المنشد أبو مازن.. نشيد وطن وشهيد ومجد يجب أن يعود

عرفت قصة الطريق كلها
الموت أول المطاف
لكنّ خضرة الطريق لا يصيبها الجفاف

قبل 50 عاما أنشد أبو مازن هذه الكلمات، وحفظها عنه أبناء الصحوة الإسلامية جيلا بعد جيل، وبعد 71 عاما رحل رائد النشيد الحركي عن دنيانا ليبدأ أول المطاف واثقا أن الطريق الذي خطه لم يُصبه الجفاف.

طوال قرون اقتصر النشيد الإسلامي على المدائح النبوية، وظل أسيرا للمناسبات، لكن منذ عام 1970 برزت ظاهرة النشيد الحركي الإسلامي على يد شاب سوري لم يتجاوز 17 عاما آنذاك، فأصبح أيقونة يرددها الملايين من شباب الصحوة الإسلامية حول العالم.

ويركز فيلم “أبو مازن.. رائد النشيد الحركي” -الذي أنتجته الجزيرة الوثائقية- على أبرز مراحل ومحطات تطور شخصية فنان عشق الكلمة فصاغها أجمل الألحان، شكّل بها علامة فارقة في وعي أجيال متتابعة، مترنمين ببعض أهم مقاطع نشيده وأكثرها رواجا وتأثيرا.

حبيبتي بلادي.. أبو مازن يترنم لبلاده البعيدة

حبيبتي بلادي.. حبيبتي بلادي

قد كنت أصنع الكلام من دمي

وكنت أعزفُ النشيد هامساً

لعلَّه إلى الفؤاد ينتمي

وكنت أكتب الحروف واحدا فواحدا

لتقرئي.. لتفهمي

وكنت يا بلادي وكنت

وكنت يا حبيبتي وكنت

والآن يا حبيبتي لن أكمل الحديث

وإن بدا مشوّقًا

فليس ما أريده.. إثارة الطَّرب

أو أن تحرِّكي الشفاه من دلائل العجب

ولن أتمَّ يا بلادي النَّغم

فقد رأيت ما يحرِّم النشيد ألف عام

فصرت كلّما

بدأت في الغناء

أجهشت في البكاء

بمثل هذه الكلمات للداعية والشاعر المصري إبراهيم عزت، ترنّم رائد النشيد الحركي، ليجهش بالبكاء حقيقة لا مجازا. ولعلها من أصدق ما عبّر به أبو مازن عن نفسه، فقد انساب حبه لبلاده ألحانا وعبرات، لكنه خرج منها خائفا يترقب، ليقضي أغلب عمره في مصر بعيدا عن حي المهاجرين في دمشق الذي وُلد فيه عام 1952.

منشد الدعوة الإسلامية “أبو مازن” الذي ملأت أناشيده الهادفة والجهادية أرجاء الدنيا شرقا وغربا

لكن ربما ما خفّف عن رضوان خليل عنان ذلك الفراق، أنه اعتبر أرض الإسلام كلها وطنا، وإن بقي الحنين للأم والأهل والصحبة، فأنشد من كلمات الشاعر الباكستاني محمد إقبال:

الصين لنا والعُرب لنا
والهند لنا والكلُ لنا

أضحى الإسلام لنا دينا
وجميع الكون لنا وطنا

كما أنشد للشاعر المصري هاشم الرفاعي:

أنا عالميٌّ؛ ليس لي أرضٌ أسمّيها بلادي

وطني هنا.. أو قل هنالك حيث يبعثها المنادي

اللهُ أكبرُ من سماوات المآذن والنوادي

هذي بلادي، ولتكنْ بين الرياض أو البوادي

فالقفر أفضل من رياضٍ في رباها.. القلب صادِ

أنوار الانفتاح.. تربية على يد أشياخ المدارس الإسلامية

شبّ رضوان عنان ابن دمشق في حاراتها، وترعرع في مساجدها، وظل طيلة نحو 40 عاما يشده الحنين إلى مسجده المرابط، وبواكير تكون شخصيته وفكره، وقد تربى على يد مجموعة من العلماء والدعاة ممن تركوا في حياته أثرا عميقا ودافعا ليكون لسان دعوته عبر فنه وإنشاده.

