ثاني اثنين.. أبو بكر الصديق رفيق النبي وخليفة المسلمين الأول

أمين حبلّا

لا يُعرف اسم نال من الاحتفاء في تاريخ الإسلام ولا من التقدير بعد الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم ما ناله صديقه وخليله أبو بكر الصديق رضي الله عنه، فقد كان هذا الرجل الصفحة الثانية في كتاب الإسلام الذي افتتحه النبي محمد صلى الله عليه وسلم بدعوة سرية، كان أول من أجابها من الرجال عبد الله بن عثمان الشهير بأبي بكر، والمعزز لقبه بكلمة الصديق، لما وقر في قلبه من نور الإيمان بالنبي محمد صلى الله عليه وسلم، وخالط فؤاده من شغف المحبة التي جعلته معتقِدا تمام اعتقاد الإيمان والمحبة بأن كل ما يصدر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم حق لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه.

 

ومن تلك العقيدة الراسخة والحب الإيماني الرقراق، تضوعت أفنان سيرة إيمانية عطرة، دخلت كل بيت، ورفرفت في كل شغاف، ودوّت صيحة إيمان ونشيد هدى في أفئدة الزمان وحقائب الأيام، وأكباد الملل والنحل الإسلامية.

كان مقام الصديق من النبي صلى الله عليه وسلم مقام الشمال من اليمين، واليد من الفؤاد، بل كان مقام يوشع بن نون من سيدنا موسى عليه السلام، فكان خليلا وصديقا وأخا وصهرا ورفيق حياة وخليفة عقيدة.

تاجر نسّابة.. منتدى أخلاق سامية

ينتمي أبو بكر الصديق إلى بطن تيم من قريش، فهو عبد الله بن عثمان بن عامر بن عمرو التيمي. وتيم هي إحدى فصائل قريش ذات الإباء والأنفة والمجد، بل هي إحدى الأركان الثابتة والدعائم الخالدة في البيت القرشي الذي يدور عزه حول البيت المعمور ورقراق زمزم. فمنذ أمد بعيد كان جيران الحرم، وحراس الكعبة القرشيون سادة العرب، بما اقتربوا من آثار إسماعيل بن إبراهيم عليهما السلام، وما خصتهم به الأقدار من المجد الحرمي.

وفي البيت التيمي من الصميم ولد أبو بكر الصديق لزوجين ابني عمومة، فأبوه أبو قحافة عثمان بن عامر وأمه سلمى بنت صخر بن عامر، وقد شاء الله أن يكون بيته بيت إيمان، حيث أسلمت أمه سريعا وطال بأبيه العمر حتى أسلم يوم الفتح، وأسلم بنوه وبناته، وولد بعضهم في الإسلام، فكان بيت الصديق بيت النخبة والمصطفين الأخيار.

بشر النبي عشرة من أصحابه بالجنة وكان أولهم صاحبه ورفيقه “أبو بكر الصديق”

 

تنسم الفتى التيمي عبق الحياة بعد عام الفيل، عام مولد النبي صلى الله عليه وسلم. وعلى خلاف بين العلماء المسلمين الذين تباينت نقولهم، هل كان ذلك الميلاد بعد سنتين أو ثلاث أو ستة أشهر فقط من ميلاد النبي صلى الله عليه وسلم، لكن أكثر الأقوال شهرة أنه ولد في حدود 573 ميلادية أي بعد سنة واحدة فقط من ميلاد النبي الكريم صلى الله عليه وسلم.

رافقت الصديق في جاهليته -التي لم تدنس بخمر ولا عبادة صنم- قيمٌ أصيلة كالصدق والأمانة والكرم، فأهّلته لأن يكون محور الثقة في قريش، فكانت مواقفه وآراؤه وتصرفاته محل إجماع قريش ومحط تقديرهم، بل قيل إنه كان أحد عشرة من قريش انتهى إليهم شرف المكانة وفضل المحتد ونبل القيم وصواب الرأي، ومنهم العباس بن عبد المطلب، وعثمان بن طلحة، وأبو سفيان بن حرب، وخالد بن الوليد، وأبو بكر الصديق، وعمر بن الخطاب، وصفوان بن أمية.

