أبقار حسب الطلب.. يوم يصبح الوحش مصنعا ومفاعلا حيويا

حسن العدم

منذ أن استخلف الله البشر على سطح الأرض لم تزل يد الإنسان تتدخل في طيف واسع من الكائنات الحية، من الحيوانات والنباتات والفطريات، وكانت عمليات التدجين والتهجين تتم باطِّرادٍ لإنتاج سلالات محسنة من الكائنات الحية، تلائم متطلبات عيش الإنسان على هذه الأرض.
وقد بثت قناة الجزيرة الوثائقية مؤخرا فيلما بعنوان “أبقار تحت الطلب” تناولت فيه موضوع تحسين سلالات الأبقار، سواء تلك المخصصة للحليب، أو التي تنتج اللحوم، وتم فتح ملفات التهجين البدائية، إلى أن وصل الأمر إلى التدخل الجيني، والتكاثر الاصطناعي، مما ينذر بعواقب قد تخرج عن السيطرة، نتيجة أطماع البشر غير المحدودة، واجترائهم على النسق العام للنظام الكوني.

 

حيوان “الأرخُص”.. عصر ما قبل البقرة

تقول “إيفا غاياغيل” عالمة الجينات القديمة من معهد جاك مونو: إن الأبقار لم تكن موجودة قبل عشرة آلاف عام، بل كان يوجد حيوان آخر يدعى “الأُرخُص”، وكانت صفاته تختلف عما نشاهده في الأبقار اليوم، فالقرون الطويلة الممتدة أفقيا، والارتفاع الذي يزيد عن مترين عند منطقة الكتف، هي بعض من مميزات هذا الحيوان الوحشي الذي استأنسه البشر فيما بعد.

حيوان الأُرخُص صاحب القرون الطويلة الممتدة أفقيا والارتفاع الذي يزيد عن مترين عند منطقة الكتف

 

كانت نظرة الإنسان لهذه الحيوانات تنطوي على الخوف والتقديس في البداية، ثم مع مرور الزمن تحولت إلى نوع من الفضول واستطلاع حياتها عن قرب، ثم جاءت مرحلة استئناسها وتدجينها والاستفادة منها في الأعمال اليومية والغذاء.

لم يقف الأمر عند هذا الحد، بل تجاوزه إلى حدّ أن يتدخّل الإنسان في الحياة الجنسية لهذه الحيوانات، فأصبح يتحكم في نشاطها الجنسي، ويقرر متى وكيف ومن يحق له من الذكور أن يتواصل جنسيا مع أي من الإناث، ثم يختار من السلالات وينتقي ويعزل؛ على أسس إنتاجية اقتصادية أحيانا، وعلى أسس فضولية اسكتشافية في أحيان كثيرة.

يتم حلب الأبقار بمعدل ثلاث مرات في اليوم

 

البقرة الحلوب.. حلم الإنسان البسيط

تصنف البقرة الهولندية ذات اللونين الأسود والأبيض -وهي من سلالة “الفريزيان”- على أنها من أكثر الأبقار المنتجة للحليب. وقد تم تحسين هذه السلالة وتطويرها في السهول الهولندية والفرنسية قبل تصديرها إلى معظم أنحاء العالم وخصوصا الولايات المتحدة الأمريكية وذلك في النصف الثاني من القرن التاسع عشر.

هناك في أمريكا تم إعادة إنتاج هذه البقرة من جديد لتنتج حليبا أكثر، إضافة إلى التغيير في بعض الصفات لتصبح ذات جسم رشيق، وضِرع مرتفع عن الأرض، وحلمات متباعدة كرؤوس مربع منتظم، وألوان جذابة متناسقة، وأخيرا مُنح اسم جديد لسلالة “الهولشتاين”.

اللافت في الأمر أن أمريكا أعادت بيع هذه البقرة المحسّنة إلى أوروبا ثانية، ففي ستينيات القرن العشرين تم بيع أكثر من 400 بقرة في السوق الفرنسية، ومنذ ذلك التاريخ أصبحت “الهولشتاين” المنتِج الأول للحليب في أوروبا، وربما في العالم أجمع.

ويتنافس مربو الأبقار كيف ينتجون ثلاثين مليون لتر من الحليب، بعد تغذية أبقارهم بثلاثين ألف طن من الأعلاف، حيث يتم حلب الأبقار بمعدل ثلاث مرات في اليوم، وعلى مدى خمس سنوات هي دورة الحياة الطبيعية للبقرة المنتجة، والتي ستتحول إلى المسلخ في حال عدم تغطية ناتج حليبها لنفقات إطعامها اليومي.

