أمين الحسيني.. ملك بلا دولة يؤرق جيوش الانتداب وعصابات الاحتلال

طيلة عقود ظلّ مفتي القدس الحاج أمين الحسيني أسوأ كوابيس الإسرائيليين، ولاحقهم طيفه حتى أقض مضجعهم، فقبروا منزله في حي الشيخ جراح، ليُدفن تحت خرسانات الصهيونيين. حفظ التاريخ الحديث صور الشيخ المقدسي ذي الملامح الوقورة وهو يتفقد فيالق الجنود، وأصبحت لقاءاته مع “هتلر” و”موسوليني” شاهدا على قوة الرجل الذي جالس أكبر قادة العالم في تلك الحقبة، وأصبح قائدا مثلهم.

تصف وثيقة لوكالة الاستخبارات الأمريكية بتاريخ العام 1951 الحاج أمين الحسيني مفتي القدس بأنه واحد من أكثر القادة السياسيين إثارة للجدل وأشهرهم في العالم، وتقول تلك الوثيقة “هو ملك بلا دولة ولا جيش، وهو منفي، ومستعد للهروب من بلد إلى آخر متخفيا، لقد نجا بسبب قدرته العجيبة على جعل البريطانيين ضد الفرنسيين، والفرنسيين ضد البريطانيين، والأمريكيين ضد كليهما. لقد أصبح رمزا بين العرب لدفاعه عنهم، بالإضافة إلى شعبية شعاره من أجل عالم إسلامي موحّد، جعله رمزا وقوة في كل الشرق الأوسط”.

ابن المفتي.. سليل الأشراف الذي بعث نكاية في الصهيونية

ولد أمين الحسيني في العام 1897 في القدس حسب ما ورد في مذكراته، رغم أن بعض المؤرخين يرجح ولادته في العام 1893، ومن العجيب أن ذلك التاريخ (أي العام 1897) هو أيضا تاريخ المؤتمر الصهيوني الأول، وكأن أمين الحسيني بعث نكاية في مشروع “ثيودور هيرتزل”.

تلقى أمين الحسيني تعليمه في القدس، ونهل من المدارس التركية وحتى الفرنسية الكاثوليكية. وتقول وثيقة نشرتها وكالة المخابرات الأمريكية إنه ينتمي إلى اثنتين من العائلات العربية الفلسطينية البارزة التي تقول إنها تنحدر من نسل النبي محمد ﷺ، وكانت رتبة المفتي التي منحتها الحكومة العثمانية لوالده طاهر الحسيني، تدل على أن حاملها كان زعيما دينيا كبيرا في المجتمع، وهو شرف ناله أخوه الأكبر المسمى كمال حين تقلد منصب المفتي العام للقدس.

أنهى أمين الحسيني تعليمه ليسافر إلى مصر ويلتحق بجامعة الأزهر. كان سفره إلى مصر مرحلة فاصلة مهمة في تكوينه النضالي، فهناك ربط صلات وثيقة مع زعماء عرب ومسلمين، وتشبع بروح مقاومة الاستعمار الأجنبي.

وتقول الوثيقة “بعد دراسته في الأزهر، ذهب أمين الحسيني إلى تركيا، حيث خدم في الجيش التركي خلال الحرب العالمية الأولى. وبعد استسلام الدولة العثمانية عام 1918، أُلحق بجهاز الأمن العام البريطاني في فلسطين”.

جندي العثمانيين.. كابوس الانتداب البريطاني في القدس

يقول الكاتب عبد الكريم العمر في كتابه “مذكرات الحاج محمد أمين الحسيني” “في الحرب العالمية الأولى، إن الحسيني تخرج ضابطا في الجيش العثماني بإسطنبول، والتحق بالفرقة 46 التي كانت مرابطة في ولاية أزمير”، وبدأ يلوح ككابوس لسلطات الانتداب البريطاني في بداية العشرينيات.