وقد حظي أبو مازن في مسجد المرابط بتربية عميقة على يد صفوة من علماء الإخوان والصوفية، وقد أكسبه هذا التنوع تفتحا مُبكّرا، ومنحه قدرة كبيرة على التمسك بقيمه الدعوية رغم كل المحن التي شهدها مبكرا.

مسجد المرابط في دمشق حيث عاش وتربى المنشد الإسلامي الكبير “أبو مازن “

يقول أبو مازن إن الأثر الأول في حياته كان للدكتور أمين المصري الذي تميّز بفهم للإسلام مختلف عن غيره من علماء دمشق، فقد كان يرى الإسلام نظما لواقع الحياة، لا مجرد تعليم قرآن أو فقه وفقط. كما تعلّم من الدكتور مصطفى السباعي الذي كان يسكن قريبا من المسجد، والشيخ الداعية جودت سعيد، واصفا إياه بأنه “أول من نطق بكلمة حق عند السلطان الجائر الذي كان يحكم آنذاك”.

معارضة البعث.. محنة مبكرة وطرد من الصف السادس

تفتح أبو مازن مبكرا على معاني المحنة التي تخوضها الصحوة الإسلامية ضد أنظمة الاستبداد، وهو المعنى الذي لازمه لاحقا في معظم أناشيده.

وقد مر بحادث مبكّر أثّر في حياته لاحقا، فمع بداية حكم نظام البعث بدأ يُعارض مفاهيم البعث، ويُوضّح لأقرانه خطأها، فطردوه من المدرسة لأيام، وكان آنذاك في الصف السادس الابتدائي. وبعد التقصي عن من يُعلّم هؤلاء الفتية، سُجن المشايخ أمين المصري وجودت سعيد ومحمد الباني وحسن حبنكة، قبل أن يُقتحم المسجد وتُطلق النيران على من فيه في حادثة كانت الأولى من نوعها في سوريا.

علماء الشام ومشايخها الذين تربى على أيديهم المنشد الإسلامي الشهير “أبو مازن”

كما تأثر بالأغاني الوطنية التي راجت في فترة المد القومي، مما منح أناشيده لونا مميزا. وعن ذلك يقول: كانت أجواء الوطن العربي مشحونة بالأناشيد الوطنية والوحدة مع مصر، وكنت أحبها وأميل لها، وتركت عندي أثرا، ومن هنا كانت البداية.

مجموعة أبو مازن.. منشد الأوطان ورافض الطغيان

خلال 3 سنوات منذ بلوغه 16 عاما، اختار أبو مازن بحسه المرهف أبرز قصائد الدعوة الإسلامية، وقام بتلحينها وتسجيلها نشيدا في بيته مع مجموعة من شباب مسجده، وكان نتيجتها الشرائط السبعة الأولى التي عُرفت بمجموعة أبو مازن، وقد ذاع صيتها في أوساط شباب الصحوة الإسلامية حول العالم.

منشد الصحوة الإسلامية العالمي “أبو مازن” عاش بقية عمره في مصر ومات فيها

أنشد أبو مازن للوطن والأمة والشهيد والجهاد، ولمجد أمة يجب أن يعود، ولامس ذلك شغاف قلوب الآلاف من شباب الصحوة الذين أضحت هذه الأناشيد جزءا من حياتهم اليومية.

يقول الموسيقار والناقد الفني إيهاب عبد السلام إنه بالرغم من صغر سن أبو مازن آنذاك، وعدم وجود خبرة لديه أو إمكانات تكنولوجية، فإنه قد أطلق العنان لخياله وموهبته، كما أن صدقه جعل الكلمات تخرج من قلبه لتصل إلى قلوب الناس.

