الإمام الطبري.. شيخ التفسير والتأويل الذي ثار عليه العوام

رسم تخيلي لشيخ المفسرين ابن جرير الطبري

“الناس في التفسير عيال على الإمام الطبري”. جرت هذه الكلمة مجرى المثل السائر والحكم المؤكد، والحقيقة التاريخية الثابتة لدى مؤرخي دراسات القرآن الكريم.

فقد افتتح التفسير بهذا الإمام الذي أنجبته مدينة طبرستان -في إيران الحالية- ثم امتدت شهرته عابرة للأزمان ومتون الكتب ودواوين التاريخ، مفسرا ومؤرخا وعالما تاريخيا لا يمكن لأي مفسر أن يتجاوز آراءه ونُقوله، وبهذا قضى السبق ولسان الحال أن الفضل للمتقدم.

طفل طبرستان.. رامي الحجارة بين يدي الرسول

تُجمع الروايات أن الطبري وُلد ذكيا براق النباهة حديد الذهن، يتوكأ على إشراقة روحية عززها ميلاده في بيت تفوح جنباته بالقرآن، ترتفع نسبته العربية إلى قبيلة الأزد العربية التي توزعت في الأمصار الإسلامية.

وتذهب بعض الروايات التي رافقت سيرته إلى ذكر حافز معنوي شحذ همته ووجه إرادته نحو معارف الشريعة، وهو رؤيا رآها والده بأن ابنه يحمل حقيبة مملوءة بالحجارة ويلقيها بين يدي رسول الله ﷺ الشريفتين، وكالعادة التي تكثر في تأويل مثل هذه الأحلام والمرائي، قال المعبرون إن لهذا الطفل شأنا، وسيخدم الشريعة إذا كبر، ويذب عن الدين إذا تعلم.

وقد كان لهذه القصة دور كبير في تحفيز الابن وشحذ همته ودفعه إلى حياض العلم ورياض الصالحين، وبغض النظر عن صحة هذا الرؤيا، فإن الرواة والمؤرخين متفقون على نبوغ غير طبيعي تمتع به الطفل الطبري وزاد منه همته الوقادة، وقد مكنه هذا التفوق الذهني والنجابة الفطرية من حصد قيم امتياز غير مسبوقة، فأم الناس في التراويح وهو ابن ثمان، وطوّح في الأمصار طلبا للعلم وهو شاب لم يطر شاربه بعد.

ابن جرير الطبري صاحب كعبة السبق والتميز في تفسير القرآن

وقد سارت به مراكب الهمة ومواكب الطلب في سير متواصل قذف به من مدينة آمُل في طبرستان إلى الحجاز وبغداد والشام وغيرها من عواصم الإسلام ومحاريب العلم. فأثمرت هذه التربية وتلك النشأة علما وافرا وشخصية عظيمة وإشراقا روحيا بالغ التأثير، وصل إلى حد وصف ابن كثير له بأنه “كان من العبادة والزهادة والورع والقيام في الحق لا تأخذه في ذلك لومة لائم، وكان من كبار الصالحين”.

“جمع من العلوم ما لم يشاركه فيه أحد من أهل عصره”

ينقل الإمام الذهبي في سير أعلام النبلاء عن الخطيب البغدادي وصفه لابن جرير الطبري، إذ يقول فيه: كان أحدَ أئمة العلماء، يُحكَمُ بقوله ويُرجعُ إلى رأيه لمعرفته وفضله، وكان قد جمع من العلوم ما لم يشاركه فيه أحد من أهل عصره، فكان حافظا للكتاب، عارفا بالقراءات، بصيرا بالمعاني، فقيها في أحكام القرآن، عالما بالسُّنة وطرقها، صحيحِها وسقيمها، وناسخها ومنسوخها، عارفا بأقوال الصحابة والتابعين، عارفا بأيام الناس وأخبارهم، وله الكتاب المشهور في أخبار الأمم وتاريخهم، وله كتاب التفسير لم يُصنَّف مثله، وكتاب سمَّاه “تهذيب الآثار” لم أرَ سواه في معناه، لكنه لم يُتمَّه، وله في أصول الفقه وفروعه كتب كثيرة، واختيار من أقاويل الفقهاء، وتفرد بمسائل حُفِظت عنه.

وقد جرت على هذا السنن كلمات المفسرين والعلماء من بعده، وكثرت نظيرات هذه العبارات في كتبهم، ومن ذلك أيضا ما قاله أبو حامد الإسفراييني: لو سافر رجل إلى الصين حتى يحصل على كتاب تفسير محمد بن جرير لم يكن ذلك كثيرا. ومنه ما نقله الإمام الأندلسي المفسر ابن عطية: ثم إنّ محمد بن جرير الطبري -رحمه الله- جمَع على الناس أشتات التفسير، وقرَّب البعيد، وشفَى في الإسناد.