تقول وثيقة الاستخبارات الأمريكية “بوصفه كاتبا ومعلما في القدس عام 1920 كان الحاج أمين متورطا في أعمال شغب معادية لليهود، واضطر إلى الفرار إلى شرق الأردن”.

وقد مكنّه تكوينه الحربي في الجيش العثماني من اكتساب قدرة عسكرية وقيادية، ولم يرم أمين الحسيني سلاحه بعد أن حطت الحرب العالمية الأولى أوزارها، بل عاد إلى فلسطين.

ثورة موسم النبي موسى.. محاكمة عسكرية لأبطال المقاومة

في العام 1920 قاد أمين الحسيني ثورة القدس، أو ما يسمى بثورة موسم النبي موسى، لكن سرعان ما بدأت حكومة الانتداب البريطاني تنكل بالمقاومين، فكان أولهم أمين الحسيني، فتشكلت محكمة عسكرية بريطانية، وأصدرت ضده حكما غيابيا بالسجن، لكنه استطاع الهروب بمساعدة زعماء عشائر بني صخر والحويط وبني عطية وآل الفايز.

يقول أمين الحسيني في مذكراته “لم تكن الهجرة من فلسطين من خططي، لاعتقادي أن مكافحة الأعداء في داخل البلاد أولى وأجدى، وأنه لا يجوز للمجاهد أن يهجر وطنه، أو أن يتزحزح عن ميدان كفاحه إلا مضطرا ومرغما لأمر هو في صالح القضية التي يجاهد في سبيلها”.

أمين الحسيني بلباس العسكر العثماني 1915

“وقد كنتُ قبيل العدوان مزمعا السفر إلى أوروبا، فلما ظهرت بوادر الشر الذي كان يبيته اليهود حينئذ، شعرت بخطورة الموقف، وبضرورة بقائي في الوطن، فعدلت عن السفر، وجابهت الخطر، حتى انجلت المعركة عن نصر مبين للعرب. ولما أقامت لجنة برلمانية برئاسة “السير وولتر شو” بزيارة فلسطين للتحقيق في أسباب تلك الثورة التي وقع فيها عدد كبير من القتلى والجرحى، حاول محامو اليهود أن يحملوني وزر الدماء المراقة”.

المجلس الإسلامي الأعلى.. طريق الورود التي أصبحت أسوارا شائكة

بعد أن حُكم عليه بالسجن، نال أمين الحسيني عفوا من المندوب السامي لبريطانيا، وفي العام 1921 تولى منصب المفتي العام للقدس، وتولى رئاسة المجلس الإسلامي الأعلى الذي تأسس في العام 1922، وذلك بعد تعيينه من قبل المندوب السامي البريطاني “هربرت صمويل”.

حين وافق على تأسيس المجلس الإسلامي الأعلى للتعبير عن حسن نواياه تجاه الفلسطينيين المسلمين، تخيّل المندوب البريطاني أن تلك الموافقة ستعبّد طريقا مفروشا بالورود لحكومة الانتداب، حتى تضمن شيئا من السلام لتمضي في مخططها لبناء وطن لليهود في فلسطين، ولم يخطر ببال “هربرت صمويل” أنه في الحقيقة فرش طريقا بالأشواك لحكومته، بعد أن حوّل المفتي أمين الحسيني ذلك المجلس إلى أداة للكفاح في وجه المخطط البريطاني لتوطين اليهود.

فقد أصبح المجلس الإسلامي الأعلى بمثابة حكومة مصغّرة، بنى كلية ومدارس تابعة له، وخططّ لسدّ كل منافذ حصول اليهود على أراض في فلسطين، فاشترى بعض القرى مثل قرية دير عمرو، وأقرض أصحاب الأراضي أموالا حتى لا يضطرّ أي واحد منهم إلى بيع أرضه لليهود، كما أصدر فتوى بتكفير كل من يقوم ببيع أرضه ليهودي.