ما تحت الجدار.. تذكرة فنية إلى الزنزانة

يروي أبو مازن أنه في عام 1972 اقتنى آلة تسجيل أكثر تطورا، وبدأ التسجيل في غرفة ببيته، وليس في أستديو مُجهّز، مشيرا إلى أن العمل بأكمله كان ممنوعا، بدءا من التسجيل، وصولا إلى انتشار الشرائط بين أقرانه، ولذلك فقد بدأت السلطات السورية -في فترة ما يُسمّيها بالمحنة- تُداهم بيوتهم، فأخذ كل ما يتعلق بنشاطه الدعوي وأخفاه في مكان وبنى فوقه جدارا.

الجدار الذي دفن أبو مازن داخله كتب الشعر وبعضا من روحه، لم يحجب أعين النظام عنه، فرغم صغر سنه، فإن النظام قد ضاق بكل رأي مختلف حتى لو كان فنا، ليجد “أبو مازن” نفسه مع أصداء نشيده خلف جدران السجن.

إلهي قد غدوت هنا سجينا
لأني أنشدُ الإسلام دينا

وحولي إخوة بالحق نادوا
أراهم بالقيود مُكبلينا

بعد حملة اعتقالات زجت بآلاف من شباب الصحوة -من أمثال أبو مازن- خلف القضبان، ارتكب النظام مذبحة روّعت العالم؛ فقصف مدينة حماة السورية بالمدفعية والطائرات، وسوى أحياء كاملة بالتراب، وأصبحت مقبرة جماعية ضمّت أكثر من 30 ألف إنسان، مما ترك جرحا غائرا في روح الشاب أبو مازن.

في عام 1982 ارتكب نظام الأسد الأب مذبحة حماة وحلب، فقصفها بالمدفعية والطائرات وسوى أحياء كاملة بالتراب

وعن هذه الفترة، يقول إنه مع ملاحقات النظام فُرغّت المساجد تماما من روادها، وتوقف العمل الدعوي، فتوقفت تبعا لذلك أناشيده التي ارتبطت بهذه الدعوة، “فلم يعد لديّ قناعة أن النشيد مجدٍ.. فلمن أُنشد؟”.

نشيد أبو مازن.. انتشار واسع رغم المحنة

إمام النشيد.. شعلة تخبو في مهدها وتتقد في فلسطين

حين ظنّ أبو مازن أن كلمات أناشيده التي بذرها خلف الجدار قد اغتيلت وانتهت في محنة الشام، أينع فنه عنوانا للصحوة الإسلامية في كل أرجاء العالم، ورمزا لكل قوى المقاومة التي نهضت في وجه الاحتلال، وخاصة في فلسطين. يقول المنشد أيمن رمضان إن ما ميّز أناشيد أبو مازن هو صدق الرسالة والذكاء في اللحن، وهو ما كتب لها الخلود.

منشدون مرموقون يتحلقون حول “أبو مازن” عملاق النشيد الإسلامي الحركي

ويشير الموسيقار والناقد الفني إيهاب عبد السلام إلى أن أبو مازن كان مختلفا تماما عمن سبقه من المنشدين؛ ففي حين اقتصرت أناشيدهم على الأشعار الصوفية والمدائح النبوية، وابتعدوا عن واقع الأمة، لامس أبو مازن واقع الناس وقضاياهم.

أما الشاعر والناقد الأدبي مأمون جرار فيلفت إلى أن أبو مازن صاغ ما يمكن تسميته “الإنشاد الدعوي”، وهو أمر يُحسب له حتى أنه صار إماما في هذا المجال، لأن كل من جاء بعده تتلمذ عليه واقتدى به.

“قصة شهيد”.. نشيد يرسم ملامح فلان وفلان

استلهم أبو مازن من تراث الإنشاد الشامي العريق، وسمع من أساطينه في الشام وحلب، وتأثر بجمالياته وحسه، لكنه بعث فيه روحا جديدة عبر المعاني الحركية التي دفعت الشباب للعمل من أجل رسالة الإسلام، مما ألهم عددا منهم حتى أصبحوا اليوم قادة بارزين في حركات المقاومة الإسلامية.

