الشيخ ماء العينين.. إمام الصوفية وحكيم الصحراء ومحارب المستعمرين الثلاثة

يونس مسكين

من قلب بلاد المرابطين خرج إلى العالم، ورحل مخلّفا علما ومدرسة ومنهجا في الدين والحياة، وبين بداية ونهاية جابهَ إمبراطوريات زمانه، بدءا من بريطانيا ومرورا بإسبانيا ووصولا إلى فرنسا.

ألف بين قلوب آلاف المريدين، واستمال خمسة من سلاطين المغرب الذين عاصرهم في رحلة مقاومته الفكرية والسياسية، وقضى الشطر الأكبر من حياته خليفة لهم في الشطر الجنوبي من مملكتهم.

 

هو من رجل من طينة أعلام الفكر في العالم الإسلامي، أمثال الأفغاني ومحمد عبده والكواكبي ومحمد عبد الوهاب، ومن رجال العلم والوطنية في المجال المغاربي أمثال عبد الكريم الخطابي وعبد القادر الجزائري وعمر المختار.. وينتمي في التصوف إلى الطريقة الفاضلية المنبثقة عن الطريقة القادرية.[1]

سيدي المصطفى.. مسيرة التصدر في علم الظاهر والباطن

ولد الشيخ ماء العينين سنة 1831 في الحوض الشرقي بموريتانيا، وأخذ علوم القرآن والتصوف والحديث في زاوية-مدرسة والده، وحفظ القرآن كاملا في سن العاشرة، وتولى التدريس قبل إتمامه سن العشرين، ثم ما فتئ أن انطلق في رحلة الحج نحو مكة قبل تمام العقد الثالث من عمره، فكانت رحلة طويلة في العلم والمقاومة.[2]

اسمه سيدي المصطفى، وقد أطلقه عليه والده محمد فاضل، على اسم شيخه العلامة سيدي المصطفى بن عثمان بن محمد الكيحل. أما اللقب فهو ماء العينين، ثم أضيف إليه “الشيخ” عندما صدّره والده. أما والدته فهي منينة بنت المعلوم.[3]

كان أوسط أبناء والده الشيخ محمد فاضل الذي خلف 23 ابنا، وقد بدأت رحلة الحياة العلمية للشيخ ماء العينين من الحوض الشرقي بموريتانيا، حيث تربى وتعلم على يد والده، وتولى التدريس في مدرسة للتفسير والحديث واللغة العربية.

 

وحين أجازه والده وقرر الانطلاق في رسم مساره الخاص، أخبر مرافقيه -وكانوا من تلاميذه- أنه يعتزم القيام برحلة الحج أولا، فانتقل إلى شنقيط، ومنها التحق بقافلة من الحجاج إلى الساحل الأطلسي، وحاولوا ركوب سفينة من ميناء الصويرة فلم يفلحوا في ذلك، فالتحق الركب بمدينة مراكش، حيث استقبلهم ممثل السلطان بحفاوة ووجّههم نحو مدينة سلا، وهناك التقى الشيخ ماء العينين بمحمد بن عبد الرحمن، ولي عهد السلطان المغربي، فسهّل لهم الالتحاق بمدينة طنجة وركوب باخرة أخذتهم إلى السواحل المصرية في رحلة الحج.[4]

رحلة الحج.. جولة لاستكشاف الحضارة والأخطار في الشرق

سمحت رحلة الحج للشيخ ماء العينين بالاطلاع على آخر تطورات العصر، إذ ركب القطار بين القاهرة والإسكندرية، والتقى بنخبة من العلماء والمفكرين خلال مقامه في مصر، كما وطّد علاقته بمركز السلطة في المغرب، فقد جالس السلطان عبد الرحمن في مدينة مكناس، وخليفته محمد بمدينة مراكش، ومنها انتقل إلى تندوف، ثم انطلق في جولة في مناطق الساحل الأطلسي، وتردد على منطقة آدرار، ليوجهه والده محمد فاضل للاستقرار الدائم في الساقية الحمراء.[5]

بعد رحلة حج طويلة، توقف الشيخ ماء العينين في طريق العودة مستقرا في مصر

 

توقف الشيخ ماء العينين في طريق العودة من الحج مستقرا في مصر، فأقام حوالي 6 أشهر في الإسكندرية، وشاهد هناك مظاهر التطور والتحديث من قطار وتلغراف، وشاهد معها مظاهر التهديد الأوروبي الآخذ في مساومة العالم الإسلامي على أراضيه ومقدراته.

