“الحياة البسيطة”.. كيف نتخلص من هوس الحياة الاستهلاكية؟

 

مها فجال

هنالك عبارة لافتة للمحلل البارز لسلوك المبيعات، فيكتور ليبو، اعتبر فيها الاستهلاك في العصر الحديث بمثابة “دِين جديد”، ولهذا الدين معابد وطقوس أيضا. المعابد هي مراكز التسوّق والطقوس هي التسوّق والاستهلاك، والشرط الذي لا بد منه لهذا الدين الجديد هو الاستهلاك. طبعا لهذا الدين كَفرة أيضا ترتد عن هذا الدين عندما تخرج هذه الكلمة منهم “كفى”. ممنوع عليكم أن تلفظوا هذه الكلمة بأي شكل من الأشكال، يجب أن تقولوا لا يكفي، هل من مزيد؟ وسيبيعونك أشياء جديدة على الدوام.

وهبتنا الحياة الحديثة والثورة الصناعية وفرة وثراء غير مسبوقين في تاريخ البشرية. ولّت الأيام التي كان يجتهد فيها معظم الناس لتوفير أبسط أساسيات الحياة، وصار من السهل واليسير على نسبة ليست بالقليلة أن يشتروا ما يكفيهم من كل شيء ويبقى لديهم فائض من مال وموارد.

قد يبدو هذا رائعا، وتحقيقا لحلم مشترك راود البشر منذ الأزل، لكن تلك الوفرة لم تأت دون نصيبها من المشاكل. فكأي تغيّر جذري وشديد يطرأ على المجتمع، شكّلت الوفرة الحاصلة ثقافة موازية لها، إذ تخلصت من قيم الزُهد والتوفير والإنفاق على قدر الحاجة والتي كانت ضرورية لبقاء البشر طوال العصور الماضية، وأخذت تغرينا بشراء كل ما يمكن للمال شراؤه. وبما أنه قد صار لدى معظمنا من الموارد المالية ما يكفي لفعل هذا، انجرفت ثقافتنا وراء حُمى الاقتناء والتسوّق.

 

جنة الرأسمالية.. وإلا!

انتشرت الأسواق والمراكز التجارية في المدن مثل خلايا سرطانية تنقسم وتتضاعف بلا نهاية، وأخذت تُغرِق كل مكان، حتى صار من النادر أن تجد شارعا أو ميدانا خاليا من المحال. ومع النمو المُطرد للسلع والأسواق، زاد أيضا ميلنا للشراء وحُبنا لاقتناء كل جديد، حتى صار ذلك بمثابة العرف المُتفق عليه بين الجميع.

 فصار دخلك الشهري وحجم ثروتك هما اللذان يحددان ما ستقوم بشرائه، بغض النظر عن حاجتك الحقيقية إليه. وفي ثقافة مُصابة بهوس الاقتناء، صارت المقتنيات نفسها تحمل ثقلا ليس بالبسيط في تقييمنا كأشخاص، فكلما كان ما تستهلكه وترتديه وتقوده أغلى، احترمك الناس أكثر.(1)

وهكذا، فكلما ارتفعت طبقتك الاجتماعية خرج العيش برفاهية من حيز الرفاهية وأصبح أقرب إلى الضرورة، فالكل من حولك يقتني أغلى الأشياء، وأنت لا تريد لنفسك ولا لأبنائك أن يشعروا بأنهم دون الآخرين أو أسوأ منهم.

ربما لم يصف أحد الوضع الحالي أفضل من الشخصية التي لعبها إدوارد نورتن في فيلم “نادي القتال” عندما قال “صرنا نشتري أشياء لا نحتاجها بأموال لا نمتلكها لنبهر أناسا لا نحبهم”. ولا يأتي غالبا الرُقي المجتمعي المطلوب بلا وظيفة مرموقة تُدِر دخلا كبيرا.

ومع الوقت، تنفصل الوظيفة عن حيزها الضيق من كونها شيئا نفعله لنجني من الأموال ما يُعيننا على الحياة، لتصبح كيانا بأكمله. وصرنا نُخصص لذلك الكيان أغلب ساعات صحونا، ونخاف أكثر ما نخاف من أن يتم نعتنا يوما بالفاشلين، نخاف لأن ذلك من شأنه التقليل من فرص حصولنا على وظائف في أماكن مرموقة مما يعني أن تصبح الأموال التي نجنيها أقل، ونُنفى إثر ذلك من جنة الرأسمالية الاستهلاكية فنفقد الاحترام الذي تسوقه علينا الألقاب والمناصب.

يعبر الكاتب والفيلسوف المُعاصر آلان دي بوتون عن تلك الحالة في كتابه “قلق السعي إلى المكانة” ويقول “لا ننفق الكثير من الأموال على الرفاهية لأننا طماعون، بل لرغبتنا في أن يكون الآخرون لطفاء معنا. فنحن نعيش في عالم من الأشخاص المُتكبرين، عالم تتوقف فيه الطريقة التي ستتم بها معاملتنا على مدى قدرتنا على إظهار أننا على ما يرام ماديا، عالم نخاطر فيه بأن يتم تجاهلنا والتسلط علينا عندما لا نُبرز ما نتمتع به من مكانة وسلطة”.

