“أطلس العرب”.. إمام الجغرافيين الذي احتفى به العالم وتنكر له قومه

كان صعبا على الإنسان في زمن سابق أن يتخيل ما في الكون من وحدة وتناسق، فعدد الفقرات في رقبة الزرافة هو نفسه في رقبة العصفور، وأن هذه الأرض التي تموج بين الأفلاك مثل صفار البيضة يحيط به الفضاء والمجرات وهو البياض، من يهتدي لذلك إلا عالم فذ فاق أبناء عصره وتقدم عليهم.

في هذا الفيلم من سلسلة “العلماء المسلمون” تروي لنا الجزيرة الوثائقية جانبا من حياة العالم المسلم الفذ الشريف الإدريسي الذي لقب بأطلس العرب، وكان أول من رسم خارطة للعالم.

مدينة سبتة.. مسقط رأس الصقلي الذي رسم العالم

هو أبو عبد الله محمد بن محمد بن إدريس، سليل الأسرة الإدريسية العربية المغربية، وينتهي نسبها إلى الرسول محمد ﷺ، لذا فقد لقب بالشريف الإدريسي، ويعتبر من أهم العلماء العرب في نهاية القرن الخامس وبداية القرن السادس الهجري.

ولد في مدينة سبتة بالمغرب عام 493 هـ 1100م، ولقب بالصقلي لأنه اتخذ جزيرة صقلية موطنا له بعد سقوط الدولة الإسلامية. وقد اعتمد في دراسته على التراث الروماني البطلمي، وكان أن أثار كتاب بطليموس “المجسطي” ثورة عند العرب، وأرادوا أن يمتحنوا أعماله، وبشكل خاص درجة العرضية، واقتنعوا بكروية الأرض وتوصلوا إلى درجة قياس عرضية دقيقة، وأمكن الوصول لرقم يقرب لحد كبير الدراسات المعاصرة.

هذا التقدم المذهل أتاح للإدريسي مناخا خصبا وبيئة مواتية ليظهر إبداعاته في مجال الجغرافيا، فهو لم يكن جغرافيا فحسب، بل كان عالما موسوعيا أتقن علوم الفلك والرياضيات والحساب والطب والصيدلة والنبات.

الملك “روجر”.. نهضة من نور الوهج الثقافي الإسلامي

كان الإدريسي محبا للترحال، فزار فرنسا وإنجلترا وسافر إلى القسطنطينية وسواحل آسيا الصغرى وإسبانيا والبرتغال وبلاد حوض المتوسط، واستقر في صقلية التي كانت معبرا من معابر الثقافة الإسلامية لأوروبا، إذ خضعت لحكم المسلمين في عهد الأغالبة، واستمرت تحت حكمهم 300 عام، حتى جاء النورمانديون من شمال أوروبا واحتلوها، أثناء وجود الإدريسي فيها.

خريطة الإدريسي الأولى والأشهر للكرة الأرضية، حتى إن كريستوفر كولومبوس استعملها للوصول إلى أمريكا

بعد أن استولى النورمانديون على صقلية، أصبحت قاعدة علمية لهم، وحرصوا على إبقاء الوهج الثقافي الذي تركه المسلمون، فقد كان الملك روجر حاكم صقلية محبا للثقافة ويجمع في بلاطه كثيرا من العلماء والمفكرين بصرف النظر عن ديانتهم، ووجد أن السبيل المتاح للنهوض بأوروبا بأن تكون صقلية قلعة علمية.

رحب الملك بالإدريسي وأنزله منزلة عالية وعينه على رأس فريق كبير من العلماء والمهندسين والباحثين لوضع خريطة للعالم، فقد كان الإدريسي بارعا في الجغرافيا، وإن كان هذا العلم لا ينسب له، لكن إسهاماته فيه كبيرة جدا، لم يسبقه إليها أحد.

خريطة الإدريسي.. مشاهدات الفريق الذي جاب أقاليم العالم

قسم الإدريسي فريقه إلى عدة أقسام، وقام بتدريبهم ثم أرسلهم إلى جميع أنحاء العالم المعروف لديهم في ذلك الزمان، انطلق العلماء ليدونوا ملاحظاتهم والأبعاد المختلفة وما توصلت له معارفهم من خلال المعاينة المباشرة للأراضي التي زاروها، وقد أسفر هذا العمل الضخم عن تقسيم الأرض إلى 7 أقسام بالعرض، وقد قسم كل إقليم منها إلى عشرة أقسام.

وهنا أصبح لديه 70 مكانا، تحدث عنها من الناحية المكانية والجغرافية، فبدأ من الغرب إلى الشرق، وكوّن مجموعة خرائط كبيرة ضمها الأطلس رغبة في مساعدة الجغرافيين والرحالة، وكانت على درجة كبيرة من الدقة.

“كتاب نزهة المشتاق في اختراق الآفاق” وضعه الإدريسي في الجغرافيا الوصفية والسياسية والتاريخية

وبحسب كثير من الباحثين فقد كانت خرائط الإدريسي أساسا مباشرا ومهما لخرائط “كريستوفر كولومبوس” في اكتشاف أمريكا، وهذا موثق من الجانب العلمي.

وعلى ما جمعه الإدريسي في هذا الأطلس بنى كتابه “نزهة المشتاق في اختراق الآفاق”، وهو كتاب في الجغرافيا الوصفية والسياسية والتاريخية، وقد أهداه للملك “روجر”، وسمي أيضا “الكتاب الروجري”، واستغرق وضعه 15 عاما.