ثم شد رحاله بعد ذلك عائدا إلى مدينة طنجة، ومنها إلى مكناس فمراكش، ومن ثَم عاد إلى أعماق الصحراء مستقرا في منطقة تندوف، قبل أن يعود مجددا إلى منطقة آدرار، ومنها حسم أمره باتخاذ منطقة الساقية الحمراء ووادي نون الساحلية مستقرا له، وتحديدا قبيلة العروسيين، في وقت لم يكن الاستعمار الأوروبي فيه قد وصل إلى المنطقة بعد.[6]

الساقية الحمراء.. ميلاد الطريقة المعينية

قبل أن يحط رحاله في مستقرّه الأخير، وكما تقضي بذلك عادة المتصوفين؛ أشار الشيخ محمد فاضل لابنه بضرورة الانطلاق في طريقه المستقلة بعدما برزت لديه معالم التميز، مما شكّل لحظة ميلاد للطريقة المعينية (نسبة إلى ماء العينين).

كانت الانطلاقة عام 1858 ميلادية، حين خرج الابن من جلباب أبيه نهائيا، وبإيعاز منه سيحطّ الشيخ ماء العينين رحاله في المجال الجغرافي الشمالي لهذه الصحراء الممتدة، وتحديدا في منطقة الساقية الحمراء.

أسس الشيخ ماء العينين مدينته السمارة على ضفة أحد فروع وادي الساقية الحمراء

 

راح الشيخ ماء العينين يتجوّل في أرجاء المنطقة، عاملا على نشر العلم وإحياء بعض السنن كمثل صلاة التراويح التي كانت قد انقطعت لقلة الحافظين للقرآن الكريم، فشجّع الناس على إحياء هذه الصلاة، مخففا عليهم أمرها بإفتائه بجواز الصلاة بسورة قصيرة أو آية واحدة بعد الفاتحة، مواصلا رسالته العلمية التي جعلته يخلّف مكتبة كبيرة في تندوف قبل بنائه رباطا علميا وجهاديا في السمارة.[7]

وبما أن رسالته الأولى كانت علمية، فإنه كان موقنا بحاجة العلم إلى التحضر والاستقرار، فأسس مدينته السمارة على ضفة أحد فروع وادي الساقية الحمراء، وذلك في فترة وصاية الصدر الأعظم المغربي أحمد بن موسى المعروف بلقب “با حماد”، على عرش السلطان مولاي عبد العزيز، فقد توفي والده السلطان الحسن الأول وهو ما يزال صغيرا، وكان “با حماد” حريصا على التقرب إلى الشيخ ماء العينين والتودد إليه، فساعد في تمويل مشروع تأسيس المدينة الجديدة.[8]

محارب الصحراء.. سد في وجه المستعمرين الثلاثة

بمجرد استقراره في الساحل الأطلسي، وجد الشيخ ماء العينين نفسه مجبرا على مقاومة بريطانيا وإسبانيا وفرنسا، أما بريطانيا فقد حاولت احتلال طرفاية في الساحل الأطلسي للمغرب، بينما باتت إسبانيا تحتل الصحراء المغربية، وأما فرنسا فتحتل الأراضي الموريتانية.

تحرك الشيخ في البداية لمواجهة المطامع البريطانية (ساحل طرفاية) بإيعاز من سلطان المغرب، ثم ما فتئ يتصدى للأطماع الإسبانية بسواحل وادي الذهب بين 1884-1910، بينما خصص القسم الثالث من حياته للوقوف في وجه محاولات فرنسا التغلغل في بلاد المغرب وموريتانيا.