التلقيح الصناعي بين الثيران والبقر يحرم هذه الكائنات من التزاوج الطبيعي الفطري بينها

 

التلقيح الصناعي.. يوم صار الإنسان أكثر تعقيداً

في عام 1966 انطلقت ثورة التلقيح الصناعي للأبقار، وصارت الحيوانات المنوية تُجمع من الثيران القوية، ويعاد تخفيفها وتعبئتها في أنابيب، ثم تجميدها وبيعها لمربي الأبقار ومنتجي الحليب، حتى أن الثور الذي كان يلقح مجموعة محددة من الأبقار طبيعيا وينتج عشرات العجول سنوياً فقط، صار بإمكانه أن يكون أباً لآلاف بل ملايين العجول سنويا، وفي أنحاء متفرقة من الكرة الأرضية.

وفي دورة حياتية قدرها خمس سنوات -أي ما يعادل ستة أجيال من الأبقار- يمكن اختيار السلالة الأصلح لإنتاج الحليب، ويكون ذلك باختيار أنسب عجول الجيل الأول، والحصول على سائلها المنوي وتلقيح مئات من أبقار الجيل الأول، ثم انتظار ولادة الجيل الثاني بعد تسعة شهور، واختبار الإناث في هذه المرحلة وتحديد أحسنها إنتاجا للحليب. ثم تكرار العملية تباعا بطريقة الإهمال والاستعمال، أو انتخاب الأحسن، حتى الوصول إلى النتيجة النهائية في اختيار أي الزوجين هو الأصلح، وتعميم هذه النتيجة عالميا.

الثور جوكو بيسنيه .. صاحب السائل المنوي الذي كان يطلق عليه لقب غبار الذهب

 

“جوكو بيسنيه”.. الثور النجم

قد يبدو هذا الأمر مكلفا للغاية، إذا علمت أن الثور المنتقى في النهاية يمكن أن تبلغ تكلفته منفردا 400 ألف يورو، ولكن بعد اختراع مصطلح “الثور النجم”، صار هذا النجم يُدرّ على أصحابه ملايين اليوروات مقابل بيع سائله المنوي، وقد يبقى أباً لأجيال كثيرة من العجول حتى بعد وفاته بعشرات السنين، وذلك بفضل تجميد الحيوانات المنوية والأجنة.

في العام 1994 وفي حظيرة في إقليم موربيهان الفرنسي وُلِد الثور الأعجوبة “جوكو بيسنيه”، وهو الثور الذي أنتجت إناثه ملايين اللترات من الحليب.

يقول عنه خبير التزاوج “مويز بومار”: إنه أفضل ثورٍ أبٍ في العشرية الأولى من القرن الحادي والعشرين.

بنك الحيوانات المنوية … يدر ملايين اليوروهات

 

15 مليون يورو.. أب لمئات الأبقار حول العالم

الميزة التي تركها هذا الثور في إناثه هي الأربطة المَتينة لضروعها وارتفاعها عن الأرض، مما يسهل عملية حلْبها، إضافة إلى أنه ثور خصب جدا، كان سائله المنوي -الذي كان يطلق عليه غبار الذهب- يُجمع ثلاث مرات في الأسبوع، ويوزع على ستين دولة في العالم، بسعر يضاهي ثمانية أضعاف أي سائل لأي ثور آخر.

ويتابع بومار: يقدر عدد بنات الثور “جوكو” بـ400 ألف ابنة حول العالم، وتقدر عائدات مبيعات سائله المنوي بحوالي 15 مليون يورو، وقد استمر سائله المنوي يُجمع على مدى 16 عاما، حتى سنة قبل وفاته، والغريب أنه لم يسمح له بمقابلة بقرة واحدة في حياته.. كم هم أشرار بنو البشر! وقد كوفئ هذا الثور الخصب بتأمين عنقه من مقصلة الجزار وأن يعيش سنوات تقاعده بهدوء وينعم بنهاية حياته بسلام.