يقول أسامة حمدان القيادي في حركة حماس إن أناشيد أبو مازن شكّلت لجيله “بديلا رساليا” للغناء الذي كان يملأ الساحة، ولم يكن مجرد بديل يحمل معاني الطرب، وإنما يحمل الفكرة التي يُؤمن بها هذا الجيل، ويعيش من أجلها، من الدعوة وحمل راية الإسلام.

قادة في حركات المقاومة تربوا على أناشيد “أبو مازن” الجهادية

فعندما تستمع لنشيد “قصة شهيد”، فإنها تُمثل عند الشاب حالة التضحية الأسمى التي لا ترتبط فقط بالمضحي نفسه، بل تروي قصة أمه أيضا.

ويقول يا أماه عاد إلى الجهاد رجالها

أنا لن ألين ولن أخون ولن أغادر ركبها

أنا لن أهادن من بغوا يوما على أبرارها

سأظلُّ نارا يحرق الأشرار حرُّ لهيبها

سأظلُّ حرباً تسحقُ الفجَّار في أرجائها

يقول أبو مازن: “قصة شهيد” كانت تدور حول قصة شهداء قضوا في سبيل الدعوة، وكانت تصفهم، وكنت عندما أقرأ القصيدة أجدها تنطبق على فلان الذي استشهد، وفلان الذي أُسر وتنتظره زوجته وأولاده، ويمر عليه العيد وهو في السجن، وهي قصص متكررة مع كثير من أصدقاء الدعوة، ولذلك فقد كان اللحن يأتي من القلب، وكنت أتأثر بها كثيرا.

إبراهيم عزت.. قصائد توقد الشغف وتنعش المسيرة

تشرّب أبو مازن المعاني الإسلامية من كتابات كبار مفكري الدعوة الذين نشأ على كتبهم في المسجد، ولأنه عشق هذه المعاني، فقد سخّر موهبته لتلحينها ونشرها على جناح فنه، واضعا نصب عينيه إيجاد البدائل الصوتية للآلات الموسيقية، انسجاما مع الاجتهاد الفقهي السائد، مما أكسب أناشيده فرادة في أسلوبها ومستواها. ويقول إنه حرص على أن لا يترك فراغات في ألحانه تجعل المستمع ينتظر جملة موسيقية.

شباب أعجمي مسلم من أحفاد جيل الصحوة الإسلامية يرددون “مسلمون حيث كان الحق والعدل نكون”

وقد مكنه حسه المرهف دوما من سماع صدى عذابات المسلمين أينما كانوا، والتقاط همس الإنسان البسيط وأمنياته، مما جعله -بحق- لسان حالهم، والحادي بأحلامهم وآمالهم.

ولم يغفل أبو مازن الاهتمام بالموسيقى، فحرص -كما يقول- على أن يعرف كيف استطاع الملحن أداء الجمل الموسيقية، ولذلك فقد كان اسم الملحّن يلفت اهتمامه دائما أكثر من المُؤدّي. وقد أرخى العنان لإحساسه متجاوزا باحتراف القيود الشكلية للقواعد الفنية، وكانت ذروة تجلياته عندما وقعت بين يديه في نهاية السبعينيات قصائد متفرقة للشاعر المصري إبراهيم عزت، مما أوقد فيه روح الإنشاد من جديد، ليسجل أناشيد شريطيه الثامن والتاسع بعد انقطاع عدة سنوات.

وعن ذلك يقول أبو مازن: أحسست في مرحلة ما بالاكتفاء من الإنشاد بعد أن غطيت كل الموضوعات، إلى أن وقع في يدي ديوان الشيخ إبراهيم عزت، فأحسست أنه يتكلم عني، فتقمصت شعوره حتى لم أعد أستطيع أن أُميّز بيني وبين الشيخ، وقد تميزت أشعاره حتى أنك تستطيع أن تُسقطها على أي بلد يُمتحن فيه المسلمون.

“اليوم عيد”.. بهجة ملونة بالأسى في بيت الأسير

يعتز أبو مازن كثيرا بأنشودته “اليوم عيد”، وقد وضع لها مقدمة من تكبيرات العيد التي يُكبّرها المصلون في المسجد الأموي في دمشق.