 

نظم الشيخ ماء العينين القبائل الصحراوية والموريتانية للدفاع ولمقاومة المستعمر

 

انطلق الهجوم الفرنسي على موريتانيا والشيخ ماء العينين في الحج، وعندما عاد نظم القبائل الصحراوية والموريتانية للدفاع ولمقاومة المستعمر، وسافر مرارا إلى السلطان المغربي ليسلح المقاومة، فلم تكن هذه المقاومة تقيم وزنا للحدود التي سيختطها الاستعمار في المنطقة على شاكلة حدود سايكس بيكو.[9]

في مقابل الهجوم الفرنسي على المغرب شمالا وموريتانيا جنوبا، سعت إسبانيا إلى الدخول إلى المنطقة عبر بوابات السواحل المغربية الجنوبية، فبدأت مساعيها الجادة في احتلال الصحراء تحت غطاء تجاري استكشافي، إلا أن محاولتها اصطدمت بمقاومة أطّرها الشيخ ماء العينين، وكان من ثمارها معركة شهيرة وقعت في موقع مدينة الداخلة سنة 1885م.[10]

خليفة السلطان.. نفوذ روحي وسياسي في الصحراء

بدأت الوظيفة السياسية للشيخ ماء العينين، مع تجسد التهديدات الأجنبية للسيادة المغربية، وذلك بإعلان بريطانيا -من خلال أحد تجارها المغامرين المدعو “دونالد ماكينزي”- عن احتلالها لساحل طرفاية سنة 1878، وهو الحدث الذي دفع السلطان مولاي الحسن الأول إلى تعيينه بعد شهور قليلة، نائبا له في بلاد سوس (وسط المغرب) والصحراء (الجنوب)، فأرسل إليه ظهير التولية سنة 1879.[11]

 

كان لرحلة الحج التي قام بها الشيخ ماء العينين دور في بلورة مشروعه السياسي، ذلك أن لقاءاته خلال تلك الرحلة، خلقت له أنصارا كُثرا في صفوف قبائل الصحراء الساحلية (الساحل الأطلسي)، وهو ما شكّل النواة الأولى لتأسيس رباط للتصوف والعلم والمقاومة. كما شكّلت رحلة الحج هذه فرصة لبناء علاقة وطيدة ومباشرة مع سلاطين المغرب، منذ عهد السلطان محمد الرابع (ابن عبد الرحمن)، ووصولا إلى السلطان مولاي عبد الحفيظ، مما منح الشيخ نفوذا روحيا محليا ومشروعية سياسية سلطانية.[12]

وقد جعل هذا التعيين السلطاني للشيخ ماء العينين خليفة على الساقية الحمراء وما وراءها منه، قيّما على أمر الجهاد ومقاومة التغلغل الأجنبي في المنطقة، فراسل الإسبان الذين كانوا يمدون نفودهم نحو سواحل المغرب الجنوبية، داعيا إياهم إلى دخول الإسلام، أو طلب الإذن قبل الدخول، أو الرحيل قبل أن يتصدى لهم بالمقاومة المسلحة.[13]

بناء السمارة.. منارة ورباط بتمويل المخزن المغربي

التفّت القبائل الصحراوية حول الشيخ ماء العينين وأنزلته منزلة رفيعة، فأخذوا عنه العلم ومنحوه في المقابل تجنّدهم الخالص وراءه في معركة الصمود أمام المد الاستعماري. وقد اختار الشيخ ماء العينين موقع مدينة السمارة لبناء مستقرّه الرئيس، حيث التف آلاف من المريدين حول منارة علمية ورباط للمقاومة ضد الأطماع الاستعمارية. وكانت زاوية الشيخ ماء العينين من أولى الحواضر التي عرفتها منطقة صحراوية كانت تسودها حياة الترحال.