وبصفته مفتيا، كان أمين الحسيني عضوا في عدد من الوفود العربية التي ناقشت مشكلة فلسطين مع بريطانيا، ولا سيما لجنة “تحقيق شو” (Shaw Commission) في العام 1930، وتقول بعض الوثائق إنه رفض عرض ربع مليون جنيه قدمه له أحد أقارب الدكتور “حاييم وايزمان” مقابل عدم معارضته لبيع الأراضي العربية.

ويعترف أمين الحسيني في مذكراته بأنه قاوم المساومة بحق الفلسطينيين، ويقول: لقد قضيت عمري كله في خدمة قضية هذه البلاد المقدسة، وكنت خلالها عرضة لمختلف وسائل الإغراء والترغيب حينا، والتهديد والإرهاب أحيانا.

“إن الإنجليز في سبيل مصالحهم يفعلون كل شيء”

في العام 1937 سافر أمين الحسيني إلى المملكة العربية السعودية، وقابل الملك عبد العزيز آل سعود من أجل مناصرة القضية الفلسطينية، خاصة بعد الأنباء التي تسربت عن نصيحة بريطانيا بتقسيم فلسطين بين العرب واليهود، ثم توجه إلى سوريا وطرح القضية على رئيسها آنذاك هاشم الأتاسي.

أمين الحسيني مع فرقة مشاة نازية في منطقة سيليزيا عام 1943

يقول الحسيني في مذكراته: بادرنا بالعودة إلى فلسطين مسرعين لمجابهة الموقف العدواني الاستعماري، وقد استغربت السلطات البريطانية عودتنا، وكانت تظن أننا انتهزنا الفرصة للنجاة بأنفسنا من نقمتها، وانقضت فترة من الزمن حاول فيها الإنجليز بأقصى جهودهم المساومة والإغراء متوسلين بوسائل كثيرة.

ولما فشلوا في التأثير علي بوسائل الإغراء والوعد، عمدوا إلى التهديد والوعيد، فأرسل إلي مدير المخابرات العسكرية البريطانية حينئذ “المستر دومفيل” عدة رسائل شفوية مع بضعة أشخاص من أصدقائه ووسطائه، كان آخرها رسالة قال فيها إن الإنجليز في سبيل مصالحهم ومصلحة الإمبراطورية يفعلون كل شيء، يبطشون ويقتلون ولا يبالون باقتراف أي عمل، فأنصحك أن لا تعاند، وأن ترفق بنفسك وبمن معك.

حصار القدس.. محاولة فاشلة لتحييد رأس الحربة في المقاومة

في السادس من شهر أبريل/نيسان عام 1936، شكّل أمين الحسيني اللجنة العربية العليا، وهي الطرف السياسي الذي ضمّ أطيافا مختلفة من الفلسطينيين، ومثلت اللجنة الفلسطينيين لدى حكومة الانتداب البريطاني متزامنة مع إعلان الإضراب الشامل في فلسطين، وبدء الثورة الكبرى التي امتدت بين العامين 1936-1939.

وقد كتبت صحيفة التايمز البريطانية في يوليو/ تموز 1937 أن المفتي هو العقبة في سبيل كل حل للمشكلة، وأنه لولا الخوف منه لظهر كثير من المعتدلين الذين يمكن التفاهم معهم، لذلك “وجب على الحكومة البريطانية أن لا تتركه وشأنه، بل تصفيه وتعزله من رئاسة المجلس الإسلامي الأعلى”.

ولم يمر سوى يوم واحد حتى نفذت الحكومة البريطانية نصيحة الصحيفة، واقتحمت مقر اللجنة العربية العليا، وسدّت منافذ الطرق المؤدية إليها، وكانت القوات البريطانية تخطط لاعتقال المفتي ونقله إلى جزر الموريس في المحيط الهندي، لكنه استطاع الفرار نحو المسجد الأقصى، حيث رابط فلسطينيون مسلحون بالبنادق هناك، وفشلت القوات البريطانية في القبض عليه، فسدت منافذ خروجه من المدينة، وحاصرت الأقصى ثلاثة أشهر كاملة، حسب رواية الحسيني نفسه في مذكراته.

