“سندباد السودان”.. حكاية رجل تنقل بين ساحات القتال ودهاليز الصحافة والفن والسياسة

بين ساحات القتال ودهاليز السياسة، وبين أضواء المسارح وظلمات السجون، ومن عنابر السفن المتهالكة إلى مقاعد كبار الشخصيات على متن الطائرات الخاصة؛ تدور قصة بطل هذه المقالة. إنه أحمد حسن مطر، أو “سندباد السودان”، كما يحلو له أن يلقب نفسه، وقد أنتجت الجزيرة الوثائقية فيلما يحمل لقبه، وبثته تحت عنوان “سندباد السودان”.

ود مدني”.. مدينة استثنائية تكون ملامح عاشق الجغرافيا”

ولد أحمد حسن مطر في حلفا القديمة عام 1904، لأبوين سودانيين، وكان جده ذا أصول مصرية من المحلة، ثم هاجرت أسرته للحجاز، وكان والده يعمل في سكة حديد الحجاز التي أنشأتها الدولة العثمانية، ودرس المراحل الأساسية الأولى هناك، وتعلم شيئا من اللغة التركية حتى أثرت على لسانه.

“ود مدني” واحدة من كبريات المدن الأفريقية مطلع العشرينيات وفيها جاليات أوروبية وعرب وأفارقة وأندية ومراقص

في عام 1911 عاد مع أسرته للاستقرار في وادي حلفا، وتعرف هناك على الأوزباشي يوسف نجيب، والد اللواء محمد نجيب الرئيس المصري السابق، ودعاه لزيارته في ود مدني، وأقام في بيته حتى وجد له مسكنا قرب سوق المدينة.

كانت “ود مدني” من كبريات المدن الأفريقية في ذلك الوقت، تجد فيها جميع الجاليات الأوروبية والعرب والأفارقة، وتتوفر فيها الأندية والمراقص وكل الملامح العصرية التي تميز بها القرن الـ19، وقد أثر هذا الجو الاستثنائي الفريد على طفولة أحمد حسن مطر.

الطالب أحمد مطر كان يعشق الجغرافيا ويرسم الخرائط بدقة متناهية ويرسم الأنهار والمدن الرئيسية والطرق في كل دولة

التحق أحمد هناك بالدراسة الأولية في مدارس يغلب عليها الطابع البريطاني، ولكنه لم يكن متفوقا في الدراسة رغم ذكائه، فكان كثيرا ما يرسب في الرياضيات، لكنه كان يعشق الجغرافيا، ويرسم الخرائط بدقة متناهية، ويرسم الأنهار والمدن الرئيسية والطرق في كل دولة، وكانت لديه حافظة قوية ساعدته على إتقان عدة لغات، والتواصل مع مختلف المجتمعات.

 غرام ابنة اليونان.. العشق الذي أحرق قلب سندباد السودان

لم يكمل أحمد حسن مطر تعليمه المدرسي، والتحق بمصلحة البريد والبرق، وعمل فيها لسنوات، وبينما كان يتردد على النوادي والحانات التقى بفتاة يونانية تدعى “هيلينا غيلانيس”، ونشأت بينهما علاقة غرامية انتشرت أخبارها في المدينة، ووصلت إلى عائلتها التي يبدو أنها كانت محافظة، فأرسلها أبوها إلى بلدها اليونان.

من أجل حبيبته”هيلين” تعلم أحمد مطر اللغة اليونانية وكتب لها بها رسالة

لكن أحمد لم ييأس، ومن أجل حبيبته تعلم اللغة اليونانية، وكتب لها: عزيزتي “هيلين”، إنك لا تدرين أي صفعةٍ للفؤاد يحدثها فراقك، لو كان لي أن أطوي الأرض لجبتها بحث عنك، وإني لأفعل ذلك كل ليلة بينما تسكن الدنيا من حولي، ولا يبقى سوى طيف ابتسامتك الجميلة ليؤنس قلبي.

لم يعجب الأمر والدها، فاشتكى للمحامي العام في السودان، فأصدر حكما بفصل أحمد مطر من وظيفته، وهو الأمر الذي أحدث تغييرا جذريا في شخصيته، وجعله شخص يتوق إلى النزوح وعدم الزواج والاستقرار.