ويروي المؤرخ والداعية الحجازي محمد موسى الشريف أن الشيخ ماء العينين بادر أواخر القرن الـ19، وهو وقتها رب أسرة ممتدة معروف بالصلاح والعلم، ببناء مدينة السمارة شمال الصحراء المغربية، جاعلا إياها في الوقت نفسه منارة للعلم ورباطا للمقاومة ضد الاحتلال الإسباني، فكان الشيخ يقود ويوجه العلماء والمقاومين في الوقت نفسه.[14]

كما يسرد أحمد بن الأمين الشنقيطي في كتابه “الوسيط”، كيف كانت الساقية الحمراء “خالية لا أنيس بها لشدة الخوف ولقحوطها دائما، حتى عبرها الشيخ ماء العينين وبنى فيها الدور وغرس النخل، فسهلت المواصلات بين شنقيط وغيرها من المواضع المغربية”.[15]

 

وكانت مدينة السمارة ملتقى للقوافل التجارية ورباطا للمقاتلين ومدرسة للمتعلمين وزاوية للزهاد المتصوفين، فقد أرادها الشيخ صلة وصل بين الرحّل المنتشرين في أرجاء المنطقة، ونقطة لقاء الآتين من الشمال ومن الجنوب، سواء منهم العلماء أو التجار أو السياسيون.

وقد استقدم الشيخ ماء العينيين مواد البناء لتشييد السمارة من الصويرة عبر طرفاية بحرا، ثم كانت الجمال تنقل الصناع والحرفيين ومواد البناء نحو السمارة برا، وكان ذلك كله بدعم وتمويل من السلطان مولاي عبد العزيز.[16]

كما زودت السلطة المركزية المغربية الشيخ ماء العينين بالمواد والأيدي العاملة التي تطلبها تشييد مدينة السمارة، فكانت القوافل تأتي من الشمال إلى الساقية الحمراء محملة بالمواد الأولية والبنائين والصناع من مختلف الحواضر المغربية الكبرى كفاس ومراكش وسلا، وهو ما جرّ على المخزن المغربي انتقادات بعض الدارسين، مثل المختار السوسي الذي اعتبر أن بناء السمارة فاقم من عجز الاقتصاد المغربي وقتها.[17]

مؤتمر الجزيرة الخضراء.. شرخ استعماري بين السلطان والشيخ

أحدث الشيخ ماء العينين نظاما إداريا مبتكرا لضبط الحياة الاجتماعية بطريقة تحقق الإنصاف وتحمي الأمن الغذائي للملتفين من حوله، بينما شكّلت عشرات المدارس عماد هذا المجتمع، حيث كان الشيخ يسهر على تعليم الآلاف من الطلبة مع تحمّل جميع تكاليف معيشتهم وضمان مؤونتهم، مع تنشيط الحياة اليومية برياضات ترفيهية (نوع من المصارعة).[18]

 

ظهير للسلطان مولاي الحسن الأول ينفذ بمقتضاه وصية بإعانة شهرية للشيخ ماء العينين

 

وقد جدد السلطان مولاي عبد العزيز الشرعية التي منحها والده السلطان مولاي الحسن للشيخ ماء العينين، فبمجرد استعادته السيطرة الكاملة على العرش وتخلصه من الوصاية التي كانت مفروضة عليه، بعث أخاه إدريس كي يشرف على المقاومة في الجنوب، حيث كانت محاولات فرنسا التسلل إلى الأراضي المغربية لا تزال نشطة، فقد دارت هناك معركة سنة 1906، قبل أن تعقد هدنة بين فرنسا والسلطان المغربي، وكان من بين شروطها امتناع مولاي عبد العزيز عن دعم مقاومة الصحراويين التي كان يقودها الشيخ ماء العينين.[19]

وبعد تزايد الضغوط الأوروبية على المغرب، تناقص تدريجيا الدعم المخزني السخي الذي تلقاه الشيخ ماء العينين لبناء السمارة وحشد القبائل لمقاومة الغزو الأجنبي، وكان هذا التحول من نتائج مؤتمر الجزيرة الخضراء (1906) الذي جعل المغرب تحت سيطرة الأوروبيين تمهيدا لاستعماره.[20]

