“الشيخ الرئيس ابن سينا”.. أبو الطب الذي ملأت علومه آفاق الشرق والغرب

أبهر من حوله إدراكا ووعيا وتحصيلا وحفظا، وأخلص للعلم فكشفت له العلوم قوانينها، وأفشت له الفلسفة عن أسرارها، فقد كان يؤمن بالعقل.. فيا ترى هل أسلمه العقل دائما للحقيقة أم لسواها؟

إنه ابن سينا العالم المبدع، أبو الطب الفيلسوف والكيميائي والفلكي والجغرافي متعدد المواهب والعلوم، وكانت له مساهمات عظيمة في ترسيخ المنهج العلمي والفلسفي في الشرق والغرب.

في هذا الفيلم الذي أنتجته الجزيرة الوثائقية ضمن سلسلة بعنوان “العلماء المسلمون”؛ نتعرف على الشيخ الرئيس، شرف الملك أبو علي الحسن بن علي سينا، المولود عام 379 الهجري الموافق لعام 980 الميلادي بقرية أفشنة في أوزبكستان.

“استطعت أن آتي على القرآن حفظا”.. علوم النشأة الأولى

كان ابن سينا مفكرا شق طريقه عبر الصخور والأشواك، ومهد للعلم دربه، ولا تزال دول العالم حتى الآن تحتفل به، فهو لا يمكن أن يقاس بالمقاييس الطبيعية للبشر.

كان أبوه واليا على ضيعة في مدينة بخارى فوفر له ولأخيه تعليما مثاليا، وترعرع في بيت علم فحصل على الكثير من المعارف، وقد ترك ما يمكن أن يسمى سيرة ذاتية روى فيها قسطا من حياته. يقول فيها: لقد أحضر والدنا لي ولأخي الوحيد معلما للقرآن وآخر للآداب، ولقد استطعت أن آتي على القرآن حفظا، وتعلمت الكثير من نصوص الأدب وأنا لم أكمل العاشرة من عمري بعد، وهذا ما أثار إعجاب المعلمين بصورة كبيرة.

انتقل ابن سينا بعد ذلك إلى بخارى، وهي من بلاد ما وراء النهر التي فتحها قتيبة ابن مسلم عام 90 للهجرة، ونشأ فيها عدد من علماء المسلمين، وهي بلد الإمام البخاري إمام المحدثين، وواحدة من أهم مدن أوزبكستان المستقلة.

كان ابن سينا بشخصه موسوعة ضخمة، فقد ترك بعده نحوا من 270 كتابا ورسالة، وكان وضع الكثير من المصطلحات الفلسفية باللغة العربية.

“بدأ الأطباء يقرؤون علمي”.. عبقرية واضع أسس الطب التجريبي

انطلق ابن سينا ليرضي شغفه وطموحه في شتى ميادين المعرفة العقلية البحتة، فأقبل على علوم الطب والفلسفة، حتى اعتُبر واضع أسس الطب التجريبي، فقد كان يجرب الدواء على الحيوان فإذا استجاب جربه على الإنسان، ثم يدوّن مدى تأثير الدواء على الحالات التي يعالجها.

كان يكشف على المريض ويفحصه، وهو ما يطلق عليه اليوم الفحص الإكلينيكي، ولم يكتفِ بدراسة الطب نظريا بل مارسه عمليا، وقد فعل كل ذلك وهو لم يتجاوز بعد 16 عاما من عمره.

ظلت كتب ابن سينا تدرس في أوروبا حتى نهاية القرن السابع عشر

كما كتب عن دقائق الطب كتشريح العين واللسان والتشريح الداخلي، واستخدم آلات مبتكرة وبسيطة، كمشرط فتح الأعضاء وموسع الأنسجة ومسطرة للقياس، كما أنه وصف العظام والغضاريف بدقة شديدة.