بسبب تواصله سرا مع رجال عبد العزيز آل سعود أمير نجد، جيش الشريف حسين يعتقل أحمد مطر

وبعد هذه الأحداث عاد إلى الحجاز، والتحق بجيش الشريف حسين مفجّر الثورة العربية الكبرى ضد الدولة العثمانية، وكان مطر آنذاك قد بلغ 15 عاما فقط، وقد ظهرت له أشياء في جيش الثورة لم تعجبه، فتواصل سرا مع رجال عبد العزيز آل سعود أمير نجد، وهو الخصم اللدود للشريف حسين، ولكن أمره انكشف وكاد ذلك أن يودي بحياته، لولا وساطات أنقذته وأعادته إلى السودان.

“أول مرة أدفع فيها ثمن تذكرتي”.. سندباد السودان في رحلة مرسيليا

عاد أحمد مطر إلى السودان عام 1922 بانتكاسة أخرى، كانت هذه الضربات المتتالية دليلا على عدم استقرار شخصية ذلك الشاب المتمرد على أطر الحياة التقليدية، ونتيجة لذلك يبدو أنه قرر أن يعيش مواطنا عاديا في بلده، وأن يُسكِت صوت الرحيل والمغامرة في داخله. وعمل في المقاولات مدة عام لدى شركة إيطالية كانت تنفذ مشروع خزان سينار للمياه.

أحمد مطر يعمل في المقاولات لدى شركة إيطالية كانت تنفذ مشروع خزان سينار للمياه

كادت الأمور أن تمشي بسكون لمدة أطول، لولا أنه اكتشف تجاوزات مالية في أوراق الشركة الإيطالية، فتحرك في نفسه الشوق إلى الرحيل ثانية، فغادر بورت سودان إلى ميناء عدن على ظهر سفينة لم يكن يملك ثمن تذكرتها، فعاقبه الطاقم بعد أن اكتشف أمره، بأن يعمل في المطبخ ويشارك في أعمال النظافة.

ثم غادر عدن، بعد أن لم يتمكن من الإقامة فيها، إلى مدينة مومباسا في كينيا، وعمل هناك فترة من الزمن في عيادة طبيب، ثم كانت وجهته الثانية إلى ميناء مرسيليا جنوب فرنسا. يقول: كانت هذه أول مرة أدفع فيها ثمن تذكرتي، ميمّما شطر أوروبا، تلبية لذلك الإحساس الذي استحوذ على مشاعري، ولأحقق تلك الأمنية التي لازمتني منذ الصغر في الطواف حول هذا العالم الذي سحرت به.

في مرسيليا التقى أحمد بأحد أصدقاء العائلة من النوبيين يدعى الصادق، واستقر في منزله برهة من الزمن، وكان بمثابة الموجِّه له في مرسيليا وفي هذا العالم الجديد. واضطر بعد نصائح تلقاها من صديقه، إلى تغيير اسمه من أجل الحصول على الإقامة في فرنسا، فأصبح يدعى “فريدريك هربرت”.

انتفاضة الريف المغربي.. ثورة نبيلة تهز مهجة سندباد السودان الرحالة الثائر

اندمج “فريدريك هربرت” سريعا في المجتمع الفرنسي، وتعلم لغته قراءة وكتابة، وصار يطالع الصحف والإعلام الفرنسي، مما أتاح له رؤية أوضح للعالم، وتواصل مع بعض العمال المغاربة، وتعرف من خلالهم على ثورة عبد الكريم الخطابي ضد الاستعمار الفرنسي والإسباني، وتعاطف بشكل كبير معها. وبدأت روح المغامرة تداعب خياله من جديد، ولكن لغايات إنسانية نبيلة هذه المرة.

أحمد مطر في اجتماع خاص مع القائد المغربي عبد الكريم الخطابي

في 1924 انتقل من مرسيليا إلى طنجة، وهي المدينة المغربية جيوسياسيا، العالمية بحضور الجاليات من كل الأنحاء فيها، والثقافات الإنسانية، والشركات العالمية. وكان حلمه أن يضع بصمته على الثورة المغربية ويصنع فارقا فيها، فالتقى هناك بالمندوب السري للأمير الخطابي، وهو الثائر المخضرم علّال الفاسي.