تقول وثائق المخابرات الأمريكية: استمر الخلاف وأعمال الشغب بين العرب واليهود في عامي 1936 و1937، وبلغت ذروتها بعد اغتيال المفوض البريطاني للجليل في أغسطس/ آب عام 1937. وقد حظر حزب المفتي السياسي الذي يُعتبر مسؤولا عن هذا الغضب، وحلّ المجلس الإسلامي الأعلى. ولقد لجأ المفتي إلى الحرم الشريف في القدس خشية الاعتقال. وكان يحمي هذا الصرح الإسلامي المقدس حراس متعصبون، ولم يجرؤ البريطانيون على اقتحام الحرم.

أمين الحسيني، الثاني من اليسار، مع أعضاء اللجنة العربية العليا 1936

علاوة على ذلك، أكد بعض المسؤولين في الحكومة البريطانية أنه لا يجب عزل المفتي تماما، لأنه الزعيم الوحيد البارز في فلسطين الذي يمكن التفاوض معه. في أكتوبر/ تشرين الأول خرج تحت جنح الليل متنكرا بزي بدوي متوجها إلى يافا، حيث قام بتهريبه قارب شراعي إلى لبنان، وقد أنقذته مكانته الدينية من الاعتقال من قبل الفرنسيين، إلى جانب العلاقات الفرنسية البريطانية المتوترة.

مدد الهند.. هجرة من القدس صونا للمقدسات والأرواح

يروي المفتي أمين الحسيني حادثة هروبه قائلا: ظلت هذه القوة محاصرة المسجد الأقصى نحو ثلاثة أشهر، ومنعت عني البريد والبرقيات والاتصال بالعالم، كما قطعت الهاتف والكهرباء، وأخيرا جاءت بقوة عسكرية من الهند قاصدة أن تقتحم بها أبواب المسجد الأقصى للقبض علي، وعلى من فيه من المجاهدين، ولما كان ذلك يسبب نتائج خطيرة وخسائر فادحة في الأنفس، ولا سيما في هذا المسجد المبارك العظيم، فقد قررت عندئذ فقط الخروج من القدس والهجرة إلى أحد الأقطار العربية المجاورة، ومتابعة حركة الجهاد والتحرر التي أوشكت أن تستأنف نشاطها بعد صدور قرار اللجنة الملكية بتقسيم فلسطين.

خشي أمين الحسيني القبض عليه من قبل الفرنسيين في لبنان، لكن بلغه أن المندوب السامي الفرنسي في لبنان سمح له بالإقامة هناك شريطة عدم التنقل إلى سوريا، وفرضت عليه الإقامة بقرية كسروان، هناك استقبل مقاومين فلسطينيين، وتلقى مساعدات من شكري القوتلي (الرئيس السوري)، وزاره بشارة الخوري ورستم حيدر ونوري السعيد وأمين باشا العمري القائد العسكري العراقي.

استقر المفتي أمين الحسيني بلبنان عامين كاملين، وشارك في التنسيق بين اللجان في بيروت ودمشق استعدادا لاستئناف الثورة التي ظلت مشتعلة إلى غاية العام 1939، تاريخ اندلاع الحرب العالمية الثانية.

“اتخذوا عرب فلسطين قدوة لكم، إنهم يكافحون أكبر إمبراطورية في العالم”

لا يخفي الشيخ أمين الحسيني علاقته مع “هتلر”، وكان دائما يسرد إعجاب “هتلر” بكفاح عرب فلسطين. يقول المفتي في مذكراته: وجّه “هتلر” خطابا إلى ألمان السوديت الذين كانوا يحاولون الخلاص من حكم تشيكوسلوفاكيا عام 1938، وقال بما معناه، يا ألمان السوديت اتخذوا من عرب فلسطين قدوة لكم، إنهم يكافحون إنجلترا أكبر إمبراطورية في العالم واليهودية العالمية معا ببسالة، وليس لهم نصير أو مساعد، أما أنتم فإني أمدكم بالمال والسلاح، وإن ألمانيا كلها من ورائكم.