يقول ابن سينا عن الطب في مذكراته: ليس الطب من العلوم الصعبة أبدا، فقد برّزت فيه في أقل مدة، حتى بدأ الأطباء يقرأون علمي، وتعهدت المرضى ففهمت من تجربة علاجهم الكثير.

“وكأنني نفذت إلى عالم كبير مليء بالعلوم والمعرفة”.. مكتبة الأمير

أصبح ابن سينا طبيبا وهو ابن 18، وذهب يوما إلى أمير بخارى ليعالجه، وهناك دخل المكتبة السامانية الخاصة بالأمير، وكانت الكتب تشكل يومها ثروة للأمراء، فكانت تلك فرصة عظيمة لابن سينا كي يطلع على سائر العلوم، وكانت ذلك ما صنع منه مفكرا وفيلسوفا. ويقول عن تجربته عند دخوله مكتبة الأمير: وبدخولي إلى هذه المكتبة وكأنني نفذت إلى عالم كبير مليء بالعلوم والمعرفة.

ويقول عن أهم كتبه في الطب وهو كتاب “القانون في الطب”: لقد مثل هذا الكتاب عملي الرئيس في الطب، وهو يدور حول الأمراض المختلفة وكيفية تشخيصها وعلاجها. وقد ترجم هذا الكتاب إلى عدة لغات كاللاتينية والفرنسية، وصدر منه ما يزيد عن 50 طبعة.

وقد قدّر الغرب ابن سينا كثيرا ولقبوه بأبي الطب، وبقي كتابه المرجع الأساسي للجامعات في أوروبا حتى القرن السابع عشر، ويوجد في جامعة السوربون الفرنسية تمثال يخلد الشيخ الرئيس ابن سينا.

دراسة الفلسفة.. رحلة متأخرة يعوقها علم الطبيعة

عاش ابن سينا حياة هانئة مستقرة في عهد السلطان نوح بن منصور الساماني أمير الدولة السامانية، وألّف عددا من الكتب وبدأ يقرأ المنطق والفلسفة وعكف على قراءتها سنة ونصف السنة، لم ينم فيها ليلة واحدة بكاملها، وهو يصف حاله في تلك الفترة فيقول: ومهما أخذت أدنى نومة، أحلم خلالها بالمسائل التي شغلتني في يقظتي، حتى إن كثيرا منها اتضحت وجوهها في المنام.

من الكتب التي استعصى على ابن سينا فهمها، كتاب الميتافيزيقيا (ما وراء الطبيعة) لأرسطو، وقد أعاد قراءته 40 مرة، لكنه لم يجد سبيلا لفهمه، حتى قرأ بالصدفة كتابا للفارابي يشرح فيه أغراض كتاب أرسطو، ففهمه وفرح بذلك فرحا شديدا، فخرج في اليوم التالي وتصدق على الفقراء شكرا لله تعالى.

كانت رحلته في الفلسفة رحلة متأخرة عن الطب، وكان عليه تعلم علم الطبيعة أولا حتى يدرك ما وراءها.

ابن سينا (Avecina) الشيخ الرئيس الذي خلدت أوروبا ذكره

يقول الدكتور سيد نظام الدين أستاذ الدراسات الإسلامية في جامعة بريستون الأمريكية: كانت فكرة ابن سينا في الوجوب والإمكان، يقول إن كل شيء إما واجب أو ممكن، والممكن يحتاج إلى سبب، فالممكن يحتاج إلى المؤثر، وأما الخالق سبحانه فهو لا يفتقر إلى شيء، فهو مسبب الكل.

يقول ابن سينا: صحيح أن “الشفاء” و”القانون” هما من أهم موسوعاتي، لكنني ألفت كتبا ورسائل عديدة منها كتاب “المجموع” الذي احتوى سائر العلوم الفلسفية عدا الرياضيات، وكتاب “الحاصل والمحصول” في الفلسفة، وكتاب “الأرصاد الكلية” في الفلك، وكتاب “المبدأ والمعاد” في المنطق، وكتاب “الهدايات” وغيرها.