ولعل في هذه العبارة تفسيرا واضحا لقيمة هذا الكتاب ومكانة صاحبه، في تاريخ التفسير والمفسرين. ويبارك الشيخ ابن تيمية -وإن بأسلوب مختلف- هذه التزكية حين يقول: وأما التفاسير التي في أيدي الناس، فأصحها تفسير ابن جرير الطبري، فإنه يذكر مقالات السَلَف بالأسانيد الثابتة، وليس فيه بدعة، ولا ينقل عن المتهمين، كمقاتل بن بكير والكلبى.

تشذيب التصنيف.. كتاب بلغ الكمال وتلقاه الناس بالقبول

يظهر من كلمات المؤرخين أن تفسير الطبري قد شذبته يد التحرير وأنه كان أكبر مما هو عليه الآن، وأن مؤلفه ظل يشذبه ويهذبه كل مرة ويختصره، حتى استقر على وضعه الذي تلقاه الناس بعده بالقبول. وتذكر بعض المصادر أنه استخار الله وسأله العون ثلاث سنين على تأليف كتابه، فلاحظته بعد ذلك عيون العناية، وسددت قلمه إشراقات التوفيق ومشارق أنوار التسديد.

تفسير الطبري المعروف بـ”جامع البيان عن تأويل القرآن” هو أول كتاب جامع لتفسير للقرآن

ويذهب مؤرخ التفسير الشهيد محمد حسين الذهبي إلى أن ابن جرير الطبري حاز سبق أوليات عدة، وليس أقلها شأنا السبق في الزمن والأقدمية في التأليف، فلا يُعرف كتاب قبله في التفسير، وإذا كان قد امتدت يد التأليف إلى جامع قبله، فقد امتدت إليه أيضا يد التلف وتناولته الأيام، فلم يبق منه إلا ما ضمنه ابن جرير في كتابه، أو نقله أسانيد في رواياته التي تضمنها تفسيره الجليل.

وإلى جانب تلك الأولية كان ابن جرير المجلي بين المفسرين في الصنعة والإتقان، واعتبر أبا للتاريخ الإسلامي ولتفسير القرآن الكريم، بالنظر للقيمة العلمية الكبيرة والمرجعية لكتابيه العظيمين “كتاب التاريخ”، و”كتاب التفسير”.

مميزات الطبري.. أسلوب وضع قواعد صناعة التفسير

يعدد د. محمد حسين الذهبي في كتابه “التفسير والمفسرون” صفات خاصة ميزت تفسير ابن جرير، ومنها:

  • إسناد رواية التفسير إلى من سبقه من العلماء وأصحاب الرأي، فيروي تارة تفسيرها عن بعض كبار الصحابة وعن بعض كبار التابعين بإسناده المتصل.
  • توجيه الأقوال “حيث لا يقتصر على مجرد الرواية، بل نجده يتعرض لتوجيه الأقوال، ويرجح بعضها على بعض، كما نجده يتعرض لناحية الإعراب إن دعت الحال إلى ذلك، كما أنه يستنبط الأحكام التي يمكن أن تؤخذ من الآية، مع توجيه الأدلة وترجيح ما يختار” وفق تعبير الدكتور الذهبي.
  • رفض التفسير بمجرد الرأي: ويشدد الطبري النكير على من يفسرون القرآن بمجرد الرأي، ويرى ضرورة إسناد التفسير إلى الظاهر والمتواتر من آراء الصحابة والتابعين وعدم الاغترار بظاهر ما تفيده اللغة أو تقبله.
  • تقدير الإجماع: حيث يوجه تفسير بعض الآيات اعتمادا على إجماع الأمة، مانحا بذلك الإجماع سلطة تقديرية كبيرة في اختيار ما يذهب إليه من التفسير، وفق ما يرى د. الذهبي.
  • توجيه القراءات: إذ كان ابن جرير -وفق الذهبي- يُعنى بذكر القراءات وينزلها على المعاني المختلفة، وكثيرا ما يرد القراءات التي لا تعتمد على الأئمة الذين يعتبرون عنده وعند علماء القراءات حُجَّة، والتي تقوم على أصول مضطربة مما يكون فيه تغيير وتبديل لكتاب الله، ثم يتبع ذلك برأيه في آخر الأمر مع توجيه رأيه بالأسباب.
  • كثرة الإسرائيليات في كتابه، ويفسر الذهبي ذلك بما يفهم منه أن شخصية المؤرخ ربما زاحمت شخصية المفسر، وصناعة التاريخ تفترض الأخذ عن مصادر متعددة، ومن رواة كثر، فلذلك كثرت الروايات الإسرائيلية في تفسيره، وقد تناسلت تلك الروايات في التفسير والتاريخ الإسلامي نقلا عن كعب الأحبار، ووهب بن منبِّه، وهما راويان من أصول يهودية.
  • لكن الذهبي يستدرك بالقول إن ابن جرير يذكر لنا السند بتمامه في كل رواية يرويها، وبذلك يكون قد خرج من العهدة، وعلينا نحن أن ننظر في السند ونتفقد الروايات.
  • حاكمية اللغة في التفسير: وذلك عبر مناح متعددة منها أنه اعتبر الاستعمالات اللغوية بجانب النقول المأثورة وجعلها مرجعا موثوقا به عند تفسيره للعبارات المشكوك فيها، وترجيح بعض الأقوال على بعض، وكذلك رجوعه إلى الشعر القديم بشكل واسع، وميله إلى التوجيه النحوي لكثير من الأساليب والتراكيب القرآنية.
  • النقاش الفقهي: وقد كثر في تفسيره استعراض الآراء الفقهية المتعددة التي ترد في بعض آيات الأحكام، ثم الترجيح بينها والميل إلى ما يراه أقرب إلى الدليل، أو أكثر سندا عند مرجحي المذاهب.
  • السجال العقدي: إذ يناقش في كتابه آراء علماء العقيدة، ويميز بين آراء أهل السنة -منتصرا لهم في وجه النقاش- وبين المذهب العقلي لدى المعتزلة.