وقد رسّخت قيمَ أبي بكر الصديق ما عرف به من خبرة دقيقة في حياة المجتمع العربي، ومن معرفة عميقة بأنساب القبائل الفرعية وتفرعات البطون والأسر، وكانت ميزته بين النسّابة أنه لم يكن يذكر معايب الناس ولا ينتقص من أنسابهم.

وإلى جانب تلك الشخصية الهادئة المرنة، كان أبو بكر رجل أعمال ناجحا ذا علاقات واسعة في المجتمعات العربية المتعددة، وكانت أسر كثيرة وبيوتات قرشية متعددة تنتظر عودة قافلة أبي بكر لتنعم بوفير العطاء وميسور المتاجرة، ولذلك وصفه ابن كثير بقوله: “وكان رجلا تاجرا ذا خلق، وكان رجال قومه يأتونه ويألفونه لغير واحد من الأمر: لعلمه وتجارته وحسن مجالسته”.

وبالجملة فقد كان الصديق منتدى أخلاق سامية ومجتمع فضائل عالية، فقد جمع في الجاهلية خصالا نادرة، فكان من بين قلة أقل من أصابع اليد تركوا شرب الخمر، وتعففوا عن الفحشاء والعلاقات المنحرفة، وقد وصفته ابنته أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها فقالت: “حرّم أبو بكر الخمر على نفسه، فلم يشربها في جاهلية ولا في إسلام، وكان يقول إن من شرب الخمر كان مضيِّعا لعرضه ومروءته”.

لم يسجد الصديق رضي الله عنه لصنم قط، رغم أن الأصنام كانت تملأ ساحة الكعبة يومئذ

 

وكما حمى الصديق عقله ومروءته من أن تذهب بهم لواعب الصهباء، فقد أكرم وجدانه وجنانه أن ينحني ساجدا لغير الله. فقد رُوي أن أبا بكر رضي الله عنه لم يسجد لصنم قط، حيث اختبر هذه الأصنام وهو في ميعة الصبا وشبيبة الفتوة، فلم تجب له سؤالا، ولم ترد له خطابا، فعلم أنها حجارة لا تنفع ولا تضر.

ويروي الصديق قصته مع العزوف عن الأصنام فيقول: “ما سجدت لصنم قط، وذلك أني لما ناهزت الحلم أخذني أبو قحافة بيدي فانطلق بي إلى مخدع فيه الأصنام، فقال لي: هذه آلهتك الشمّ العوالي، وخلاني وذهب، فدنوت من الصنم وقلت: إني جائع فأطعمني، فلم يجبني، فقلت: إني عار فاكسني، فلم يجبني، فألقيت عليه صخرة فخر لوجهه”.

طريق الإسلام.. أول مصدق للرسول

من رحم العفاف والمروءة والقطيعة الوجدانية مع الوثنية، تفتق غراس التوحيد في فؤاد الصديق، وفاح عبيره بآفاق الانتظار، وهو يرنو إلى منبلج الضياء الإيماني الجديد الذي قذف بعضَ بشائره تأويلُ رؤيا خامرت فؤاد الصديق ذات ليلة، فرواها لراهب من رهبان الشام وهو في رحلة تجارة عابرة، فعبرها له بأنه مبعث نبي، وإن صدقت الرؤيا فستكون أول أصحابه، وخليفته من بعده.

ويحدّث الصديق في رواية أخرى عن بدايته مع إرهاصات النبوة وبشائر البعثة المقدسة، فيقول: “كنت جالسا بفناء الكعبة، وكان زيد بن عمرو بن نفيل قاعدا، فمر أمية بن أبي الصلت، فقال: كيف أصبحت يا باغي الخير؟، قال: بخير، قال: وهل وجدت؟ قال: لا، ولم آل من طلب، فقال:

كل دين يوم القيامة إلا
ما مضى في الحنيفية بورُ

أما إن هذا النبي الذي يُنتظر منا أو منكم.

