“كل رجال الباشا”.. أسفار التاريخ تكشف الوجه الآخر لمؤسس مصر الحديثة

يتحدث الدكتور خالد فهمي، المؤرخ المصري وأستاذ الدراسات العربية الحديثة بجامعة كامبردج، بين طيات كتابه “كل رجال الباشا”، عن الحقبة الذهبية لمصر، بعد انتزاعها من الخليفة العثماني وتسيُّد محمد علي على رقعتها وأهلها، ولكن بطريقة مغايرة عن ما كتبه الآخرون عن تلك المرحلة، فقد عمد إلى كسر الصورة المتوارثة عن محمد علي كمؤسس لجيش مصر الأول.

هذا الكتاب المثير للاهتمام والجدل في آن معا، كان محور نقاش ثري بين مجموعة من الكتّاب والمؤرخين المهتمين بالشأن المصري في حقبة محمد علي باشا، استضافتهم قناة الجزيرة الفضائية في حلقة من حلقات برنامج “خارج النص”، حملت عنوان الكتاب موضوع النقاش “كل رجال الباشا”.

حقبة الباشا.. محاكمة تاريخية بأساليب السردية الإنجليزية

خط خالد فهمي كتابه “كل رجال الباشا” متتبعا في معظم فصوله حياة جنديّ ما من جيش محمد علي، من لحظة تجنيده وحتى هروبه، مرورا بتدريبه وحياته في المعسكر وسلوكه في المعركة ورعايته الصحية. وبهذا الاختيار يقدم المؤلف الوجه الآخر للحكاية، في مواجهة الفخر المتوارث بمحمد علي وجيشه وانتصاراته، إنه وجه المهانة والعنف والاستغلال الذي وقع الفلاح المصري ضحية له.

وُضِع محمد علي باشا القوللي في هذا الكتاب أمام محاكمة تاريخية غير معتادة، خصوصا للذين يرددون السردية الفرنسية، فقد حملت فصول الكتاب نقدا لاذعا لتجربة الباشا، من جهة نياته تجاه مصر وأهلها، ومن جهة موقفه من الدولة العثمانية التي يعتبر امتدادا لها، وإنجازاته ضمن مدارها، مما أثار حول الكاتب جدلا واهتماما كبيرين.

هل كانت حقبة محمد علي باشا ذهبية على مصر، أم وعاء جعل المصريين عبيدا لملكه وسلطانه الذي كان يطمع أن يسود به المنطقة؟

يقول الدكتور محمود السيد الدغيم الباحث في التاريخ الإسلامي: يمثل الكاتب المنهجية الإنجليزية، وكما تعلمون فالصراع الإنجليزي الفرنسي عميق تاريخيا، إذ يقدم الكاتب نفسه بمنهجية مصرية جديدة، لكنه في الحقيقة صدى للمشرفين الإنجليز على أطروحته.

أما الباحث محمد شعبان أيوب فيصف الكاتب بقوله: استخدم الكاتب منهجية التابع، أي الذي يروي قصة الناس بلسان الناس، بينما التاريخ يرويه المثقفون أو رجال السلطة الحاكمة. فقد تأثر الكاتب بمنهجية الفيلسوف الفرنسي “ميشيل فوكو” الذي سلّط الضوء على ممارسات السلطة بحق الأفراد.

مذبحة القلعة.. الباشا ينصب عرشه على جماجم المماليك

جاءت فصول الكتاب معنونة بأحداث تاريخية مفصلية في فترة حكم الباشا، فقد بدأ الكاتب خالد فهمي سرديته بمذبحة المماليك “مذبحة القلعة” عام 1811، التي ارتكب فيها محمد علي مجزرة راح ضحيتها حوالي 500 من المماليك، ثم طارد بقيتهم وأنهى خطرهم.