تقول وثائق الاستخبارات الأمريكية: أقام المفتي قلعة المؤامرات، وأقام اتصالات مع أتباعه في أجزاء مختلفة من الشرق الأدنى، وانخرط على الفور مع عملاء لإيطاليا وألمانيا. وقد عرض “موسوليني” الذي أعلن نفسه حامي الإسلام اللجوء على أمين الحسيني في ليبيا الإيطالية، لكن المفتي بقي في لبنان حتى العام 1939. عندما بدأت الحرب العالمية الثانية، طلب البريطانيون من الفرنسيين تسليم المفتي إليهم، وبينما كانت هذه المفاوضات جارية، تسلل المفتي بعيدا إلى بغداد لينضم إلى صديقه وزميله القومي رشيد الكيلاني”.

صورة تجمع يونس بحري ورشيد عالي الكيلاني وأمين الحسيني/ مواقع التواصل

غادر الحسيني لبنان سرا في الثالث عشر من أكتوبر/ تشرين الأول من العام 1939، وتوجه نحو العراق منتحلا صفة تاجر، وقد تدرب المقاومون الفلسطينيون على يد الجيش العراقي، بطلب من المفتي الحسيني.  يقول في مذكراته: كان أهل العراق كسائر العرب معجبين بانتصارات الألمان المتوالية على بريطانيا وفرنسا، ويرجون لهم النصر المؤزر على الحلفاء، كما أن الألمان لم يعتدوا في تاريخهم على العرب، ولم يسيئوا إليهم، فكانوا يستمتعون بآذانهم وقلوبهم إلى إذاعة برلين وهي تعرب عن أطيب الأماني للعرب.

“إني أرحب بكم باسمي وباسم الشعب الإيطالي والدولة”

ظل المفتي أمين الحسيني في العراق سنتين قبل مغادرتها نحو إيران هربا من البريطانيين، وكان البريطانيون يحشدون العرب من أجل استمالتهم في صفهم ضد النازيين، وقد عمل الحسيني حينها في العراق على طرح قضية الوحدة العربية، واستغلال الحرب العالمية الثانية من أجل تحقيق ذلك.

ويقول: كنا في هذه الظروف نبحث أحوال الأمة العربية مع الصفوة المخلصة من أحرار العرب في العراق، ونتدارس الأوضاع السياسية والعسكرية، ونحاول انتهاز فرصة الحرب للعمل لصالح الأمة العربية وتحطيم أغلالها وتحقيق وحدتها، وانتهى البحث والتفكير إلى محاولة الاتصال بالألمان للتعاون معهم على الوصول إلى هذه الأهداف الوطنية.

توجه المفتي أمين الحسيني إلى إيران التي وصفها بأنها موالية لألمانيا، وكان على تواصل مع السفير الألماني هناك، وبعد محاولة غزو المحور للاتحاد السوفياتي سنة 1941، قرر الحسيني الهروب مجددا إلى منطقة آمنة من البريطانيين، فقرر السفر نحو تركيا، لكنها رفضت قبوله، ومرة أخرى خرج مفتي القدس من إيران ودخل تركيا متخفيا، ثم عبر الحدود نحو المجر.

يقول المفتي أمين الحسيني في مذكراته: بعد زيارة قصيرة لبودابست، تابعت السفر بالقطار إلى إيطاليا، وكان قصدي من هذه الزيارة الاتصال برجال قوات المحور لاستئناف المباحثات التي بدأناها في العراق ثم في إيران، لتحقيق استقلال الأقطار العربية الواقعة تحت الاحتلال والسيطرة الاستعمارية، فلما وصلت روما اتصل بي بعض رجال وزارة الخارجية الإيطالية والسفارة الألمانية بروما، وزارني الكونت “بيسمارك” مستشار السفارة، ولما أعلمته برغبتي في السفر إلى ألمانيا أبلغ حكومته هذه الرغبة، فرحبت بها.