“أسمع وأدرك ما يقولونه ولا تقبله نفسي”.. اتهامات الإسماعيلية

كان مذهب الإسماعيلية نشطا في تلك الفترة في بخارى، نسبة إلى الإمام إسماعيل بن جعفر الصادق، وكان ظاهر هذه الفرقة التشيع لآل البيت، ولكنها مالت إلى الغلو الشديد، لدرجة أن الشيعة الاثني عشرية يكفرون أتباعها، وكانت الدولة العباسية تتخذ مذهب أهل السنة والجماعة، وكانت ترى في تلك الطوائف انحرافا عقديا عن صحيح الدين، وتعاملت مع أصحاب هذه العقائد وفق هذا المبدأ.

استحدثت الإسماعيلية الرمز والباطن، ورد عليهم الغزالي فيما بعد في كتابه فضائح الباطنية، وكان يحاول أصحابها إخفاء أسمائهم، وعلى الرغم من أن جماعة “إخوان الصفا” تركوا أكثر من خمسين رسالة، فإن أصحابها ظلوا مجهولي الهوية.

ورقة من كتاب القانون يرد فيها ابن سينا أقوال الحكيم الإغريقي غالينوس

كانت تلك المذاهب أقرب للمدارس الفلسفية من كونها مذاهب دينية، ولم تلق رواجا عند العقل المسلم خاصة في الحجاز والعراق ومصر.

ذهب البعض للتشكيك بأن ابن سينا كان واحدا منهم، وأنه كان ملحدا وزنديقا، لكنه قال: لقد سمعت من هؤلاء الدعاة إلى الإسماعيلية ذكر النفس والعقل على الوجه الذي يقولونه ويعرفونه، وكذلك سمِع أبي وأخي، فأجاب كلاهما الدعوة، بينما لم يستطيعوا أن يشدوني إليهم، أسمع وأدرك ما يقولونه ولا تقبله نفسي.

“لو كنتُ كافرا فليس ثمة مسلم حقيقي واحد على ظهر الأرض”

يعتبر أستاذ الفلسفة الدكتور عاطف العراقي أن ابن سينا في بعض آرائه كان أقرب إلى الشيعة، وأنه يصعب نزعه منهم، خاصة أن الشيعة يؤمنون بالتأويل كما الأشاعرة من أهل السنة والجماعة، وأن حصيلة ابن سينا الفلسفية قائمة على قدرة هائلة في التأويل، وهذا ما يقربه إلى المنهج الشيعي.

ولكن الدكتور سيد نظام الدين يرد بقوله: إن ابن سينا أكبر وأعظم من أي انتماء مذهبي، والمراد بهذه المذاهب هو في الغالب المذاهب الفقهية، وابن سينا لم يؤلف كتابا ولا رسالة في المسائل الفقهية، فقد كانت مؤلفاته تقتصر على المسائل الفلسفية والعقائدية.

وربما نقل عنه أنه أنكر البعث للأجساد، أو أنه أنكر على الله العلم بالجزيئيات، مما وضعه موضع اتهام عند بعض الأئمة، لكن ابن سينا يقول: إيماني بالله لا يتزعزع، فلو كنت كافرا فليس ثمة مسلم حقيقي واحد على ظهر الأرض.

الهروب والوزارة والنفي والحبس.. آفات السياسة

توفي والد ابن سينا وهو ابن الـ22، فتأثر كثيرا وغادر بخارى، وهو يضمر في نفسه خوفا، فقد سمع أن السلطان محمود الغزنوي سيستولي على بخارى، وقد كان يكره الفلاسفة، فخاف ابن سينا على نفسه من الاضطهاد فرحل إلى جرجان، وهي إحدى المدن الشهيرة في شمالي إيران، وفيها ظهر الكثير من الفلاسفة.