يقول أبو بكر: ولم أكن سمعت قبل ذلك بنبي يُنتظر ويُبعث، فخرجت أريد ورقة بن نوفل، وكان كثير النظر إلى السماء كثير همهمة الصدر، فاستوقفته، ثم قصصت عليه الحديث، فقال: “نعم يا ابن أخي، إنا أهلُ الكتب والعلوم، ألا إن هذا النبي الذي يُنتظر من أوسط العرب نسبا -ولي علم بالنسب- وقومك أوسط العرب نسبا”، قلت: “يا عم، وما يقول النبي؟”، قال: “يقول ما قيل له، إلا أنه لا يظلم ولا يظلم ولا يظالم”، فلما بُعث رسول الله ﷺ آمنت به وصدقته.

وقد كان الصديق خالص المودة للصحبة والخلة للنبي الكريم صلى الله عليه وسلم، بل كان خليله الذي عرف من جميل السجايا وعظيم الصفات ما وقر به في صدره أنه صادق لا يكذب، ومرسل بحق لا زيف فيه، ومسدد بتوفيق من الله لا يُفل له حد ولا يفيل له رأي، فأسلم عند أول عرض قدمه له النبي صلى الله عليه عن الدين الجديد الذي جاء به. وقد حفظ الرسول الأكرم صلى الله عليه وسلم للصديق هذا الموقف حين قال: “ما دعوت أحداً إلى الإسلام إلا كانت له عنه كبوة وتردد ونظر، إلا أبا بكر ما عكم عنه حين ذكرته، ولا تردد فيه”.

كان أبو بكر الصديق يشتري العبيد المؤمنين من أسيادهم الجفاة الغلاظ، ومن بين هؤلاء بلال بن رباح

 

وقد تحمل الصديق همّ الرسالة المحمدية، منذ أن وضع خطوته الأولى على طريق الإسلام، فبدأ بنشر الدعوة والتبشير بالدين بالجديد، وأسلم على يديه عدد من أصحابه ورفاقه من أهل مكة، ومنهم على سبيل المثال الزبير بن العوام وعثمان بن عفان وسعد بن أبي وقاص وطلحة بن عبيد الله وعبد الرحمن بن عوف، وقد كان هؤلاء الستة الأول العمود الفقري للدعوة، وقد جلبهم الصديق إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقرأ عليهم الإسلام فدخلوا دون تردد في حديقة الدين الجديد.

وإلى جانب هؤلاء أسلمت أسرة الصديق من زوجة وبنين وأم وبقي والده على كفره إلى أن أسلم يوم فتح مكة.

ولم يكتف الصديق بحمل مشعل الدعوة والصبر على الأذى الجسدي المؤلم الذي ناله في سبيل الدفاع عن الرسول صلى الله عليه وسلم ودعوته، بل حمل أيضا همّ المستضعفين من الصحابة فكان يشتري العبيد المؤمنين من أسيادهم الجفاة الغلاظ، ويحولهم من ذل الاستضعاف إلى عزة الأخوة الإسلامية، ومن ضيق الكفر إلى سعة الإيمان ورفيف أجنحة التقوى، ومن أمثلة ذلك شراؤه لغِرِّيد الإسلام بلال بن رباح من سيده الجافي أمية بن خلف، ومن هؤلاء أيضا عامر بن فهمية، وأم عميس، وزنيرة، والنهدية وبناتها وجوار وعبيد آخرون؛ كاد العسف القرشي أن يحول بينهم وبين ظلال الحرية ورقراق الإيمان.

ثاني اثنين.. رفيق الهجرة ووزير المدينة

أخذ الصديق العروة العالية من العلاقة الخالدة بالنبي صلى الله عليه، فكان رفيقه في مُر الحياة وحلوها، وكانت من أعلى المحطات الخالدة لتلك العلاقة رحلة الهجرة الصعبة من مكة إلى المدينة، وما سطرته من صور الفداء وصميم المحبة وفياض البذل.

ولما تسلل أصحاب الرسول صلى الله عليه وسلم خلال الهجرتين إلى الحبشة لواذا يسيرون في ظلماء الليل وأزقة الصحراء الموحشة، ينسلون من غياهب الليالي انسلال الكواكب من جنح الظلام، متجهين إلى ملك لا يُظلم عنده أحد، مُنهين بذلك سنوات من العسف القرشي البغيض؛ كان للصديق في هذا الظرف العصيب سعي آخر، فقد كان حريصا على أن يكون رفيق النبي الكريم صلى الله عليه وسلم إلى يثرب، وتوسل إليه: الصحبة، الصحبة، يا رسول الله.