ثم التقى بعدها بالأمير الخطابي نفسه، فأولاه ثقته التامة وكلفه بملف الدعاية والإعلام للثورة، وهناك تحركت في نفسه الرغبة في الكتابة والصحافة، فأصدر من طنجة جريدة “النظام” التي تغنّت بالثورة ونشرت أخبارها بين المغاربة، وأوصلت صوتها إلى أطراف العالم.

وأثناء وجوده في المغرب، واكب تحركات الزعيم المصري سعد زغلول لنيل استقلال مصر والسودان عن بريطانيا، ووصلته أخبار توجه الزعيم المصري إلى لندن للقاء الحكومة البريطانية وعرض مطالب وادي النيل، فتوجه إلى لندن ليكون بجانب زغلول في مطالبه العادلة، لكن المفاوضات فشلت نتيجة “خيانة” بعض أعضاء الوفد السوداني، ممن كانوا لا يرغبون في الاتحاد مع مصر.

“لي ستاك”.. اغتيال وتعذيب ثم نفي إلى أرض الميعاد

عاد أحمد مطر إلى القاهرة ليقابل السير “لي ستاك” حاكم عموم السودان، ويقدم التماسا بالجلاء عن مصر والسودان، وصادف في ذلك الوقت اغتيال “لي ستاك” في أحد شوارع القاهرة، واعتقل أحمد ضمن المتهمين بتدبير الاغتيال، ثم عُذب لانتزاع اعترافاته في هذا الحادث. ومما عزز الاتهام أنه كان قد أهدى مسدسا لصديقه عبد القادر الأمين، دعما لجمعية اللواء الأبيض في السودان.

اللواء “لي ستاك” حاكم عموم السودان

ثم تبين لقوات الاستعمار بعد فترة أن أحمد حسن مطر بريء من تهمة الاغتيال، فأطلقوا سراحه، ولكن بشرط أن لا يقيم في مصر ولا السودان، وأن يختار منفاه بنفسه، فاختار البرازيل، وسافر إليها منطلقا من ميناء السويس مرورا بجنوة في إيطاليا. وكانت البرازيل آنذاك أرض الميعاد لمن يفكر في الهجرة والاستقرار، وخصوصا من أهل المشرق.

وكان في البرازيل كثير من الأدباء والشعراء والباحثين عن الحرية، فكانت ملاذا للفارين بحريتهم من أنحاء العالم، فالتقى فيها أحمد مطر بالصحفي المشهور جورج شدياق، رئيس تحرير جريدة “تساهيل” الناطقة بالعربية، فأعجب به أيما إعجاب، لفصاحته وبلاغته وسعة اطلاعه، وقد تعلم في البرازيل اللغتين الإسبانية والبرتغالية.

مقتل اللواء “لي ستاك” حاكم عموم السودان واتهام أحمد مطر بالتخطيط لذلك

أصبح أحمد مطر محررا في “تساهيل” وصادف نجاحا كبير هناك، فاستهوته الصحافة، ولمع نجمه في هذا المجال، وشكّلت الصحافة بوابة له لدخول عالم المال والشهرة والسياسة. فاجتذبته صحيفة أخرى ليعمل مراسلا لها في أوروبا، وصادف هذا هوىً في نفسه المتمردة التوّاقة للسفر والترحال.

سندباد السودان.. مناهضة الاستعمار ودعم بالسلاح والقلم في المحافل الدولية

عاد أحمد مطر إلى مرسيليا، وكانت الثورة المغاربية قد اشتد أوارها ضد المستعمر الفرنسي والإسباني، فاشتعلت في نفسه جذوة النضال وراح يحرر البيانات ويوزعها على وفود ومندوبي عصبة الأمم، ولكن من دون مجيب، فالمهيمنون على عصبة الأمم هم المستعمرون أنفسهم، ولكنّ هذا لم يفتَّ في عضده، فعمد إلى الصحافة يكتب ويؤيد ويعيد نشر كل ما يمكن أن يساهم في دعم الثوار.

