“حكاية صابر”.. قائد العمليات وعميد الأسرى المعزولين بسجون الاحتلال

هي حكاية شخص تتجسد في شعب، وحكاية شعب تتجسد في شخص، إنها حكاية تمثل فصولا من شعب لا يقهر، شعب تكالب عليه الأعداء من كل حدب وصوب، لكن ما لبث أن انقشع الضباب، فإن ما أخذ بالقوة لا يسترد بغير القوة.

حكاية صابر هي حكاية محمود عيسى، ذلك الأسير الفلسطيني وراء القضبان، فهو حكاية شعب تجسدت فيه هو. بهذه الكلمات خط محمود عيسى رواياته من داخل السجون الإسرائيلية، ثم استطاع تسريب حكايته وأوراقه من تحت باب الزنزانة، لكي ترى النور الذي لا يراه هو.

محمود عيسى.. رجل يصلي ويصوم وحيدا في الزنزانة 14 عاما

كان محمود عيسى -ولا يزال- عميد الأسرى المعزولين في السجون الإسرائيلية، فهو معتقل منذ العام 1993، وقد أمضى معظم محكوميته حتى الآن في السجون الانفرادية؛ الحد الفاصل بين الحياة والموت.

القائد القسامي محمود عيسى الذي ترفض إسرائيل أن تفرج عنه في أي صفقة تبادل أسرى

وهكذا هي السجون الإسرائيلية، سجون ومعتقلات قلما شاهدها العالم، ففيها يقبع آلاف الأسرى الفلسطينيين وراء القضبان، لكن ما خفي كان أعظم، فهناك مئات من الأسرى يقبعون تحت الأرض في غياهب السجون الانفرادية أو ما يعرفه الأسرى بغرف العزل الانفرادي، هناك يقبع محمود عيسى صابرا منذ أكثر من 20 عاما، وقد انتظر كثيرا أن يفتح ذلك الباب، لكنه ما زال ينتظر، فلا يعلم طعم العزل إلا من ذاقه، ولا يذكر سواد تلك الليالي إلا من عاشها.

فهذا مازن ملصة، أسير محرر أو أحد الخارجين من بطن الحوت؛ زنازين العزل الانفرادية، فقد عُزل 6 سنوات متتالية، تعرّف فيها على قضية الأسرى المعزولين قبله، وعلى رأسهم عميدهم محمود، وقد كان مازن ولا يزال يرى أن للأسرى وذويهم حقا يجب أن يؤدى، فهو يعلم أن هناك من يصرخ من تحت الأرض، ويحاول أن يقرع الأبواب، عله ينجو.

مازن ملصة، أسير محرر يتحدث عن تجربة العزل الانفرادي في سجون الاحتلال الإسرائيلي

يقول مازن متحدثا عنه: محمود عيسى هو قائد الوحدة الخاصة القسامية، وقد عُزل عزلا انفراديا، بناء على أمر من المخابرات الصهيونية، وتحت حجة الغطاء الأمني والخطر على دولة الكيان المسخ، ويعني العزل أنه لا يرى أحدا سوى السجان، ولا يسمح له بالاختلاط مع أي أسير آخر، وأنه لا يستطيع أن يصلي الجمعة مع الناس، فهو يصليها وحده، وأنه يمر عليه عيد الفطر والأضحى ولا يرى فيهما أحدا، وأن يتسحر طوال شهر رمضان وحده. وقد طالبنا من العدو الغاشم بأن يسمح لنا أن نصلي صلاة الجمعة جماعة في ساحة العزل الانفرادي، فرفض ذلك، وبذلك استمر محمود عيسى يصلي وحده لمدة 14 سنة.

صفقة الأحرار الأولى.. أسماء مرعبة يرفض الاحتلال تحريرها

في عام 2011، نُفذت صفقة تبادل الأسرى بين حماس وإسرائيل، فأُفرج عن مئات الأسرى في السجون، لكن إسرائيل أصرت أن لا تدرج بعض المعتقلين في تلك الصفقة، لأسباب تتعلق بأمنها وانتقامها، وكان على رأس تلك القائمة المحظورة محمود عيسى، فقد كان مصنفا ضمن الخطيرين جدا على أمن إسرائيل. كيف لا، وهو آسر الجنود، ومجند الخلايا، وصاحب الأيادي الملطخة بالدماء الإسرائيلية.