اليوم عيد

قد عشت فيه ألف قصة حبيبة السِّمات

أردد الأذان في البكور

أراقب الصغار يمرحون في الطريق كالزهور

وهذه تحيَّة الصباح

وهذه ابتسامة الصَّديق للصَّديق

والسلام

يبسط اليدين

يرسل النَّدي

يملأ الحياة بالأمان

هديَّة يُحبها الصغار

تحبها صغيرتي

ما أطيب الزمان يا أحبَّتي

ما أطيب الزمان

الكل عائد بفرحة تطلّ مشرقة

من الشفاه والعيون

ودارنا ستنتظر

صغيرتي ستنتظر

والشرفة التي على الطريق تسمع الصدور

تعزف الأشواق

تعصر الأسى

هشام لن ينام

قد كان نومه على ذراع والده

نهاد لن تذوق زادها

لأنها تعودت أن تبدأ الطعام من يد الأسير

شريكة الأسير

بدا جناحها الكسير

تُخبّئ الدموع عن صغارها

وحينما يَلفُّها السكون

سترتدي الصقيع

كي تقدِّم الحياة للرضيع

ما زال يومَنا ويومَهم لأننا نحبهم

لأننا نحبهم

اليوم عيد

“حتى متى يا قلب تغشاك الظنون؟”.. مبخرة القصيدة

لم تكن كل أناشيد أبو مازن تتحدث فقط عن مآسي المسلمين؛ فالاعتزاز بمجد المسلمين، والتوقد لإعادة الأمة والنهوض بالأوطان هو ما حرص على إيقاده في نفوس أجيال الشباب، وهو ما جعل أناشيده عابرة لأجيال الصحوة، ومتجددة مع كل جيل.

وقد جعل انتشار أناشيده جسرا بين شعر الدعوة وجماهيرها، فكان إنشاده أداة نشر ومنبر كسب جماهيري لقصائد شعراء الدعوة، مثل محمد إقبال، وسيد قطب، وهاشم الرفاعي، وإبراهيم عزت، ويوسف القرضاوي، ويوسف العظم، ومصطفى حمام، وغيرهم.

شعراء ومنشدون كانوا أساتذة اللحن الذي تعلم منه المنشد “أبو مازن”

ويُشبّه الشاعر والناقد الأدبي مأمون جرار إنشاد أبو مازن لقصيدته “حتى متى يا قلب تغشاك الظنون؟” بالمبخرة التي يُوضع فيها البخور، فمع أن العطر كامن في عود البخور، فإننا لا نستطيع شمه دون وضعه في المبخرة مع الجمر.

حتى متى يا قلب تغشاك الظنون؟

والتائهون معذبون

والراقدون مخدرون

والسائرون بلا دليل يخبطون

حتى متى؟

حتى متى هذا التردد والجفاء؟

حتى متى هذا الحياء

الأرض يملؤها البغاء

والظالمون لهم لواء

والفاسقون لهم لواء

والمسلمون

في كل درب يركضون

والليل قد ملأ العيون

والقلب يحرقه الخواء

القلب فارقه الضياء

حتى متى يا قلب تغشاك الظنون؟

إن لم تكن للحق أنت فمن يكون؟

شكّل انتقاء أبو مازن للشعر التصويري دافعا مهما لأناشيده وقبولها بين للشباب، بقدر ما عبّر عن ذوق فني متقدم واستقراء مبكر لتطور الفن المُوجه للشباب. ويقول الأمين العام لرابطة الفن الإسلامي الشيخ علي العمري إن أبو مازن استطاع أن يُحوّل الكلمات المكتوبة إلى شيء له روح.

عقود الانزواء.. دعوة أطهر من أن تمسها أضواء الشهرة

كان أبو مازن قد توارى في الظل بعيدا يرقب أحزان وطنه وأمته بصمت، وحريصا أن لا يعرف أحد في مصر -التي قضى فيها نحو 40 عاما- أنه هو المنشد أبو مازن الذي قد بلغت شهرة أناشيده آفاق العالم الإسلامي، مُصمما أن ما قُدّم يوما للدعوة أطهر من أن يُمس بأضواء الشهرة.