مركزية ابن جرير.. سبق الرواية عن السلف وأصل التفاسير

يظهر مما سبق وغيره من الآراء والبحوث التي تناولت تفسير الطبري أنه حاز السبق على المفسرين في مسائل متعددة، ويستعرض الدكتور خليل اليماني جوانب من هذا السبق والتميز في دراسة له عن أسباب مركزية ابن جرير في التفسير، ويعدد منها:

  • الاستيعاب الشامل لمعاني القرآن والمغني عن ما سواه، حيث قال: مُنشِئُون -إن شاء الله ذلك- كتابا مستوعِبا لكلّ ما بالناس إليه الحاجة من علمه جامعا.
  • إيراد الاختلاف والاتفاق في التفسير، إذ يقول: ومخبرون في كلّ ذلك بما انتهى إلينا من اتفاق الحُجّة فيما اتفقت عليه منهُ، واختلافها فيما اختلفت فيه منه.
اعتبر ابن جرير الطبري أبا للتاريخ الإسلامي ولتفسير القرآن الكريم
  • توجيه أقوال المفسرين، إذ يقول: ومبيِّنو علل كلّ مذهب من مذاهبهم.
  • الترجيح بين الأقوال المختلفة، إذ يقول: وموضِّحو الصحيح لدينا من ذلك. الإيجاز والاختصار، إذ يقول: بأوجز ما أمكن من الإيجاز في ذلك، وأخصر ما أمكن من الاختصار فيه.

وقد مكنت هذه السمات المتعددة الإمام الطبري من الاستقرار على كعبة السبق والتميز، ليكون المفسرون من بعده تبعا له، وعيالا عليه، خصوصا أنه حاز سبق الرواية عن السلف، وأصبحت الرواية عنهم ونقل تفاسيرهم نقلا من تفسيره وأخذا عن مصنفه، وعزوا إليه.

تأليب المتطرفين.. وفاة في الحصار وجنازة تشيعها الحشود

كان من ما يؤثَر عن ابن جرير عزة نفسه، ورفضه لهدايا السلاطين حتى وإن استحقها، فقد رد هدايا الخلفاء في عهده، كما رد هدايا الزعماء والأمراء، وكان آية في الاستعفاف إن افتقر، وآية في طهارة اللسان إذا أوذي، وكان حجة في الورع والتواضع والترفع عن ما لا يفيد، ويؤثر عنه رفضه للخوض في الأنساب وما إليها من مفرقات الشأن ومغيرات ائتلاف الرأي.

وقد تعاقبت عليه صروف الدهر، فألّب عليه بعضُ متطرفي الحنابلة عوامَّ الناس، ورموه بالرفض والتشيّع، حتى ثار عليه العوام وشغب عليه الأوباش وحوصر في بيته حتى توفي عظيم القدر جليل المكانة، وتنقل الروايات أنه أكثر التشهد عند الاحتضار ومسح وجهه بيده ثم انبسطت بعد أن فاضت روحه.

بعضُ متطرفي الحنابلة يؤلبون عوامَّ الناس على ابن جرير الطبري ويرمونه بالتشيّع

وإذا كان الرجل قد توفي محصورا فقد انتصرت له المكانة، فشيّعه خلق لا يحصى، وصلى على قبره عدة شهور جماعات بعد جماعات، وفق ما يفهم من كلام الإمام الذهبي في ترجمته للطبري.

رحم الله إمام المفسرين ابن جرير الطبري وتقبل منه علمه وعمله.