تخليدا لذكره وإنجازاته، تحمل واحدة من فوهات القمر اسم ابن سينا اللاتيني (أفيسينا)

لكن الحياة السياسية المتقلبة دفعته مرة أخرى للرحيل إلى الري قرب طهران الآن، وكانت الري فتحت في عهد عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وفيها ولد الرشيد والرازي نابغة الطب.

وفي الري عالج ابن سينا أميرها شمس الدولة فاحتضنه وولاه على الوزارة، لكن الجند تمردوا عليه وحبسوه وطلبوا من الأمير قتله، فاضطر إلى نفيه فنفاه الأمير، لكنه توارى في بيت شيخ يدعى أبي سعيد مدة أربعين يوما، وفي تلك الأثناء عاود المرض الأمير، فعاد ابن سينا لعلاجه، فاعتذر منه الأمير وأعاد إليه الوزارة.

بدأ ابن سينا بتقسيم وقته بين أعمال الوزارة والتأليف، لكن الأمير شمس الدولة مات، فتيقن ابن سينا أن الدولة على وشك الوقوع في قبضة الغزنوي، فاعتذر عن الوزارة واختفى، لكن الأمير الجديد اعتبره هاربا فحبسه أربعة أشهر، وكانت فترة ازدهار فكري للشيخ الرئيس.

“حي بن يقظان”.. قصة تربعت على عرش الأدب الفلسفي

وفي أثناء حبسه ألف عددا من الكتب، من أشهرها قصة “حي بن يقظان” التي تحررت من أغلال القيود وتربعت على عرش السبق الأدبي الفلسفي، وقد أسست لفرع جديد في الأدب الفلسفي، إذ أنه صاغها صياغة روائية، وعرض فيها مجمل فلسفته، وتعتبر المرجع الأول لكثير من الروايات العالمية كقصة “روبنسون كروزو”، وكان متأثرا بالفلسفة اليونانية، وقد أعاد صياغاتها ابن طفيل بعد مئتي عام.

قصة “حي بن يقظان” من إبداعات ابن سينا في في السجن الذي مكث فيه أربعة أشهر

يروي كثيرون أن تأثير ابن سينا الممتد في الغرب يفوق تأثيره في الضمير الشرقي، فكتابه القانون في الطب درس لأكثر من سبعة قرون في أوروبا، لكن أثره الفلسفي كان أقوى في الشرق، وتكاد تكون شهرته بالفلسفة في الشرق تتوازى مع شهرته في الطب في الغرب لكن في المقابل هو أشهر فيلسوف شرقي تأثرت به أوروبا وكانوا يطلقون عليه لقب الشيخ الرئيس أو أفيسينا (Avecina).

وعنه يقول الفيلسوف “بيكون”: تحددت الفلسفة في اللغة اليونانية على يد أرسطو، ثم تحددت باللغة العربية على يد ابن سينا.

داء القولون.. مرض يصرع طبيب “القانون” و”الشفاء”

في نهاية الأمر اقتضت حكمة القدير أن صاحب “القانون” و”الشفاء” في الطب يعجز عن مداواة نفسه بعد أن أصابه مرض في القولون، فاستسلم لما اعتراه موقنا في النهاية، فأعتق مواليه وتصدق بماله للفقراء، وما أشبه البداية بالنهاية، فقد بدأ حياته هائما بعينيه بين دفتي القرآن الكريم، وختم عمره بقلب يسكن بين طيات نوره المبين، علامات رجل منهك القوى واهن الإرادة، كأنه قد تهيأ للنهاية.

يقدر الباحثون بأن علم ابن سينا بحاجة إلى 570 سنة من الكتابة المتواصلة لتحقيقه

وقد توفي في يوم جمعة في رمضان عام 428 هجرية في مدينة همذان ولا يزال قبره هناك، وقد عاش 57 عاما فقط، لكنه ترك وراءه إرثا ضخما في الطب والفلسفة وعلم النفس والفيزياء والرياضيات والموسيقى وغيرها من العلوم.