ويذكر الحسيني أنه بعد وصوله ببضعة أيام إلى روما قابل “موسوليني” في قصر البندقية واستقبله قائلا “إني أرحب بكم باسمي وباسم الشعب الإيطالي والدولة”، ويصف الحسيني “موسوليني” بإعجاب قائلا: استرعى نظري في هذه المقابلة قوة شخصية “موسوليني” وطموحه البعيد، وكان يخفيهما بلباقته ودهائه وسعة ثقافته، وكان محدثا بارعا واضح العبارة.

طرح أمين الحسيني على “موسوليني” في لقائه الأول به قضية استقلال الدول العربية وكفاحهم ضد مشروع قيام دولة إسرائيل، ودعمه “موسوليني” قائلا: “إننا نعتبركم أصدقاء لدول المحور في هذه الحرب التي ستكون لنتيجتها أثر كبير على مستقبلنا ومستقبلكم أيضا”. ونصح “موسوليني” الحسيني بلفت نظر “هتلر” عند ملاقاته في برلين بخصوص أهمية منطقة الشرق الأدنى، ولا سيما قناة السويس.

عرين “هتلر”.. جولات الحسيني في أرجاء الرايخ الثالث

حسب بعض الوثائق فقد غادر أمين الحسيني روما في الخامس من نوفمبر/تشرين الثاني سنة 1941 متوجها نحو برلين بحماية خاصة من “فريتز غروبا” المسؤول بوزارة الخارجية الألمانية. تقول الوثائق الأمريكية: لم يكن المفتي عمليا، وقد طرح كل المشاكل من وجهة نظر المسلمين، وكان مهوسا بحلم دولة إسلامية موحدة تمتد من المغرب إلى البوسنة وحتى باكستان. لكن الألمان وجدوا أن المفتي بالرغم من تطلعاته لا يستطيع تحفيز المسلمين، فعلى الرغم من أنه كان يتحدث إليهم باللغة العربية عبر إذاعة المحور، وقام بجولة في كرواتيا والبوسنة محاولا حشد المسلمين إلى الجانب الألماني، فإنه لم يكن داعيا فعالا.

الشيخ أمين الحسيني مع أدولف هتلر في اللقاء الوحيد الذي جمعهما

وتفكك المؤرخة “شانتال ميتزغر” في بحث لها بعنوان “أمين الحسيني مفتي القدس الأكبر والرايخ الثالث” خلفيات تعامل الحسيني مع دول المحور، وتقول إن “الأميرال كاناريس” كان يعتبر المفتي ذكيا وفوق كل شيء ماهرا جدا وقادرا على فهم التوترات الموجودة بين مختلف خدمات الرايخ واللعب عليها. هذا الرجل له وزن في المنطقة، ولا ينبغي اختزاله في دور محرض سياسي ديني صغير.

جيش الحسيني.. نواة الكتائب العربية في المعسكرات الألمانية

حسب المؤرخة “شانتال ميتزغر”، كان الحسيني على استعداد لمساعدة الجنرال الألماني “هيلموت فيلمي” مقابل شروط معينة، فقد كان يريد أولا وقبل كل شيء تكوين جيش عربي حقيقي يتكون من قوات نظامية أو فيلق حرب، وستكون نواته سرايا المتطوعين العرب الذين استقطبهم المفتي أمين الحسيني للحرب بجانب قوات المحور، فقد كان يريد استغلال تدريبهم في مخيمات الألمان، واشترط أن يتدرب هؤلاء المتطوعون العرب تحت أوامر ضباط عرب.

