الرماح وقراع السيوف، وذلك بعد أن بدأ الخوارج تنفيذ مسارهم العنيف، عبر أعمال إكراه وقسر وقتل راح ضحيتها بعض الصحابة وبعض المسلمين الآمنين، ثم انحازوا إلى ناحية النهروان وبدأت هنالك صفحة دامية من صفحات الدم وحروب الفكر، وكاد جيش علي بن أبي طالب أن يبيد الخوارج، وأن يشرد بهم من خلفهم من حملة فكرهم.

رأس الخليفة.. فاتنة من الخوارج تنهي الخلافة الراشدة

كان نصر النهروان وما تبعه من انهيار في صفوف الخوارج، منطلقَ حقد شنيع على شخص الإمام علي بن أبي طالب وتوجهاته، وكان هو الآخر في وضع لا يحسد عليه، لتصدع الخلافة وتشتت أنصاره وتضعضع الجيش العراقي الذي يعتبر السند الأساسي لخلافته رضي الله عنه.

وهنالك بدأت مؤامرة التخطيط لقتل علي بن أبي طالب، وبحسب روايات متعددة فإن المهاجمين سعوا -وفق ما اتفقوا عليه- إلى “تخليص المسلمين” من الأمراء الثلاثة علي بن أبي طالب ومعاوية بن أبي سفيان وعمرو بن العاص، وكان سيف الغدر وسبق القدر أمضى إلى علي بن أبي طالب على يد عبد الرحمن بن عمرٍو المعروف بابن ملجم المرادي.

ويفصل ابن كثير قصة تلك الليلة الحزينة، وكيف تحولت دماء الخليفة الشهيد إلى مهر لفاتنة خارجية، فيقول: ولقي ابن ملجم معهم امرأة من تيم الرباب اسمها قطام، وقد قتل أبوها وأخوها يوم النهر، وكانت فائقة الجمال، فلما رآها أخذت قلبه فخطبها، فقالت: لا أتزوجك حتى تشتفي لي. فقال: وما تريدين؟ قالت: ثلاثة آلاف، وعبدا وقينة، وقتل علي. فقال: أما قتل عليّ فما أراك ذكرته وأنت تريدينني. قالت: بلى، التمس غرته، فإن أصبته شفيت نفسك ونفسي ونفعك العيش معي، وإن قُتلت فما عند الله خير من الدنيا وما فيها. قال: والله ما جاء بي إلا قتل علي، فلك ما سألت.

ابن ملجم المرادي قائد الثلاثة الذين قتلوا الخليفة الراشدي علي بن أبي طالب رضي الله عنه وهو يصلي في المحراب

فلما كان ليلة الجمعة، وهي الليلة التي واعد ابن ملجم أصحابَه على قتل علي وقتل معاوية وعمرو، أخذ سيفه ومعه شبيب ووردان، وجلسوا مقابل السدة التي يخرج منها عليّ للصلاة، فلما خرج علي نادى: أيها الناس الصلاة الصلاة. فضربه شبيب بالسيف، فوقع سيفه بعضادة الباب، وضربه ابن ملجم على قرنه بالسيف، وقال: الحكم لله لا لك يا علي ولا لأصحابك.

وبتلك الصرخة تسارعت مؤشرات النهاية، وأسرج أمير المؤمنين علي بن أبي طالب خيل الشهادة، ليوارى جسده الشريف في قبر يميل أكثر المؤرخين إلى أنه مجهول لحد الآن، فبينما يرى بعضٌ أنه دفن في الكوفة، يرى آخرون أنه نقل إلى المدينة المنورة.

وبوفاته طوت الخلافة الراشدة آخر صفحاتها، وطُبعت بخاتم أحمر من دماء أبي الشهداء علي بن أبي طالب السنةُ الأربعون من عمر التاريخ الراشدي، وبدأ المُلك العضوض، وانطلق تاريخ آخر من الفتنة والصراع الفكري في التاريخ الإسلامي، وما تزال الدماء تتناثر على ضفاف ذلك الصراع المسافر عبر القرون.

رضي الله عن أمير المؤمنين الشهيد علي بن أبي طالب ابن عم رسول الله ﷺ.