أحمد مطر يرسل 400 بندقية سرا من فرنسا إلى الثوار المغاربة

ولم يقتصر دوره على الصحافة، بل إنه لجأ إلى تهريب السلاح، فأرسل 400 بندقية سرا من فرنسا إلى الثوار المغاربة، وهذه كانت بمثابة ترسانة سلاح قوية في ذلك الزمن. وانضم إلى منظمة عالمية لمناهضة الاستعمار، كانت تضم نخبة من رجال العلم والفكر والسياسة العالميين؛ منهم “أينشتاين” و”جواهر لال نهرو”.

وفي إطار أنشطته المناهضة للاستعمار التقى في منتصف العشرينيات بـ”هتلر” في ألمانيا، ثم حضر مؤتمر دعم الشعوب المضطهدة الذي عقد في بروكسل في فبراير/ شباط 1927، بحضور قادة التحرر حول العالم، ومنهم محمد حافظ رمضان من مصر، و”جواهر لال نهرو” من الهند، و”ليوبولد سينغور” من السنغال، والأمير شكيب أرسلان من لبنان.

أحمد مطر في مؤتمر دعم الشعوب المضطهدة الذي عقد في بروكسل1927 بحضور قادة التحرر حول العالم

وقد جاب أحمد مطر الآفاق يحمل شعارات المؤتمر وتوصياته، فتوجه إلى برلين ولندن وقادش في إسبانيا، ثم رحل إلى دكار وليبيريا في غرب أفريقيا، ومنها توجه إلى البرازيل ثانية. ثم عاد أدراجه إلى أوروبا، وهذه المرة إلى مركزالكتلة الشيوعية، إلى الاتحاد السوفياتي الذي كان يظهر دعم حركات التحرر في العالم، نكاية في القوى الاستعمارية الغربية.

قلم السندباد.. بين ساحات الحرب وصالات الجَمال

في نهاية 1929 أسس أحمد مطر مكتب الصحافة العربية، ومقره في باريس، وأسهم في دعم الثورة البرازيلية التي اشتعلت آنذاك، فاحتفى به الشعب البرازيلي أيما احتفاء، ومُنح الجنسية البرازيلية. وفي تلك الفترة ابتعد عن السياسة وتفرغ للجماليات والإنسانيات، وأوفدته صحيفته لتغطية حفل تتويج ملكة جمال الكون عام 1931، ثم نقل المسابقة بعلاقاته إلى البرازيل، “وشرب من كأس الجمال حتى ثمل”.

مراسلا لصحيفته البرازيلية، غطى أحمد مطر حفل تتويج ملكة جمال الكون عام 1931

تقدم أحمد حسن مطر بِعرضٍ إلى شركة الملاحة البحرية، لمنحه امتيازا في إحدى رحلات الشركة إلى الشرق الأقصى، مقابل الدعاية لهم، فوافقوا على الفور، وانطلقت الباخرة، وكانت جيبوتي أول ميناء ترسو فيه، ومنها إلى كولومبو وسنغافورة فشانغهاي، ثم عادت إلى سان فرانسيسكو فالبرازيل.

وقد استمرت حياته هادئة حتى نشبت الحرب بين بوليفيا وباراغواي في عام 1933، التي سميت “حرب تشاكو”، فقام بتغطيتها من خلال صحيفته، بل إنه أصبح مصدر الخبر الأول لجميع وكالات الأنباء عن كل ما يتعلق بهذه الحرب. وقد تأثرت كتاباته بما عايشه من هول الحروب ومشاهد القتل، فأخذت بُعدا إنسانيا واضحا.

في عام 1933 نشبت “حرب تشاكو” التي قام أحمد مطر بتغطيتها صحفيا

وما لبث أن عاد من “حرب تشاكو”، حتى نشبت حرب جديدة بين تشيلي وكولومبيا على مدينة حدودية تسمى “ليتيسيا”، فذهب إلى بؤرة الصراع، وهناك لمع نجمه مجددا في تغطية هذا النوع من الأحداث العالمية، وأصبح أيقونة الصحافة في المجتمع اللاتيني بأسره، وهذا ما دعا الصحيفة لإيفاده إلى أثيوبيا لتغطية الحرب الدائرة هناك مع القوات الإيطالية في 1935.