عام 1811 ارتكب محمد علي مجزرة راح ضحيتها حوالي 500 من المماليك أنهت وجودهم السياسي

وفي ذلك يقول كمال خوجة أوغلو المتخصص في ترجمة الوثائق العثمانية: كان تعامُل عموم المصريين مع محمد علي مقتصرا على الناحية الإعلامية، فمواقفهم من جهته فيها بعض التناقض، فمن جهة يؤيدون المماليك، وفي المقابل يؤيدونه في قتلهم. أما المؤرخون والمطلعون فنظرتهم مختلفة؛ فالباشا -كما يرونه- استطاع اكتساح الرقعة العثمانية، بل كان سببا في سقوط الدولة.

وعن هذه المذبحة يقول محمد دلباز المتخصص في التاريخ العثماني: لا ننكر أن تصرفه وحشي، لكن رسالة الباشا مفادها أن عهد المماليك انتهى، وأن مصر آلت إليه.. كانت معايير عصره تقضي بأن يتخلص من سادات العبيد والشركس والإقطاعيين، ولولا ذلك ما استطاع محمد علي تأسيس السلطة المركزية في مصر.

تمرد الفلاحين على التجنيد.. رجال الباشا يفسدون حيلة المشوهين

اتجه خالد فهمي إلى شرح ظروف التجنيد الإجباري الذي فرضه الباشا على المصريين، وتحدث عن معاناة الفلّاح المطلوب للتجنيد، فعندما فشلت الحجج الدينية والوطنية في إقناع الفلاحين بترك أراضيهم وأهاليهم ثلاث سنين للذهاب إلى التجنيد؛ لجأ المسؤولون إلى الصرامة والقوة في جلب الفلاحين بالإكراه، لتشكيل نواة الجيش المصري.

لم ينجح الباشا محمد علي في إقناع الفلاحين بالذهاب إلى الجيش بإرادتهم لأنهم رفضوا ترك أراضيهم وخيراتها

جاء في الكتاب: لم ينجح الباشا مطلقا في إقناع الفلاحين بالذهاب إلى الجيش بإرادتهم، وفور انتشار العلم بسياسة التجنيد الجديدة في الريف، استخدم الفلاحون مختلف الطرق للهروب من وجه رجال الباشا، وكان التمرد الصريح أحد هذه الطرق، كما استخدم الفلاحون أسلوبا آخر، وهو الفرار من قراهم بشكل كلي.

ويتابع الكتاب: كما لجأوا إلى وسائل التمرد الفردية كتشويه أنفسهم عمدا ليُعتَبروا غير صالحين للخدمة طبيا، فقرر الباشا أن يعاقب المشوهين وشركاءهم بالسجن مدى الحياة، وتجنيد أقاربهم بدلا منهم.

هروب من التعليم إلى الجيش.. خيبة المستجير من الرمضاء بالنار

يعلق الباحث في التاريخ المصري الحديث وسيم عفيفي على طريقة التجنيد قائلا: كان من الصعب على الفلّاح المصري أن يقتلع من أرضه وينسجم مع حياة جديدة، فيلبس بزّة خاصة ويلتزم بأوامر صارمة ويخوض تدريبات قاسية، لكن عذر محمد علي أننا لا نستطيع محاكمته بمعايير اليوم على ما قد فعله قبل قرنين من الزمان.

ويقول شعبان أيوب: رفض المصريون التجنيد لأسباب كثيرة، أولها الحنين إلى الأوطان، فانتزاع الفلاح المصري من بين أهله واقتياده إلى ثكنات التدريب ثم إرساله إلى جبهات القتال، مع ما يستغرقه كل هذا من زمان طويل، كل هذا يجعل الخدمة العسكرية ثقيلة عليه، إضافة إلى ما يتركه الفلاح من فراغ اقتصادي واجتماعي عندما ينتزع من أرضه ويتركها بورا خرابا.

رفض المصريون التجنيد لأنه سيتركهم في فراغ اقتصادي واجتماعي عندما ينتزع منهم أرضهم ويتركها بورا خرابا

ويدافع دلباز عن سياسة الباشا بقوله: أخضع محمد علي التعليم في مصر لشروط قاسية جدا، مما جعل أكثر المصريين البسطاء يفرون إلى العسكرية هربا من التعليم، فكانوا كالمستجير من الرمضاء بالنار، وأنا أخالف المؤرخين الذين اعترضوا على أسلوب الباشا في تنظيم الجيش، فهذا الأمر حيوي وضروري لنهضة الجيش والبلد، ولا ينبغي أن يستشير فيه أحدا.