وبدأ الإعداد للرحيل، وشارك في ذلك الإعداد عناصر متعددون من أسرته، اضطلع كل منهم بدور مهم، فتلك أسماء تتولى التمويه داخل الأسرة، وإقناع جدها بأن أبا بكر ترك للأسرة من المال ما يكفيها، وابنه عبد الله يقوم بدور استخباري عميق؛ ينقل الطعام والأخبار، وأحد موالي أبي بكر الصديق يتولى جلب الغنم وحلبها لرفيقي غار ثور.

في هذا الغار أوى النبي صلى الله عليه وسلم وصاحبه أبو بكر الصديق في هجرتهما من مكة إلى المدينة المنورة

 

وفي ذلك الغار، كتب التاريخ قصة الصحبة الخالدة والفداء الراقي، ومنه انطلقت الرحلة العظيمة إلى المدينة المنورة دون أن يكسر شوكة عزيمتها كثرة الطالبين، ولا سعي سُراقة وطموحه لنيل الجائزة القرشية، ليتحول بعد ذلك من مترصد إلى حارس يؤمّن ظهر القافلة الإيمانية القليلة العدد الوافرة العدة الروحية.

وبعد أيام من السير في فجاج الصحراء أطل الوفد المحمدي على المدينة، وتراءت يثرب الفيحاء، وتعالت جنبات الجبال، وتغنى سعف النخيل:

طلع البدر علينا… من ثنيات الوداع

وجب الشكر علينا… ما دعا لله داع

 

وفي المدينة التي تنورت بمقدم الحبيب صلى الله عليه وسلم، استقر المقام واستنارت مسيرة الصديق بصحبة دائمة ودائبة مع النبي الكريم صلى الله عليه وسلم، فكان رفيقه ووزيره الذي شهد معه كل المشاهد، من معارك وغزوات، ورفقة صلاة ومجلس تعليم ودعوة وقضاء.

وكان حب الصديق للنبي صلى الله عليه وسلم مما لا تزيده الأيام إلا رسوخا وثباتا، وحسبك أنه حمل ماله كله إلى النبي صلى الله عليه وسلم ولما سأله ماذا تركت لأهلك، قال: تركت لهم الله ورسوله.

بعد النبي.. الخليفة الأول والمؤسس الثاني لدولة الإسلام

رافق الصديق اللحظات الأكثر صعوبة وأسى في تاريخ المسلمين؛ وهي رحيل نبي الإسلام محمد صلى الله عليه وسلم. كانت السماء تسترد عطيتها العظيمة، والبشير الذي رفرفت دعوته كأعطر ما تفوح الأنسام في سماء وفجاج المدينة، يغالب سكرات الرحيل، ويشير إلى السماء ويقول بصوت المودع: بل الرفيق الأعلى.

وإلى الرفيق الأعلى صعدت الروح الكريمة، وخارت قوى المجتمع “المدني”، وسرى الحزن كما تسري الأنفاس في قلوب الصحابة، ولم يُر يومٌ أكثر باكيا من يوم صاح الناعي أن قد مات رسول الله صلى الله عليه وسلم.

كانت إشارات الخلافة قد تحلقت حول الصديق، فقد اختاره النبي صلى الله عليه لينوبه في إمامة الصلاة بعد أن أثقل عليه المرض، وهو بين الصحابة كان الوزير الأول للرسول الأعظم صلى الله عليه وسلم.