تزنيت.. حاضنة المقاومة المعينية الجديدة

وجد الشيخ ماء العينين نفسه عام 1908 في قلب المواجهة التي اندلعت بين السلطان مولاي عبد العزيز وشقيقه وخليفته في مراكش مولاي عبد الحفيظ، فقد قدم الشيخ ماء العينين من الساقية الحمراء في جموع كثيرة، ليأخذ لهم المؤونة والسلاح من السلطان مولاي عبد العزيز الذي كان يقيم في الرباط. فلما وصل موكب الشيخ إلى نواحي مراكش، بلغه أن أهلها بايعوا مولاي عبد الحفيظ، وأن أهل المغرب ناقمون على أخيه السلطان، فما كان منه إلا أن بايع مولاي الحفيظ، فدخل مراكش بجموعه، وبايع واحتفل به السلطان الجديد.[21]

توطدت علاقة الشيخ ماء العينين بالسلطان محمد الرابع، ثم بلغت هذه العلاقة أوجَها في عهد السلطان الحسن الأول

 

ورغم أن السلطان مولاي عبد الحفيظ كان قد وقع هذه المعاهدة، فقد بعث إلى خليفة الشيخ ماء العينين يدعوه إلى مواصلة المقاومة، وكان أبناء الشيخ ماء العينين يحققون نصرا كبيرا في بداية المعركة، قبل أن تطعنهم يد الغدر والخيانة المدفوعة من طرف بعض الوجهاء المحليين الموالين للاستعمار.[22]

وبإيعاز من السلطان مولاي عبد الحفيظ، انتقل الشيخ ماء العينين من السمارة إلى تزنيت، مما شكل نهاية لمقاومة مستميتة قادها الشيخ ماء العينين منذ مؤتمر الجزيرة الخضراء، واستقر الشيخ في القصر الخليفي (قصر خليفة السلطان) محفوفا باستقبال شعبي شديد الحفاوة.[23]

وحين اكتشف الشيخ ماء العينين ضعف موقف السلطان مولاي عبد الحفيظ وعدم تمكنه من مقاومة التغلغل الاستعماري داخل المغرب، انكفأ على تنظيم وقيادة المقاومة التابعة له.

وبعد وفاته عام 1910، قاد ابنه أحمد الهيبة بن ماء العينين هذه المقاومة، واستطاع تعبئة قبائل سوس والصحراء انطلاقا من مدينة تزنيت وسط المغرب، وخاض ابن الشيخ ماء العينين عددا من الملاحم والمعارك، أشهرها على الإطلاق معركة سيدي بوعثمان (قرب مراكش)، وذلك بعد شهور قليلة من توقيع معاهدة فرض الحماية الفرنسية على المغرب، أي معاهدة 30 مارس/آذار 1912.

شيخ السلاطين.. حب متجذر في قلوب العامة والخاصة

عاصر الشيخ ماء العينين خمسة سلاطين مغاربة، فكان بمثابة الابن لبعضهم، وبمثابة الأخ لبعضهم الآخر، ثم بمثابة الأب للسلطان الحسن الأول وابنيه عبد العزيز وعبد الحفيظ، وكان أكثر اتصالاته بهؤلاء السلاطين؛ اتصاله بالسلطان عبد العزيز الذي كانت جل اللقاءات به في مراكش وبعضها في فاس، وقد بنى له عدة زوايا وموّل بعضها.[24]

وقد بدأت علاقة الشيخ ماء العينين بالسلاطين العلويين عندما استقبله السلطان مولاي عبد الرحمن بن هشام في مدينة مكناس وهو في طريقه إلى الحج، ثم توطدت علاقته بابنه السلطان محمد الرابع، ثم بلغت هذه العلاقة أوجَها في عهد السلطان الحسن الأول بن محمد، وفي عهد ابنيه عبد العزيز وعبد الحفيظ.[25]

الشيخ ماء العينين كان دائم التردد على سلاطين المغرب

 

كان الشيخ ماء العينين دائم التردد على سلاطين المغرب، فقد زار السلطان محمد بن عبد الرحمن في مراكش عام 1873، ثم عاد إلى المدينة نفسها للقاء السلطان مولاي الحسن عام 1887، حيث كانت العلاقة بين الشيخ والسلاطين روحية، وكان سلاطين المغرب يقدرون الشيخ ويجلونه، لما عرف عنه من علم وصلاح.[26]