زاهر جبارين أسير محرر وقائد كتائب القسام في شمال الضفة الغربية

يقول زاهر جبارين، وهو أحد الأسرى المحررين، وقائد كتائب شمال الضفة الغربية: هناك تصنيفات لدى الاحتلال عن مدى خطورة فلان وعلان. ويعد محمود عيسى من العقليات الفذة المبادرة الخلاقة داخل حركة حماس، وهو كذلك، فهو إنسان نوعي، وأظنهم ينظرون له بهذه الصورة ويرونه الأخطر عليهم.

ولد محمود عيسى في شهر أيار/ مايو 1968 في منزل مقدسي عريق بقرية عناتا من قضاء القدس، وبها نشأ وترعرع، فكل شيء هنا يحن إليه، وها هي أكثر من 20 عاما مضت، وكل شيء مكانه بانتظاره. وها هي أم صابر أو أم محمود لا تفتأ تذكره، فهي تعيش مع صوره ورسائله، وتعلم بأن الحرية لا تعطى على جرعات، فإما أن يكون المرء حرا أو لا.

والدة الأسير محمود عيسى تتحدث عن سيرته وصبره

تقول أمه: الابن روح الأم وعيونها، وأسأل الله أن يعطينا الصبر والجبر ويجمع شملنا به عن قريب، فهو رجل متدين، وإلا كيف سيصبر في العزل مدة 12 سنة بدون أن يسمح له برؤية أحد، إنه الإيمان في صدره الذي يجعله صابرا. فقد ألهمه الله سبحانه تعالى الصبر أثناء 30 يوما من الإضراب عن الطعام، فقد أخبر المحامي بأنه مع الإضراب كان كأنما يأكل ويشرب.

“لا بد أن ننتقم لهذه الدماء”.. غضب الانتفاضة

في حكايته، يقول صابر: حبست أم صابر الدمع في عينيها، وكظمت غيظها وحزنها في صدرها، وأخذت برأس ابنها إلى صدرها، وراحت تمسح عليه بيدها، ولم تجد إلا أن تعلله بالأماني، فالسنون تثقل محياها، خاصة وأن محمود عيسى ممنوع من زيارة أهله تماما، فلأكثر من عشر سنوات لم تكتحل فيها العين باللقاء.

لكن ثمة أما أخرى تفتقد صابر، قد تعلقت به وتعلق بها، وفي سبيلها ها هو يدفع الثمن باهظا، فكما كانت القدس عنوانا للقضية كانت عنوانا لمحمود، ففي عام 1987، دخلت حكايته فصلا جديدا ومهما، بل إنه كان منعطفا له ما بعده، فقد اندلعت الانتفاضة الفلسطينية الأولى، ثورة أطفال الحجارة. ويقول محمود في روايته: هنا انفجر الغضب، وانطلقت الانتفاضة، ومعها انطلقت حركة المقاومة الإسلامية حماس.

مع انطلاق الانتفاضة الأولى ظهرت بوادر العمل ضد الكيان الصهيوني في الضفة الغربية

كان محمود عيسى وقتها في ريعان الشباب، وكان متعطشا لتلك المواجهة مع جنود الاحتلال، لذلك غدا مشاركا وفاعلا في الانتفاضة الشعبية، لكن بطريقته، فقد عمل وقتها في مكتب صحيفة صوت الحق والحرية بالقدس، وكان لزاما عليه نقل الواقع الفلسطيني للعالم بأسره.

يقول محمود قطيش، وهو أسير محرر: لم نستطع أن ننسى سياسة رابين التي انتهجها ضد شعبنا، فقد شاهدنا أبناء شعبنا تكسر أضلاعهم، وتعرضنا نحن أنفسنا لعمليات ضرب مبرح أكثر من مرة.

أما الأسير المحرر محمود عطون فيقول: لم نكن بعيدين عن كل الأحداث، فقد ساهمنا في كثير من حراك الانتفاضة سواء في كتابة الشعارات أو توزيع البيانات أو حرق الإطارات أو إغلاق الشوارع، أو رشق الحجارة على دوريات الشرطة وحرس الحدود، لقد عشنا كل تلك المرحلة.