إنفاذ جيش أسامة بن زيد كان أولى أولويات الخليفة أبي بكر الصديق بعد توليه الخلافة

 

ولم يطل الأمر، فقد تحول الرجل الرقيق الهادئ البكاء من خشية الله إلى أسد هصور يعيد إلى المسلمين ثقة التوحيد وأمل الحياة بعد أن اصطكت ركب الدنيا، وخرت إلى الأذقان الرجال من هول المصيبة، نادى في الناس تاليا: “وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ ٱلرُّسُلُ، أَفَإِن مَّاتَ أَوْ قُتِلَ ٱنقَلَبْتُمْ عَلَىٰٓ أَعْقَابِكُمْ، وَمَن يَنقَلِبْ عَلَىٰ عَقِبَيْهِ فَلَن يَضُرَّ ٱللَّهَ شَيْـًٔا، وَسَيَجْزِي ٱللَّهُ ٱلشَّاكِرِينَ”.. من كان يعبد محمدا فقد مات، ومن كان يعبد الله فإن الله حي لا يموت.

لتقرع تلك الآية وذلك الصوت الهادر مسامع المسلمين، ويؤوب الرشد إلى القلوب المكلومة، وينطلق المصلون ليدفنوا الرسول صلى الله عليه وسلم ويواصلوا حمل رايته ومسيرته من بعده.

وفي سقيفة بني ساعدة استطاع الصديق إطفاء الخلافات القبلية والجهوية بين المهاجرين والأنصار وتوحيد الخلافة، وتسارعت إلى يمينه بيعة الصحابة، ونودي باسمه خليفة للمسلمين.

وبعد اختياره للخلافة أعلن الصديق دستوره السياسي ونمط حكمه في خطبته الخالدة: “أما بعد أيها الناس فإني قد وُليت عليكم ولست بخيركم، فإن أحسنت فأعينوني، وإن أسأت فقوموني، الصدق أمانة، والكذب خيانة، والضعيف فيكم قوي عندي حتى أريح عليه حقه إن شاء الله، والقوى فيكم ضعيف حتى آخذ الحق منه إن شاء الله، لا يدع قوم الجهاد في سبيل الله إلا ضربهم الله بالذل، ولا تشيع الفاحشة في قوم قط إلا عمهم الله بالبلاء، أطيعوني ما أطعت الله ورسوله، فإذا عصيت الله ورسوله فلا طاعة لي عليكم”.

وبدأ التأسيس الثاني، وانطلقت يوميات الخليفة الأول، وكان من أول مهامه، إنفاذ جيش أسامة بن زيد ذلك الشاب الذي لم يكمل بعد عشرين خريفا، والذي عقد له الرسول صلى الله عليه وسلم اللواء على قيادة آلاف الصحابة، فأطلق لهم الصديق إذن المواصلة، وسار يشيّعهم خارج المدينة، ليؤكد بذلك ركنا أساسيا من أركان الحكم وهو استمرارية الدولة ونفاذ قراراتها.

حروب الردة.. مواجهة أعظم تمرد ديني وقومي

ثم بدأت بعد ذلك حروب الردة التي كانت أعظم اختبار للدولة الإسلامية الناشئة في وحدتها السياسية وأمنها المجتمعي ورقعتها الجغرافية، وفي مقومها الحضاري الأوحد والأول، وهو خاتمية الرسالة المحمدية.

كانت حروب الردة حروبا مفتوحة على جبهات متعددة، كادت أن تستنزف الخلافة الناشئة، إلا أن الصديق أدارها بعزم واقتدار.

خاض الخليفة الراشدي أبو بكر الصديق حروب الردة ضد الخارجين عن الدين حتى خضعت له الجزيرة العربية

 

فتوجهت جيوشه وألوية قادته إلى جهات متعددة منها على سبيل المثال قتال المتنبي طليحة بن خويلد الأسدي، والمتنبئة سجاح، وقتال مرتدي بني تميم، وقتال مسيلمة الكذاب وجنوده من بني حنيفة، وقد كانت هذه الجبهة هي الأعتى والأصعب في حروب الردة، وانتهت بعودة اليمامة الفيحاء إلى حضن الإسلام الوارف.

ثم أعمل الصديق سيوف أنصاره وجنوده في جبهات الردة في البحرين وعُمان وصنعاء وحضرموت، وقضى على المتنبئين وأعوانهم، منهيا بذلك سنة حافلة من التمرد العصي، والطغيان العصبي المتفاقم، ليكسب من ذلك عبورا تاما إلى الوحدة السياسية والدينية والجغرافية للدولة الإسلامية الجديدة، وليمهد الطريق بعد ذلك للتوسع الإسلامي الذي عرف باسم الفتوحات.