“كان يسعى لمجده الشخصي”.. هوس الزعامة المتوارث في آل الباشا

في الفصول اللاحقة من الكتاب ينبري الكاتب خالد فهمي للرد على الذين يدافعون عن الباشا ويصفونه بأنه باني جيش مصر الوطني، ولكنه -على رأي الكاتب- يشكو من هوس حب الزعامة، والرغبة في أن يصبح إمبراطورا، على خطى نابليون عظيم فرنسا. ثم إن الباشا فشل في جلب العبيد من السودان لتجنيدهم فعمد إلى الفلاحين المصريين، وكان بناء جيش مصر تحقيقا لأطماع الباشا التوسعية والشخصية.

قال في الكتاب: جرت العادة على القول إن الجيش الذي أسسه محمد علي قد أعطى الفلاحين حق حمل السلاح والدفاع عن الوطن والذود عن شرفه، فاستطاعوا بذلك أن يتعرفوا على هويتهم الحقيقية أي كونهم في الأساس وبشكل جوهري مصريين، وأن هويتهم العثمانية أو الإسلامية هويات ثانوية وفرعية.

ويتحدى الكتاب: هذا الخطاب القومي القوي والمتناغم الذي يحاول أن يدلل على أن جيش الباشا قد استطاع أن يجعل من سكان مصر مواطنين أوفياء ومخلصين لوطنهم، فإن ذلك إنما تم عن طريق إخضاعهم لنظام انضباطي صارم، بهدف تمكين الباشا ونخبته من تحقيق مآربهم، وبهذه الطريقة اختلط على المصريين أن القتال في سبيل محمد علي وأسرته يساوي التضحية في سبيل الوطن.

رسم لمحمد علي باشا في اجتماع مع وفد غربي

ويؤيد ذلك شعبان أيوب قائلا: كان يسعى لمجده الشخصي ولأسرته، وقد سلطت السينما المصرية الضوء على هذه الحقيقة في حقبة ما بعد جمهورية 1952؛ أن محمد علي وأبناءه من بعده لم يكونوا في يوم وطنيين ويسعون لرفعة مصر، بل لأمجادهم وأطماعهم في الملك على حساب أهل مصر.

أما الباحث الدغيم فيختلف مع ما ذهب إليه المؤلف من كونن الباشا كان يعمل لشخصه، فيقول: بل أقول إنه كان يعمل لسيده الفرنسي، وما كان غزوه لبلاد الشام والحجاز ونجد وحتى الأناضول إلا لتحقيق أهداف فرنسا التوسعية في المنطقة.

“لا أفعل في مصر إلا ما يفعله البريطانيون في الهند”.. جيش مصر

يقول الكاتب خالد فهمي إن الباشا لم يكن يرى في المصريين إلا جنودا صغارا في جيشه الذي أسسه، وطبقة الضباط تشكلت من الأتراك والأجانب الذين لا يتقنون العربية، بل يتحدث عن بعض الضباط الذين أسرهم الجيش العثماني وكانوا فيما بعد هم الذين يقودون الأسرى المصريين لدى القوات العثمانية.

يقول المؤلف: كانت المؤسسة العسكرية تتعامل مع الجندي بفوقية، وتنتهك حقوقه وكرامته في أكثر الأحيان، حتى قال الباشا لأحد زواره الفرنسيين: “إنني لا أفعل في مصر سوى ما يفعله البريطانيون في الهند، فلديهم جيش من الهنود يقوده ضباط بريطانيون، وأنا لدي جيش من المصريين يقوده ضباط أتراك”. وكقاعدة عامة لا يسمح للمصريين أو (أبناء العرب) بالترقي فوق رتبة يوزباشي (نقيب).