وعندما كان الشيخ ماء العينين يقوم بزيارة لإحدى المدن الكبرى في المغرب، كانت تغلق الأسواق، وتخرج الجماهير الغفيرة احتفاء بمقدمه، حيث يقول العلامة والمفكر المغربي المختار السوسي في كتابه “المعسول”: إذا توجه الشيخ ماء العينين بركابه إلى مراكش، فإن المغرب يقوم ويقعد في الاحتفالات به، بإيعاز من الحكومة وبغير إيعاز منها. فإن للرجل مكانة مكينة في القلوب كلها، قلوب الخاصة والعامة، لدينه وعلمه وشرفه وسنه.[27]

ومن الوثائق التي تؤرخ لعلاقة الشيخ ماء العينين المباشرة بالسلاطين، رسالته إلى السلطان مولاي عبد العزيز المؤرخة في نوفمبر/تشرين ثاني 1894، ويشكر فيها السلطان لحسن استقباله وفد ماء العينين خلال حلوله ضيفا على السلطان.[28]

سياسة التوحيد.. منهج فقهي وصوفي يتسع للجميع

أسس الشيخ ماء العينين مشروعه الفكري على مبدأ توحيد المجتمع بمختلف أطيافه، لتجتمع الأمة وتنصهر في إطار مرجعي متين وثوابت موحدة، فتذوب مع هذه الوحدة الروحية جميع الاعتبارات العرقية والقبلية والطبقية والطائفية.[29]

وتتميز الطريقة الصوفية للشيخ ماء العينين بمؤاخاته بين جميع الطرق، فكان يرحب بالمنحدرين من مختلف الطرق الصوفية الأخرى، ولا يعادي أحدا، وامتدت هذه الطبيعة التوفيقية إلى المجال القبلي، فكانت القبائل تلجأ إليه لحل خلافاتها وتقبل بآرائه.[30]

تميّز إنتاجه العلمي بالغزارة والتنوع، وتتسم فتاواه بقدر كبير من الاستقلالية عن المذاهب والاجتهاد المناسب للسياق الاجتماعي والاقتصادي المحلي. وقد انطلق الشيخ ماء العينين في مدرسته العلمية من كون المذاهب الإسلامية الأربعة (السنية) كلها على صواب، باعتبارها فروعا لشجرة واحدة.[31]

وإلى جانب علمه كان الشيخ ماء العينين يتميز بغنى ويسر واضحين، حيث تسجل المصادر التاريخية أنه وزّع في إحدى زياراته لمدينة تزنيت (وسط المغرب) 18 ألف ناقة، وخص طلبة العلم بنحو 6 آلاف ناقة منها.[32]

مكتبة الزاوية.. بحار من العلم أغرقت منطقة سوس

قال المختار السوسي في معرض حديثه عن كبار علماء المغرب في تلك الحقبة، إن كتب خزانة الشيخ ماء العينين أغرقت منطقة سوس التي هاجر إليها بعد اضطراره إلى مغادرة السمارة، وإن المكتبة الوحيدة في شمال أفريقيا التي كانت تضاهي مكتبة ماء العينين هي مكتبة الزاوية السنوسية في ليبيا، علما أن الغزو الاستعماري الفرنسي ارتكب جريمة بحق خزانة الشيخ ماء العينين.[33]

ضريح وزاوية الشيخ ماء العينين

 

كما قدم الزعيم الوطني المغربي علال الفاسي شهادة واضحة عن مساهمة آل ماء العينين في مقاومة التغلغل الاستعماري الفرنسي والإسباني، وأكد أن الفضل في توحيد قبائل الجنوب المغربي يعود إلى الشيخ ماء العينين وابنه أحمد الهيبة، بعد أن كوّن حوله حركة وطنية بالمعنى الدقيق للكلمة، وكافح الفرنسيين مطاردا القواد الكبار حتى مدينة مراكش، ثم انهزم في موقعة سيدي بوعثمان، واستمر هو والقبائل الملتفة حوله في سوس والساقية الحمراء طوال الحرب العالمية الأولى.[34]

معاهدة الحماية.. جريمة فرنسية في حاضرة ماء العينين

بعد عام واحد من توقيع معاهدة الحماية مع المغرب، اجتاحت القوات الفرنسية مدينة السمارة في 28 مارس/آذار 1913 ودمّرتها بالكامل، وأحرقت ما يناهز 5 آلاف كتاب في المركز العلمي الذي أحدثه الشيخ ماء العينين.