وهناك تألق كعادته في سبقٍ صحفيٍ فاق به أقرانه الصحفيين المئة الذين كانو يغطون الحرب، وذلك بإجراء مقابلة حصرية مع الإمبراطور الإثيوبي “هيلا سيلاسي”، ولم يكن في تغطياته تلك مجرد مراسل صحفي ينقل الأحداث وحسب، بل كان في كثير من الأحيان مساهما فيها أو حتى صانعا لها.

سندباد السودان في سجون مصر.. عودة إلى وادي بعد ربع قرن من المنفى

في عام 1946 أصبح أحمد مطر صحفيا رسميا لدى الأمم المتحدة، وتعرف هناك على كثير من الصحفيين البارزين، فكان لهم أثر في عودته إلى موطنه الذي نفي منه لأكثر من ربع قرن، ثم انتقل إلى الأرجنتين ليعمل ملحقا صحفيا في المفوضية المصرية هناك، ولكنه أقيل من منصبه في 1951.

أحمد مطر يودَع السجن بصفته مقربا من الرئيس المخلوع نجيب بعيد انقلاب 1952

وبعد الثورة المصرية في 1952 توجه على رأس وفد رسمي أرجنتيني لتهنئة صديقه المقرب محمد نجيب رئيس مصر الجديد، وقد أعاده إلى العمل ورقّاه إلى منصب مستشار، وانتدبه للعمل في وزارة الخارجية، لكن هذا القرب من الرئيس ألّب عليه أطرافا في الإدارة المصرية، ثم ما لبث على أثرها أن أودع السجن بصفته مقربا من الرئيس المخلوع نجيب.

وبعد إطلاق سراحه توجه إلى السودان، وهناك كتب مذكراته باللغة العربية بعنوان “صدق أو لا تصدق، ولكن” وترجمها للإنجليزية بعنوان “سندباد السودان”. ثم ساهم في تأسيس وزارة الخارجية السودانية إبان حكومة إسماعيل الأزهري، وطبع عليها اللمسات البروتوكولية العالمية والعلاقات مع الدول، بعد أن لم تكن موجودة أصلا.

سندباد السودان.. “اليوم أضع حقائبي غير عابئ بالنهاية”

انتقل أحمد مطر إلى القصر الجمهوري أثناء حكم إبراهيم عبّود، وكان له الدور الرئيس في إنشاء قسم البروتوكول والمراسم في القصر، وهو من أهم أقسام القصر وأكثرها ديمومة حتى يومنا هذا، وقد استمر عمله في القصر خلال حكم جعفر نميري، لكنّ وشاية من الحاسدين أبعدته عن القصر بضع سنين، إلى أن أدرك نميري الخديعة، فاستسمحه وأكرمه وأعاده إلى العمل في وزارة الخارجية.

أحمد مطر يطوف في رحلة حول العالم للمرة الأخيرة دون حروب ولا صحافة

تعرض أحمد حسن مطر لحادث سير خطير أثّر على دماغه، ونقل إلى مستشفى في مصر على متن طائرة خاصة. وبعد فترة استشفائه عاد إلى السودان وباع جميع أملاكه، وقرر استثمار أمواله في رحلة يطوف بها حول العالم للمرة الأخيرة، وهذه المرة دون حروب ولا صحافة، إلى أن عاد أخيرا إلى مسقط رأسه في السودان، حيث توفي هناك في العام 1985.

يقول: اليوم أضع حقائبي غير عابئ بالنهاية، كيف أو متى تكون، فبعد 50 عاما من الرحلة قضيتها، وآلاف الأميال من المسافات قطعتها، رويت فيها ظمأي للمطالعة، وأشبعت خلالها رغبتي في اكتشاف ذلك العالم المجهول، وسطّرت فيها أسطورتي الخاصة، وإني لأثق في قدوم ذلك اليوم الذي تروى فيه حكايتي، حكاية سندباد السودان.