الهولشتاين.. بقرة ذات سلالة عريقة

 

5 آباء لملايين البقر.. انحرافات جينية في زواج الأقارب

في المسابقات المخصصة لجمال الأبقار، تتربع سلالة “هولشتاين” على عرش الجمال، إنها بقرة –مصممّة- بكل أجزاء جسدها لإنتاج الحليب، نتيجة لعدة أسباب، منها تباعد المسافات بين أطرافها الخلفية، واتساع الحوض، وحجم الضروع الضخمة، وأربطتها المتينة إلى الجسم، وارتفاعها عن الأرض، حجم الحلمات المناسب لآلات الحلب، فكل هذه الخصائص هي من علامات الجمال لدى الأبقار.

ولكن المخيف في الأمر أن 200 مليون بقرة “هولشتاين” في العالم تعود لخمسة آباء فقط من القرن الماضي، ويحذر كثير من الخبراء من أن التوالد الداخلي وزواج الأقارب قد يؤدي إلى انحرافات جينية خطيرة، تؤدي إلى ظهور أمراض غريبة يصعب شفاؤها، والسيء في الأمر أن هذه الانحرافات بطيئة وخفيّة الظهور في أجيال متباعدة.

التوالد الداخلي وزواج الأقارب قد يؤدي إلى انحرافات جينية خطيرة

 

العبقرية الجينية.. حيوان برتبة آلة

مع تطور العلوم واكتشاف الحمض النووي(DNA) ، تغيرت معايير جمال الأبقار، ولم يعد الضرع الكبير بالضرورة معيارا حقيقيا. ونتيجة لأبحاثه المتواصلة على الحمض النووي لأبقاره، توصل عالم الوراثة ومربي الأبقار “مايك ماكنيل” إلى التركيبة المعيارية للجينات في الأبقار، وأنتج البقرة “الدومينانت” (Dominant) أو البقرة الخارقة.

وفي عام 2009 أصبح بنك المعلومات من الجينات المعيارية التي توصل إليها “ماكنيل” المرجع الأساسي لمربي الأبقار حول العالم، ونتيجة لذلك أصبحت للحيوان قيمة جينية، وصار ثمنه يعتمد على الصفات الوراثية المسجلة في جيناته.

لكن رغم ذلك فإن التحدي يبقى قائما، لأننا نتعامل مع كائن حي يتأثر بظواهر طبيعية غير متناهية في محيطه، إنه ليس سيارة تجمع أجزاءها حسب ترميز معين، كما يقول “فريدريك لوبيه” رئيس عمليات الاختيار لشركة جينز ديفيوجن.

التركيب الجيني .. يحدد نوع البقرة المطلوبة

 

بنك الحيوانات المنوية.. ما هي خياراتك المفضلة؟

صارت شركات الاختيار تروّج لثيرانها بناء على بنك معلومات جيناتها، فتعرض على الزبائن توفير الخيارات التي يريدونها، سواء أرادوا أبقارا بقرون أو بدونها، أو أرادوا إناثا فقط، أو حليبا غنيا ببروتينات معينة، أو يعِدونهم بولادة سهلة مثلا. كل ذلك متوفر في بنوك الحيوانات المنوية لثيران منتقاة بعناية، وكل قذفة من سائلها المنوي تباع بآلاف اليوروهات لتنتج عشرات أو مئات الأبناء.

تتيح خوارزميات التزاوج المطورة في شركات الاختيار فُرصا أمثل للتزاوج، يراعى فيها الابتعاد عن التزاوج الداخلي أو ما يعرف بزواج الأقارب، ويراعى فيها كذلك اختيار الثور الأمثل الذي تغطي ميزاته على عيوب البقرة المتزاوجة.

غير أن هذا التكاثر الآلي قد قضى إلى حد كبير على التواصل الجنسي الطبيعي بين الحيوانات، وصارت البقرة أكثر شبها بالآلة التي تنتج حليبا أو لحما فقط، دون النظر إليها على أنها روح حية، تبا لجشع بني البشر!

أبقار اللحوم في بلجيكا تزن نحو 900 كيلوجرام وتنتج ثلثي وزنها لحما

 

سلالة الثور الأزرق.. الأمثل لإنتاج اللحوم

يمثل الثور البلجيكي الأزرق “جين كولار” طفرة في عالم لحوم الأبقار، ويمتاز بالظهر العريض من المنطقة الخلفية، ما يمنحه ميزة عظيمة في إنتاج أجود اللحوم على الإطلاق. يزن هذا الثور ما معدله 900 كيلوغرام، مما يجعله قادرا على إنتاج كمية من اللحم الصافي تقدر بحوالي 600 كيلوغرام، فيما لا يتعدى معدل إنتاج أصناف أخرى 250 كيلوغرام من اللحم.