ماجد قطيش، أسير محرر وأحد أفراد الوحدة الخاصة التي نفذت عملية خطف الجندي وقتله

وقد كان محمود جزءا من تلك الأحداث، وكانت القدس عنوانا لتلك المرحلة، وخلال السنوات الأولى للانتفاضة الأولى، كانت الأحداث تتسارع على إيقاع الدم بطريقة عنيفة بلغت ذروتها عام 1990، حين ارتكبت القوات الإسرائيلية مجزرة مروعة في ساحات المسجد الأقصى، وتركت أثرا بالغا وعميقا في كل أبناء القدس، ومنهم محمود عيسى الذي لم يكن يراها لحظة عابرة، فقد كان يقول: إن أحداث تلك المجزرة لا تزال منقوشة في رأسي، والصورة لا تفارق ناظري، وكأنما وقعت الساعة، فالأصوات والصرخات ما زالت ترن في أذني.

يقول ماجد قطيش وهو أسير محرر: عندما حدثت المجزرة، جاءني محمود وهو مغضب جدا، وقال لي لا بد أن ننتقم لهذه الدماء.

مقادسة القسام.. شرارة العمل العسكري ضد الاحتلال

خلال فترة الانتفاضة، كان محمود عيسى يعكف على تشكيل مجموعة عسكرية مقاتلة تقف في وجه إسرائيل، فهو يعلم بأنه لا يفل الحديد إلا الحديد. يقول محمود عطون: لم يكن العمل العسكري موجودا إلا عند عدد قليل جدا أيام الانتفاضة، ولما جاءت الانتفاضة كانت بالحجارة، وليس فيها أي نوع من العسكرة، بل مجرد انتفاضة مدنية كرمي الحجارة وإغلاق الشوارع وحرق الإطارات.

الجيش الصهيوني يقمع المتظاهرين في الانتفاضة الأولى وينكل بهم

وفي عام 1992 تشكلت تلك المجموعة الفدائية، فقد كانت مقدسية بامتياز، وكانت تتبع الجناح العسكري لحركة حماس؛ كتائب القسام، وعرفت بالوحدة الخاصة، وكان من رجالها موسى عكاري، وماجد قطيش، ومحمود عطون، ومحمود عيسى، وهي أسماء حفرت في تاريخ المقاومة الفلسطينية، كما أنها حُفظت في مئات الأوراق الخاصة داخل الملفات الأمنية في مقر المخابرات الإسرائيلية.

موسى عكاري، أسير محرر وأحد أفراد الوحدة الخاصة التي نفذت عملية خطف الجندي وقتله

يقول زاهر جبارين: تميز محمود عيسى ببعد النظر، فقد كان قائدا بكل ما تعنيه الكلمة، وليس مجرد عنصر، لذلك أصر الاحتلال على إبقائه دون تحرير، وعُزل أكثر من عشر سنوات، وهي أطول مدة يعزل فيها قائد قسامي انفراديا.

تحرير الوحدة الخاصة.. حرمان مضاعف من لذة الإفراج

بعد أكثر من 20 عاما، ها نحن نلتقي أول مرة بأعضاء الوحدة الخاصة، فقد شملتهم صفقة وفاء الأحرار التي نفذت عام 2011، ففي مدينة إسطنبول التي أبعدوا إليها كان اللقاء بأعضائها، ليبوحوا بكل ما كانوا يعدونه في يوم من الأيام سريا للغاية. وقد حرمتهم إسرائيل لذة الإفراج مرتين، مرة بالإبعاد خارج فلسطين، والثانية بعدم الإفراج عن قائدهم محمود عيسى.

يقول موسى عكاري: كنا جميعا في البدايات متفقين بأن علينا أن نسير في خط جديد، بأن يكون لنا عمل نوعي ضد المحتل، شيء يزعج المحتل.

أعضاء الوحدة الخاصة التي نفذت عدة عمليات ضد الجيش الإسرائيلي في الضفة الغربية

ويقول محمود عطون: حين تعرفت على محمود أول الأمر، شعرت بأن هذا هو الرجل المناسب، فمنذ اليوم الأول وجدت فيه الحرص الكبير على أن نعمل للقضية، وشعرت بأنه جدي في الأمر.

أما ماجد قطيش فيقول: كنا ندرك من اليوم الأول بأن دخولنا في ذلك العمل سيضعنا وأهلنا في كف الدم، وأن الشهادة وهدم البيوت وتشريد الأهل سيكون ثمنا لذلك الواجب تجاه شعبنا.