تقول المؤرخة “ميتزغر”: تتكون الكتيبة العربية من أربع سرايا: سرية من عرب فلسطين وسوريا والعراق، وسرية من عرب شمال أفريقيا وأعضاء سابقين في الفيلق الفرنسي على الجبهة الشرقية، وسريتان ستجندان بمساعدة أمين الحسيني وابن أخيه. يهتم المفتي بشكل رئيسي بعرب فلسطين الثلاثين أو الأربعين جنديا الذين يمثلون العمود الفقري للكتيبة العربية، واشترط المفتي استعمال الكتيبة العربية في القوقاز.

لم يكن تحالف أمين الحسيني مع دول المحور بدافع عنصري لإبادة اليهود كما روّجت له إسرائيل، وهي تهمة دفعها عنه حتى في لقائه مع موسوليني حين قال له إن مقاومته لبناء وطن يهودي في فلسطين ليس بدافع التعصب الديني، كما أنه استغل الصراع بين بريطانيا وبين ألمانيا وحلفائها من أجل الضغط للاعتراف باستقلال الدول العربية وتكوين وحدة إسلامية، إضافة إلى الحصول على شحنات من السلاح.

ما بعد الاحتلال.. شعلة المقاومة التي انطفأت في بيروت

استطاع المفتي أمين الحسيني الهروب من ألمانيا قبل سقوط برلين في قبضة الحلفاء، لكن قبض عليه في فرنسا وقضى يومين في زنزانة قبل إطلاق سراحه، وقد ظل مطاردا من قبل بريطانيا والولايات المتحدة الأمريكية والصهاينة، وتدخل الحبيب بورقيبة الذي كان موجودا في فرنسا آنذاك من أجل اصطحابه إلى تونس، وحالفه الحظ مرة أخرى في الهروب من فرنسا متنكرا وبجواز سفر مدلس نحو القاهرة، واستطاع الحصول على حماية خاصة من الملك فاروق، لكن متاعبه لم تنته، وبدا أن اللعبة معقدة أكثر، خاصة بعد الإعلان عن مشروع تقسيم فلسطين وقيام إسرائيل.

الشيخ أمين الحسيني مع متطوعين مسلمين في ألمانيا عام 1942

لم يرفع أمين الحسيني راية الاستسلام، ولم يخفت لهيب المقاومة المسلحة في روحه، فقد كان إيمانه بوحدة الدم والمصير والأرض قويا، وعاد إلى تنظيم صفوف المقاومة الفلسطينية عن طريق العمليات الفدائية قبل وقفها مع ظهور خطة الأمين العام للأمم المتحدة “همرشولد” في بداية العام 1960، التي تقضي بتسوية سلمية مع إسرائيل، حينها أدرك الحسيني أن إقامته في مصر غدت بلا جدوى، وانتقل إلى بيروت في العام 1961، ونقل معه مقر الهيئة العربية العليا التي تلاشت مع إعلان جامعة الدول العربية إنشاء منظمة التحرير الفلسطينية التي تشكلت في العام 1964 برعاية جمال عبد الناصر.

يقول أمين الحسيني في كتابه “أسباب كارثة فلسطين”: تخاذلت بعض الدول العربية واختلفت سياستهم أثناء معركة فلسطين، فلم يقاتل العرب صفا كأنهم بنيان مرصوص، وأضاعوا الفرصة بعدم تعاونهم على العدو الذي لم يكن قويا يومئذ. أدى الضغط الاستعماري الأجنبي على بعض الأقطار العربية إلى وضع القيادة العسكرية الفعلية للجيوش العربية في يد الجنرال “غلوب” الإنجليزي الذي أدار دفة المعارك بما يوافق أهواء السياسة البريطانية الضالعة مع اليهود.

بعد حرب العام 1967، ضاق الخناق على المفتي أمين الحسيني، لكن شعلة المقاومة المسلحة ظلت مشتعلة فيه حتى تاريخ وفاته في العام 1974، حيث دفن في بيروت بعيدا عن الأقصى الذي كان يتمنى أن يستشهد ويدفن فيه.