احتوت مقدمة هذا الكتاب على نص في غاية الأهمية يقول إن الأرض كرة والماء ملتصق بها، وهذا الكلام سبق بعدة قرون ما توصل له العالم “نيكولاس كوبرنيكوس” الذي طاردته الكنيسة، واعتبرت كلامه شكلا من أشكال الإلحاد وأجبرته على الاعتذار.

اجتياح صقلية.. ثروة علمية أذابها اللصوص

كان الملك يتمنى أن تكون الخريطة على كرة، وبعد طول تفكير من الإدريسي قرر عمل كرة يضع عليها الأرض بكل أقاليمها تلتصق بها البحار والمحيطات. وقد صنع الإدريسي الكرة من الفضة التي زوده الملك بها، وكانت الكرة تزن 400 رطل من الفضة، مما يعادل 56 كيلوغراما، وطلب من فريق عمله أن يضع كل واحد معلوماته على تلك الخريطة.

سجل الإدريسي على الكرة خطوط الطول والعرض والجزر، وقد حفرت على الكرة ليؤكد كروية الأرض، وتعتبر هذه الكرة أول مجسم دقيق للكرة الأرضية، وقد وضع أماكن المدن مستعينا بخطوط الطول والعرض، التي استخدمت قبل الإسلام، لكن الإدريسي أعاد تدقيقها لإظهار اختلاف الفصول الأربعة بين الدول، وأظهر المناطق الجغرافية المتباينة، وحدد المسافة المأهولة بالسكان.

هدية لملك صقلية روجر، رسم الإدريسي خريطته على كرة من الفضة تزن 400 رطل

لكن مع الأسف تعرضت صقلية للاجتياح، وسرق اللصوص الكرة وأذابوها وحولها إلى فضة، أما خريطة الإدريسي فقد أخذها المستشرقون ونشروها في ثلاثينيات القرن الماضي، وكانت خرائطه واضحة تماما كخريطة منابع نهر النيل، وقد استفاد المستشرقون كثيرا من هذه الخرائط التي أخفيت ولم تظهر إلا بعد وفاته بمئة عام، فتتابع عليها النساخ، وقد غيروها وشوهوها.

مخطوطات الإدريسي.. إرث معرفي نهبته متاحف العالم

توزعت مخطوطات الإدريسي في عدة دول منها فرنسا وتركيا، حالها حال الآلاف من المخطوطات العربية الموجودة اليوم في مكتبة الإسكوريال في مدريد، وكذلك يوجد عدد منها أيضا في الفاتيكان.

تعددت المدارس الاستشراقية، فمنها ما كان أداة سياسية لأجهزة الأمن والسلطة، ومنها ما كان موضوعيا وخاصة المدارس الاستشراقية الألمانية، بمعنى آخر أن المدارس التي لم تحتك دولها استعماريا بالبلاد العربية كانت أكثر صدقا وتوثيقا من غيرها.

وقد تحدث هؤلاء عن الإدريسي بموضوعية وإعجاب، وقال عنه “جاك ليسلر”: لم يكن “بطليموس” الأستاذ الحقيقي في جغرافية أوروبا، بل كان الإدريسي المولود في سبتة، والذي تخرج من قرطبة وعاش في صقلية، لقد كانت مصوراته التي كانت تعتمد على معلومات راسخة مؤكدة في كروية الأرض تعد تتويجا لعلم المصورات الجغرافية لوفرتها وصحتها وشموليتها.

ملك الجغرافيا.. عبقري تلقفه المستشرقون وتنكر له العرب

سلط الشريف الإدريسي الضوء على ما يدور في عصره، لكن لم تكتب عنه كتب التراجم العربية، وذلك بسبب اتهامه بأنه عمل في بلاط الملك “روجر”، وقد بقيت هذه العلاقة عالقة في الذهنية المسلمة.

نال الإدريسي التقدير في الغرب وقامت بإطلاق اسمه على نظام الحاسوب المختص بالجغرافيا، الذي يقوم بتعزيز المعرفة برسم الخرائط عن طريق الصور الملتقطة عبر الأقمار الصناعية، وهذا اعتراف بفضله ومدى تأثيره على المجال التعليمي للجغرافيا والباحثين الجدد في الجامعات الأوروبية.

تكريما لعالم الجغرافيا الأشهر، برمجية “الإدريسي” لرسومات الاستشعار عن بعد

يعتبر الإدريسي أول العلماء المسلمين في الجغرافيا، إذ قام بتطوير كل الأفكار في هذا المجال، وقد اعتبر أن العلم مادة تقدم للإنسان أينما حل، ولم يجد حرجا في تقديمها لملك صقلية. وكان كتابه “نزهة المشتاق في اختراق الآفاق” أهم الكتب التي استعان بها المستشرقون في إبحارهم في القرن الثاني عشر للميلاد، وقد قام هذا العالم العربي المغربي المسلم بوضع خرائط في غاية الدقة، دون اللجوء إلى التكنولوجيا الحديثة.

وقد توفي الشريف الإدريسي في مراكش عاصمة المغرب الأقصى عام 560 للهجرة 1165 للميلاد، ولم يكتب عنه علماء العرب إلا القليل، وما وصل من إنجازاته وإسهاماته استأثرت به أوروبا.