فك وثاق الشيخ أحمد ياسين.. مهمة توقظ الهمم

مع نهاية 1992، وضعت الوحدة الخاصة إستراتيجيتها العسكرية التي ستسير وفقها، فقد حملت المجموعة همّ تحرير الأسرى الفلسطينيين والإفراج عنهم بأي ثمن، خاصة شيخ المجاهدين الشيخ أحمد ياسين، وكان يواجه السجن مدى الحياة، ولم يشفع له كرسيه المتحرك ولا لحيته البيضاء، لكن همته كانت كفيلة بإيقاظ الهمم خارج السجون، لقد كان الشيخ ملهما بما تحمله الكلمة من معنى.

تحرير الشيخ أحمد ياسين كان هدف أولى عمليات الوحدة الخاصة التي اختطفت الجندي نهاية 1992

يقول محمود عطون: حين كنا نرى كيف يُنقل الشيخ أحمد ياسين وهو مقعد على كرسيه، كنا نقول والله لن نهدأ حتى نحررك، فهذه أوْلى مهمة كنا نريد تحقيقها، لذلك فكرنا بأن نأسر جنديا إسرائيليا.

وما إن أسدل الليل على القدس، حتى انطلق أفراد الوحدة الخاصة يبحثون عن صيدهم، وكانت الأجواء ماطرة وصعبة، ومع ذلك كانت الاستعدادات عالية جدا. وكان أحد المعايير أن يكون لدى الجندي سلاح.

وفي منتصف الليل وبعد بحث طويل، وجدت المجموعة ضالتها قرب مدينة اللد، فرصدوا على الشارع العام أحد الجنود الإسرائيليين مستكملا الشروط، وهو رقيب أول في الجيش يدعى “نسيم توليدانو”، وكان بكامل زيه العسكري وسلاحه، وهكذا بدأ الأمر.

أسر جندي الاحتلال.. بيان يمهل الاحتلال عشر ساعات

بعد إيجادهم للجندي الإسرائيلي، دعسه محمود عطون لتسهل السيطرة عليه، وفي لحظات بات في قبضة المقاومة، فوضعوه في الكرسي الخلفي للسيارة بعد شد وثاقه وضمان صمته، وعادت المجموعة بصيدها الثمين إلى منطقة القدس، وفي مغارة بعيدة عن الأنظار مختارة بعناية، وُضع الجندي الأسير. وهناك علم الجندي بالأمر، وأنه أسير لدى المقاومة حتى إطلاق سراح الشيخ أحمد ياسين.

البيان العسكري الذي طالب بإطلاق سراح الشيخ أحمد ياسين مقابل الجندي الإسرائيلي

وعلى الفور صاغ محمود عيسى البيان العسكري للعملية، وفيه أمهلت الوحدة الحكومة الصهيونية عشر ساعات لإطلاق سراح الشيخ أحمد ياسين قبل أن يقتل الجندي الإسرائيلي.

وقتها كان “إسحاق رابين” رئيس الحكومة الإسرائيلية، وقد تفاجأ بالعملية، ولم تستطع المخابرات الإسرائيلية إيجاد أي طرف خيط يمكن أن يصل إلى الوحدة الخاصة، لأن احتياطاتهم الأمنية كانت عالية جدا، لذا فقد استنفرت الحكومة كامل أجهزتها خلال الساعات العشر للوصول إلى الجندي قبل أن يقتل، فكان الوقت يمر بسرعة، وفي الساعة العاشرة، اتخذ “رابين” قرارا أنه لن يستجيب لقرار الخاطفين، فنفذت المجموعة وعيدها بتصفية الجندي، وألقت بجثته في أحد الشوارع.

رابين يستنفر قواته ومخابراته في سبيل العثور على أفراد الوحدة الخاصة، ولكن دونما فائدة

وبعد العثور عليه مقتولا، جن جنون “رابين”، فقرر الانتقام من حركة حماس، وعلى الفور أمر بإبعاد عدد كبير من قيادات وكوادر حركة حماس إلى مرج الزهور على الحدود اللبنانية، وهو ما يعرف بحادثة مرج الزهور الشهيرة في ديسمبر/ كانون الأول 1992.