تولى الولد الآخر للشيخ ماء العينين، وهو “مربيه ربُّه”، قيادة المقاومة التي قال عنها الزعيم الوطني علال الفاسي، إنها استمرت لغاية العام 1934، أي طيلة 22 سنة بعد الدخول الرسمي للفرنسيين إلى المغرب.[35]

وبعد رحلة طويلة ربطت الشرق بالغرب والشمال بالجنوب، توقف مسار الشيخ ماء العينين في مدينة تزنيت ليلة الجمعة 17 شوال عام 1328هـ الموافق 25 أكتوبر/تشرين أول 1910 ميلادية، حيث ووري جثمانُ الراحل ماء العينين سيدي المصطفى بن محمد فاضل الثرى، بعيدا عن مدينته السمارة، ومسقط رأسه في عمق الأراضي الموريتانية.[36]

 

المصادر

[1] https://www.youtube.com/watch?v=7cmJsCVbp5k
[2] https://www.youtube.com/watch?v=V0gEQM4t30s
[3] https://www.fatimimohamadi.com/الشيخ-ماء-العينين/
[4] https://www.youtube.com/watch?v=gXs9la2_I6Y
[5] https://www.fatimimohamadi.com/الشيخ-ماء-العينين/
[6] https://www.youtube.com/watch?v=gXs9la2_I6Y
[7] https://www.youtube.com/watch?v=gXs9la2_I6Y
[8] https://www.youtube.com/watch?v=7cmJsCVbp5k
[9] https://pressn.net/show11083563.html
[10] https://www.cheikh-maelainin.com/?page_id=348
[11] http://www.mapexpress.ma/ar/actualite/الشيخ-ماء-العينين-النائب-السلطاني-على/الآراء-و-حوارات/
[12] http://dspace.iua.edu.sd/bitstream/123456789/849/1/رحلات%20الحج%20بالغرب%20الصحراوي.pdf
[13] https://www.youtube.com/watch?v=7cmJsCVbp5k
[14] https://www.youtube.com/watch?v=2WrSMv___PQ
[15] أحمد بن الأمين الشنقيطي، الوسيط في تراجم أدباء شنقيط، مطبعة المدني، يناير 2008
[16] https://www.fatimimohamadi.com/الشيخ-ماء-العينين/
[17] https://www.youtube.com/watch?v=7cmJsCVbp5k
[18] https://www.youtube.com/watch?v=gXs9la2_I6Y
[19] https://www.youtube.com/watch?v=2WrSMv___PQ
[20] https://www.youtube.com/watch?v=7cmJsCVbp5k
[21] https://al-maktaba.org/book/32687/368
[22] https://www.youtube.com/watch?v=2WrSMv___PQ
[23] https://www.youtube.com/watch?v=7cmJsCVbp5k
[24] https://www.cheikh-maelainin.com/?page_id=4033
[25] https://www.cheikh-maelainin.com/?page_id=4033
[26] https://www.fatimimohamadi.com/الشيخ-ماء-العينين/
[27] https://www.cheikh-maelainin.com/?page_id=4033
[28] بهيجة سيمو، ” الصحراء المغربية من خلال الوثائق الملكية”، القسم الأول الجزء الثالث، من منشورات مديرية الوثائق الملكية
[29] https://chmaoulainine.wordpress.com
[30] www.youtube.com/channel/UC0LSnqrwqtMwl2YwfUpO66g
[31] https://www.youtube.com/watch?v=gXs9la2_I6Y
[32] https://www.youtube.com/watch?v=2WrSMv___PQ
[33] https://www.youtube.com/watch?v=gXs9la2_I6Y
[34] https://www.youtube.com/watch?v=2WrSMv___PQ
[35] https://www.youtube.com/watch?v=2WrSMv___PQ
[36] https://www.youtube.com/watch?v=V0gEQM4t30s