ومع إقراره بوقوع أحداث كثيرة في بلاد المسلمين منذ توقف عن الإنشاد، كمذابح البوسنة والانتفاضة وغيرها، فإنه يقول: لم أكن جزءا مباشرا في أيٍ منها، فلم أُساهم فيها ولم أُقدّم لها شيئا عمليا حتى أتأثر وأُنشد له، فقط سمعت به، وهذا لا يكفي، وإذا أنشدت وقتها فسأكون كأنما أريد للناس أن تسمع صوتي فقط دون مساهمة عملية مني.

بعد أن غادر سوريا، عاش أبو مازن في مصر الكنانة بقية حياته مختفيا عن الأنظار

هذا الانزواء هو ما جعل محبيه يجهلون حقيقته، اسمه الحقيقي وما يفعل ومحل إقامته، كما أجج شائعات كثيرة عن سجنه ووفاته في المعتقل، لكن ما عرفه الجميع عنه طوال عقود هو أن هذا الاسم ارتبط بهذه المعاني.

تفاجأ أبو مازن نفسه من حجم إقبال الناس على أناشيده، فقد كان يظن أنها تجربة انتهت، كما تفاجأ من ذلك الأثر الكبير الذي تركته الأناشيد، وقد طلبت دار نشر نشرت أناشيده من قرائها تقديم أي معلومات عن المنشد الذي لا يعرف أحد صورته، ولا يعرف أحد إن كان حيا أم لا، كما أن وصول بعض الشباب إليه وتواصلهم معه دفعه للظهور، وأقنعه بتقديم شريط عاشر بعنوان “لا تحزني”، ما دام في ذلك نفع للشباب.

ظهور أبو مازن.. عودة إلى المسرح بعد 30 عاما

كان أول ظهور علني لأبو مازن بين أنصاره ومحبيه في حفل نظمته دار الحكمة بالقاهرة، وتجمع آخر في الأردن عام 2002، عندما اكتشف بعضهم أنه حي يُرزق، وألحوا عليه بالظهور ولقاء مجموعة من محبي فنه، فعُرف شكله وانتشرت صورته لأول مرة، كانت الأولى أيضا التي يعتلي بها مسرحا طوال حياته بعد غياب أكثر من 30 عاما عن عالم النشيد كان فيها ربان السفينة بالنسبة لمئات المنشدين حول العالم الذين اتبعوا مدرسته.

“أبو مازن” يظهر لأول مرة في الأردن سنة 2002 بعد غياب 30 عاما

وبعد عقود وعقود من أول أناشيده التي سجّلها على جهاز بسيط، تستلهم اليوم أجيال من الفنانين روحه ومعاني نشيده التي أضحت دستورا يُلخّص فكر الصحوة وأحلامها.. دستورا نسجته سامقات معاني الدعوة، وحلّقت به ألحان وأحاسيس أبو مازن.

كأوتاد زُرعت في روحه، كانت مآذن المساجد وآيات محاريبها قد نُقشت في قلبه حبا صحبه طوال عمره، ولئن سكنت مُخيّلته أطياف مسجد المرابط في الشام وصحبته وشيوخه، فإن بيوت الله -أنّى هي- ظلت شغفه ومنتهى أُنسه.

وبعد حياة عامرة، رحل أبو مازن مهاجرا غريبا في أرض الكنانة، يوم الأربعاء 15 مارس/آذار 2023، ومن المفارقة أن وفاته جاءت في يوم ذكرى انطلاقة الثورة السورية.

“لا تحزني”.. آخر إصدارات أبو مازن” الإنشادية

رحم الله صاحب الصوت الندي، والكمات المضيئة في سماء المحنة التي لا بد لفجرها يوما أن يطلع..

الليل ولى لن يعود وجاء دورك يا صباح

وسفينة الإيمان سارت لا تبالي بالرياح