وقد عُد هذا الانتقام من قبل حركة حماس عقابا كبيرا، لكن أفراد الوحدة الخاصة لم يكونوا ضمن قائمة المبعدين، فقد كانوا بعيدين تماما عن عيون إسرائيل. وبهذا الإبعاد، كانت رسالة إسرائيل واضحة بأنها لن ترضخ للابتزاز على حد زعمها، وكان في ذلك ضربة موجعة للحركة، لكنها لم تثن الوحدة الخاصة عن طريق المقاومة، فعلى مدى أشهر متواصلة نفذت عمليات متتاليات ضد الشرطة والجيش الإسرائيلي، فقتلت جنديين وجرحت آخرين بهدف تحرير الأسرى.

الوحدة الخاصة تلقي بجثة الجندي الصهيوني في أحد الشوارع

لكن الرياح لم تأت على هوى محمود ومجموعته، ففي منتصف عام 1993 تعرضت حركة حماس وجناحها العسكري لضربة أمنية كبرى في القطاع الشمالي للضفة الغربية الذي تتبع له الوحدة الخاصة، فتوالت الاعتقالات في صفوف المقاومين، وكانت عيون إسرائيل ترصد محمود ومجموعته بعد أن اعتُرف عليهم.

ثلاثة مؤبدات.. بداية رحلة قاسية في بطن الحوت

بعد أكثر من 6 أشهر من البحث، استطاعت إسرائيل في حزيران/ يونيو 1993 إلقاء القبض عليهم واحدا تلو الآخر، وهكذا غدت الوحدة الخاصة في الأسر، وأدينوا بالأعمال التي قاموا بها. وقد حكمت المحكمة عليهم بثلاثة مؤبدات، وقبل النطق بالحكم، سُمح لمحمود عيسى بالتحدث، فتكلم وهو يرفع نسخة من القرآن الكريم، مؤكدا انتماءه لحركة حماس، وأن أعمالهم كانت ردا على سياسة الاحتلال وهدم المنازل وقتل الأطفال.

مرج الزهور حيث تم إبعاد أفراد حركة حماس بإثر مقتل الجندي الصهيوني

ومع دخول السجن، بدأت رحلة محمود في بطن الحوت، عبر رحلة تحقيق صعبة، فقد رغبت إسرائيل في كشف اللغز الذي حيرها طويلا، وكانت تلك اللحظات صعبة على صابر، فكيف حدث ما حدث وأين كان الخلل، وما الذي يعرفونه والذي لا يعرفونه، وكم سألاقي من عذاب في هذه المحنة وهل أستطيع أن أصمد، وكيف سيكون وقع المصيبة على أمي؟ لكن.. هيا يا صابر، اطرد الوهن واستجمع قواك ولا تشعرهم بأنك ضعيف وبذلك ستقهر خصمك.

ومنذ وصول محمود إلى مركز التحقيق، وضباط المخابرات يهددونه ويخبرونه بأنهم يعرفون كل شيء عنهم وعن بياناتهم، وأنهم يريدون أن يعرفوا أين السلاح، ومن هم باقي أعضاء المجموعة. فإسرائيل كانت تعلم من هو محمود وما الخطر الذي يشكله عليهم.

مقتل جنود إسرائيليين وإصابة آخرين في عمليات نفذتها الوحدة الخاصة بقيادة محمود عيسى

وفي الشهور الأولى عُزل أفراد الوحدة الخاصة في سجون انفرادية، ومع ذلك استطاع محمود من داخل سجنه وضع كتاب “المقاومة بين النظرية والتطبيق” الذي كان عصارة تجربته، بل أصبح مرجعا لكافة الخلايا العسكرية للمقاومة، فكان صاحب فكر خالد، ومنظرا عسكريا لطريقة زوال إسرائيل، حتى أن نظرياته باتت تدرس داخل السجون وخارجها، فقد وضع نظريات وكتبا كثيرة تتحدث عن مقارعة الاحتلال وآلية زواله.

نفق الهروب.. خطة المستحيل في سجن عسقلان

ما إن جاء عام 1996 حتى وقعت القصة الأبرز في سيرة الوحدة الخاصة، فقد شاءت الأقدار أن يتجمع أفرادها كلهم في قسم واحد داخل سجن عسقلان، وفي إحدى الليالي اتخذ محمود وأفراد الوحدة الخاصة قرارا بأن يهربوا من سجن عسقلان، لكن الفكرة بدت معقدة ومستحيلة.