يتم استهلاك ما يقارب 70 مليون طن من لحوم الأبقار حول العالم سنويا، أي أنه يتطلب ذبح 300 ألف حيوان سنويا، وينتج مسلخٌ مقام في إحدى ضواحي بوينس آيريس عاصمة الأرجنتين ما يقرب من 10 آلاف ذبيحة فجر كل يوم، ثلاثة أرباعها من العجول المخصصة لإنتاج اللحم، بينما ربعها الباقي هي أبقار كانت مخصصة لإنتاج الحليب وأحيلت على التقاعد.

وتبقى جدلية أكل ذوات الأرواح قائمة في المجتمعات البشرية المختلفة، فمن قومٍ كالمسلمين يرون أنها نعمة من الله أمر بالإحسان إليها في حياتها، والإحسان في ذبحها، ومن ثم التلذذ بلحمها الحلال، إلى قومٍ يرون أنها كائنات زائدة على الحياة، ويجب التخلص منها، ناهيك عن الطريقة البشعة في إزهاق أرواحها، بينما يوجد أناس يعارضون ذبحها وتثور ثائرتهم عندما يرون الدماء تسيل، ولكنهم لا يترددون في أكلها عنما تداعب الروائح الشهية أنوفهم، إضافة إلى مجتمعات تحرم ذبحها وأكلها. ولله في خلقه شؤون.

روزيتا بقرة مستنسخة جينيا تُدرّ حليبا كحليب البشر

 

“روزيتا” والحليب البشري.. الجدلية الأخلاقية للاستنساخ

لم يقتصر خيال الإنسان الجامح على اللحم والحليب فقط، بل تعداه إلى تصنيع حليب داخل الأبقار يقترب من صفات الحليب البشري، فهذه “روزيتا” أول عجلة يتم تعديل جيناتها، بإضافة جينَين بشريين مسؤولين عن إنتاج بروتينات معينة في الحليب البشري، وأوكلت مهمة رعايتها إلى “كارلوس لوباتو” الذي قال إنه لا يسمح لها بالرعي مع الأبقار الأخرى.

بدوره، يقول خبير التهجين الجيني السيد موتشي إنه يشتري هذين الجينين البشريين من أمريكا عن طريق الإنترنت، ويتم حقن هذه الجينات في بويضة، بعد استبدال الحمض النووي فيها بالحمض الجديد، وبعد عمليات الانقسام المخبري للبويضة يتم تلقيح بقرة معينة بها، وهكذا وُلدت لنا “روزيتا” بطريقة الاستنساخ، فليس لها أبوان معروفان، وهي بذات الوقت تحمل هذين الجينين البشريين.

حصلت المعجزة، وها هي “روزيتا” تنتج حليبا يساوي في صفاته الجينية حليب أمهات البشر. والآن وبعد خمس سنوات على ولادة “روزيتا” تثور جدلية أخرى حول منتجات الأبقار المعدلة جينيا، يلخصها “موتشي” بمعضلتين: الإطار القانوني، والقبول المجتمعي.

جسم البقرة أصبح يسمى “مفاعلا حيويا”، وتجاوزت وظيفتها الأساسية كمنتج للحليب واللحم

 

المفاعل الحيوي.. فأين تذهبون؟

وعلى غرار “روزيتا” تعمل معاهد البحوث الدوائية في الأرجنتين على إنتاج أدوية معينة ومضادات حيوية وهرمونات خاصة مثل الأنسولين داخل حليب البقر، حيث أن جسم البقرة أصبح يسمى “مفاعلا حيويا”، وتجاوزت وظيفتها الأساسية كمنتج للحليب واللحم.

لا يُعرف على وجه التحديد إلى أين ستأخذنا وحشية الإنسان في التعامل مع غيره من الكائنات، ولا جشعه وحُبه للربح الفاحش على حساب مقوّمات الحياة الأخرى، ولا فضوله وخياله الجامح على حساب الواقع الأليف. لكن المؤكد أن الحياة كانت ستكون أفضل لو تعامل الإنسان مع الطبيعة والمخلوقات الأخرى بنفس التوازن والسُّنن التي خلق الله الكون عليها.