رغم الردة.. فتوح صديقية وتوسيع لرقعة الدولة

لم تكن حروب الردة بمعزل عن تأسيس وترسيخ البنية الولائية للدولة، كما لم يدخر الصديق جهدا في توسيع رقعة الخلافة، رغم قصر خلافته التي لم تزد على سنتين ونصف، وما واجهه في أولها من حروب الردة التي استنزفت كثيرا من قدرات الدولة، ورغم ذلك فقد وجه الصديق جيوشه في جبهتين أساسيتين، فاتجه فاتحون إلى الشام، وآخرون إلى العراق، ووسعوا دائرة الخلافة الإسلامية، وأبعدوا عنها خطر الدول والتنظيمات العسكرية المصاقبة لحدودها.

خريطة الفتوحات الإسلامية في عهد النبي الكريم وخلفائه الراشدين

 

ففي العراق فُتحت الأبلة وبانقيا والحيرة وألَّيْس وبعض مناطق الأنبار وغيرها من المدن التي كانت تحت سلطان الفرس الأكاسرة.

أما في الشام، فقد فتحت جيوش الصديق مدن البلقاء وتدمر وبصرى والحوارين، ومهدت للفتح العمري بعد ذلك.

بيت الصديق.. بنات الصدق وأبناء الكفاح

تأرّج بيت الصديق بمشاعر الحنان والأبوة والعطف، وتعايشت فيه أواصر النضال والعزيمة والكفاح والصدق والإيمان، وقد أنجب الصديق من زوجته الأولى قتيلة بنت عبد العزى ابنه عبد الله وابنته أسماء ذات النطاقين، وأنجب من أم رومان بنت عامر رضي الله عنها ابنه عبد الرحمن وابنته عائشة أم المؤمنين، ومن زوجه حبيبة بنت خارجة رضي الله عنها ابنته أم كلثوم، ومن زوجه أسماء بنت عميس رضي الله عنها ابنه محمد بن أبي بكر.

وقد صاهر البيت الصديقي أعلام الصحابة رضوان الله عنهم، فكانت عائشة أحظى زوجات النبي صلى الله عليه وسلم، وتزوج الزبير بن العوام أسماء، كما تزوج طلحة بن عبيد الله أم كلثوم.

وقد امتاز البيت الصديقي بإسلام كل أفراده من أجداد وأب وأمهات وأبناء وبنات وبعض الحفدة، فكان من أسمى بيوتات الصحابة وأعرقها في الخير.

وكان الصديق يعيل هذا البيت الكبير من تجارته كبزاز يبيع رائع الثياب ورائق النسيج. ولما ولي الخلافة، عاد إلى دكانه الصغير ليبيع ويكسب ما يقوت به عياله وبيته الكبير، قبل أن يتفق الصحابة على تحديد راتب للأمير الذي ليس له من مصدر مالي غير كسب اليمين، وذلك مقابل التفرغ الكامل لأعباء الخلافة.

وقد كان الوفاء بالعهد من الطرفين، إلى أن حانت ساعة مغيب الشمس الصديقية، وأخذ المرض يقتات من الجسد النحيل المفعم بالإيمان والطهارة، وبدأت المدينة تتشح بسواد جديد بعد أن اشتد المرض عليه ودنت ساعة الرحيل، فأوصى للمسلمين بخلافة عمر بن الخطاب رضي الله عنه بعد أن استشار كبار الصحابة، وطلب أن يدفن بجانب خليله وحبيبه محمد صلى الله عليه وسلم، قبل أن يسلم الروح إلى بارئها، ويخرج من الدنيا خفيفا من أعبائها، مثقل الزاد من الخير والجهاد والبذل والإيمان ونور الصدق وجلال الصحبة والخلافة النبوية.

رضي الله عن الصديق وأرضاه، فقد كان مما أنزل الله فيه قوله تعالى: “وَسَيُجَنَّبُهَا الْأَتْقَى الَّذِي يُؤْتِي مَالَهُ يَتَزَكَّى وَمَا لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزَى إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلَى وَلَسَوْفَ يَرْضَى”.