حملة اعتقالات واسعة تسفر عن الكشف عن هوية أعضاء الوحدة الخاصة وفي مقدمتهم محمود عيسى

فقد كانت الصعوبات والعقبات تقف حاجزا أمام خطة الهرب، وبعد عدة أسابيع خلصت المجموعة إلى فكرة حفر نفق داخل القسم الذي ضم 20 أسيرا، لكن المشكلة الأصعب كانت في كيفية تصريف التراب الناتج عن عمليات الحفر، وفي النهاية كان الضوء في آخر النفق ساطعا.

فبعد أسابيع من الجهد والحفر حفروا مترين أسفل القسم وعشرة أمتار على طول السجن، ولم تشعر إسرائيل خلال تلك المدة بشيء، لكن أمرا غريبا حدث داخل سجن عسقلان، حين انقطع الماء عن السجن، بعد أن وجدوا إغلاقا في أنابيب الماء، وبعد الفحص وجدوا في قاع البالوعة بعض التراب، فأعلنوا حالة الطوارئ في السجن وبدأوا بالفحص، وباستخدام قوة خاصة عثروا على النفق الذي حُفر داخل القسم، وبهذا فشلت مهمة الهروب.

أفراد الوحدة الخاصة يتجمعون في سجن عسقلان وينفذون خطة هرب كادت أن تنجح

وبذلك يبدأ شوط جديد من التحقيق، وعرفت إسرائيل أكثر من يكون محمود عيسى، وبناء على ذلك عُزل كل أفراد الوحدة الخاصة من جديد، ولكن في ظروف أقسى وأصعب. وبعد أشهر، عادوا من عزلهم إلا محمود، فقد أبقته إسرائيل في مقابرها؛ زنازين العزل الانفرادي، أو الحد الفاصل بين الحياة والموت. ومنذ ذلك اليوم حرم من الزيارة تماما.

“هنا في العزل يستوي الموت مع الحياة”

يخط محمود عيسى روايته “صابر” عن رحلة العزل التي هي قطعة من جهنم حطت على الأرض، ففيها تمتهن كرامة الإنسان ويجرد من آدميته، فيرى مآسي هي أكبر من قدرة احتمال أي إنسان. ولا شك في أن هذا من نكد الدنيا على الحر، فكم هو ثقيل على نفس الحر أن يعيش القهر ويتجرع كأس الموت، وهو يشعر بالعجز وفقدان المقدرة، وأن كل أسوار الأرض تحاصره وكل قيودها تكبله، وكأن كل شياطين الأرض تتداعى عليه، ولا ناصر له غير الله.

في سجون العزل الانفرادي، ما زال محمود عيسى يقبع وحيدا فريدا، لكنه لا ييأس

ولم تقف حكاية صابر عند عزله، ففي عام 2002 تفاجأ باستدعائه مرة أخرى إلى أقبية التحقيق من جديد، فقد كشفت إسرائيل سره الذي كان يخفيه في عزلته، وعلمت أنه كان يشرف على مجموعة عسكرية يديرها من داخل السجن، وذلك بالتخطيط لشن عمليات عسكرية على جنود الاحتلال من داخل السجن الانفرادي، فتعرض بذلك إلى تعذيب وحشي.

وفي العزل، تمضي الليالي طويلة على صابر، وحيدا معزولا، تخشاه إسرائيل حتى في عزلته، لكنه يحاول دائما استغلال وقته في القراءة والكتابة، وأن يعرف عدوه أكثر فأكثر. يقول محمود عن معاناته فيما خطه: هنا في العزل يستوي الموت مع الحياة، بل الموت والقبر أشد رحمة، ففيهما راحة أبدية بعد رحيل الإنسان، لكن في تلك الزنازين موت مستمر.

في عام 2011 حدثت صفقة تبادل الأسرى، ورفضت إسرائيل إدراج اسم محمود عيسى ضمن المفرج عنهم

وفي عام 2011، وُقع اتفاق صفقة تبادل الأسرى مع حماس، ورفضت إسرائيل إدراج اسم محمود مع أفراد الوحدة الخاصة، حتى بعد مرور 20 عاما على اعتقاله، لأنها تعلم جيدا من هو محمود عيسى. فهل يكون لمحمود عيسى اليوم أمل في الخروج مع صفقة الأحرار الجديدة؟ لعله يكون ذلك.