انتزع محمد علي باشا حكم مصر من الخليفة العثماني ليتسيّد على أرضها وأهلها

ويعترض الباحث دلباز على هذه السردية قائلا: أخالف الكاتب الرأي، فما قام به محمد علي منذ بداية القرن الـ19 في سبيل تحديث مصر، أنه قد أرسل أبناء المصريين الواعدين في بعثات إلى فرنسا، وكان كثير منهم ينضم إلى الجيش عند عودتهم، وكان يترقون لاستلام مسؤوليات الضباط الأتراك.

“كانت أحلام محمد علي أكبر من مصر”.. طموحات الباشا العثماني

لم يكتفِ المؤلف بالتشكيك في نيات محمد علي باشا من وراء تأسيس الجيش المصري، بل جاوز ذلك إلى نقد حركة التاريخ المصري الحديث التي تنسب الفضل إلى الباشا في ولادة القومية المصرية، بعد تخليص البلاد من سيطرة العثمانيين. واصطدم المؤلف كذلك بالدعاية المصرية الرسمية التي تعاملت مع الدولة العثمانية كقوة احتلال.

هل كان إلصاق القومية المصرية بمحمد علي مجرد محاولة لتسطيح الأمور إلى درجة السخرية؟

يقول الكاتب: حاول هذا الكتاب أن لا يقع في فخ كتابة التاريخ المصري في القرن الـ19 كسيرة شخصية لمحمد علي، وبدلا من ذلك وضع مصر والباشا في إطار العالم العثماني الأكبر، وأن مصر لم تكن ولاية عثمانية فحسب، بل إن الباشا وكبار موظفيه كانوا عثمانيين كذلك.

وفي هذا السياق يعلق الباحث أوغلو قائلا: الذين يحاولون إلصاق القومية المصرية بمحمد علي إنما يحاولون تسطيح الأمور إلى درجة السخرية. لقد كانت أحلام محمد علي تتجاوز مصر إلى أن يكون سلطان الباب العالي في الأستانة، فأين ستكون مصر عندئذ؟

ويؤكد الدغيم على أهمية مصر بذاتها قائلا: الذين يربطون نهضة بمصر بالباشا إنما يستهينون بالموقع الجيوسياسي المكين لهذا البلد، وإلا فما الذي دعا فرنسا لاحتلالها؟ إن مجرد وجود النيل في مصر يعطيها مكانة اقتصادية وصناعية واستراتيجية قلّ نظيرها في العالم، فكيف إذا أضفنا قناة السويس والشواطئ الممتدة والموانئ المتعددة؟

ويدافع الباحث عفيفي عن فترة حكم الباشا بقوله: من الخلل أن ننسب نهضة مصر في النصف الأول من القرن الـ19 لحساب الدولة العثمانية، وإلا فأين كانت مصر خلال القرون الثلاثة التي سبقت محمد علي؟ وكيف يمكن مقارنة مصر ما قبل الباشا بمصر الحداثة والمشاريع والتعليم والإدارة المتطورة؟

انتصارات السلطان.. رجال الباشا يسرقون تاريخ الجندي المصري

لم ينكر المؤلف القوة والنجاح الذين أثبتهما الجيش المصري فور إنشائه، فقد أثبت المجند المصري قدرته وتفوقه في ميادين القتال، سواء في نجد أو الشام أو حتى الأناضول، ولكنه عزا هذا التفوق للجندي المصري نفسه، الذي أهمله التاريخ ونسب كل الفضل للباشا وضباطه الأتراك.

ومن المآخذ على الكتاب، أنه أغفل حرب محمد علي على الوهابيين في نجد بين 1811-1819، وكذلك أغفل شخصية محمد لاظوغلي باشا الذي تقلد مناصب عالية في حكومة الباشا.

تخليدا لمحمد علي باشا، بنى المصريون مسجدا عظيما باسمه على الطراز العثماني

كما يرى الكاتب أن تاريخ الجيوش يجب أن يباشره العساكر الذين خاضوا الحروب واكتووا بنارها وعانوا من وحشيتها، وليس من قبل الضباط والقادة، أما الذين يقرؤون السردية الرسمية فسوف يعتبرون أن العساكر والجنود المصريين كانوا رجال الباشا، بينما لا يرى الكاتب أن الباشا كان في يوم من الأيام رجلهم.