فنحن لا نرغب في السلع الكمالية بقدر رغبتنا في الطيبة التي سيقابلنا الآخرون بها، ففي أي لقاء جديد يكون السؤال الأكثر طرحا هو ماذا تعمل؟ وبناء على الإجابة، إما أن يرحب بك الناس بشدّة، وإما أن يتفادوك وكأنك مُصاب بالطاعون.(2)

يصيبنا كل هذا بقلق لا يطاق، ويضع علينا ضغطا شديدا، وقد يصل البعض منّا إلى نقطة ينظر فيها حوله ويتساءل: لماذا أفعل كل هذا؟ ولن يجيبه حينها سوى الصمت وأكوام المقتنيات الصمّاء المُتراكمة حوله والتي لم يحتج إليها يوما، لكنه اشتراها لأن الكل يفعل هذا، ولأنه يعيش في ثقافة تجعل من شراء كل ما يمكن للمرء أن يشتريه فرضا.

عند هذه النقطة، يضرب الشك في جدوى ومعنى تلك الثقافة في كيان المُتسائل، وتبدأ حينها أول بذور الكُفر بها والبحث عن نمط مختلف للحياة، وعند هذه النقطة قابلنا “سدات أوتشال” الشخصية الرئيسية في وثائقي “الحياة البسيطة” الذي بثته الجزيرة الوثائقية عام 2017، وسنرافقه في رحلة بحثه عن حياة أفضل لا تتخذ من الدورة المُفرغة للعمل وجني المال والشراء وقودها.

في ثقافة مُصابة بهوس الاقتناء، صارت المقتنيات نفسها تحمل ثقلا ليس بالبسيط في تقييمنا كأشخاص، فكلما كان ما تستهلكه وترتديه وتقوده أغلى، احترمك الناس أكثر

إسماعيل وزوجته وابنته الصغيرة يعيشون في بيت ريفي، يرحبون على الدوّام بأي زائر جديد يريد أن يعيش معهم لبضعة أيام

 

طرق بديلة.. تمرد على حياة المدينة

ليست الثقافات المغايرة المُضادة لنمط الاستهلاك الجنوني الذي صار يُميز عصرنا الحديث وليدة الأمس، فمنذ نهايات القرن العشرين قامت حركات متعددة تدعو لنبذ كل التعقيدات التي باتت تفرضها علينا حياتنا الحديثة واللجوء لنمط حياة أكثر بساطة.

يُظهر الوثائقي الطيف الواسع الذي تتحرك داخله تلك الحركات، ومن أكثر الحركات راديكالية وتدعو إلى نبذ المدينة بأسرها وشدّ الرحال للعيش في الطبيعة حركات مثل “العودة للأرض” (3) (back to land) و”الزراعة المُعمّرة” (4) (permaculture)، وهناك حركات أكثر اعتدالا تحاول المواءمة بين الحياة في المدينة وسلوك أنماط أقل استهلاكية وتمركزا حول نشاطات التسوّق والشراء مثل حركة “الاختزالية” (5) (minimalism).

ويقطع “سدات” طريق الزيارات لمن يعيشون وفق تلك الحركات ليتكلم معهم ويفهم طريقة معيشتهم، ونرى لمحة من الحياة بطرق أخرى غير تلك التي اعتدنا.

وبالرغم من أن تلك الحركات حديثة نسبيا، وظهرت كردّة فعل على حُمى الاستهلاك في العصر الحديث، فإنها تستلهم دون شك أفكارا أخرى سبقتها.

يبرز منها فلسفة أبيقور الفيلسوف اليوناني الذي جمع أصدقاءه وتلامذته للعيش خارج المدينة مُبتعدين عن أنظمتها الضاغطة وبريقها المادي الزائف، واتخذوا معا بيتا واسعا على تخومها، زرعوا في حديقته كل ما احتاجوا إليه من طعام، وتحرروا بهذا من ضرورة العمل من أجل كسب المال، ليتفرغوا للقراءة والتعلم والتحاور سويا. وبهذا، طبق أبيقور فلسفته الشخصية التي كانت تدعونا للتخفف من كل ما يضغط علينا من أثقال مادية، والسعي نحو السعادة كمتعة روحية.(6)

ولا يختلف كثيرا ما فعله أبيقور في القرن الثالث قبل الميلاد عمّا فعله إسماعيل ينيغون -وهو أول من ذهب “سدات” لزيارته- منذ بضع سنين، فقد اتخذ إسماعيل بيتا متواضعا غرب تركيا فوق قطعة أرض كان قد اشتراها بعيدا عن العُمران، وحوّل الأرض لمزرعة تُنبت كل ما يحتاج إليه من غذاء.

يعيش إسماعيل في ذلك البيت مع زوجته وابنته الصغيرة، مُرحبا على الدوّام بأي زائر جديد يريد أن يعيش معهم لبضعة أيام، حتى يجرب بنفسه نمط تلك الحياة المختلف.

يقول إسماعيل “يُمكن أن يُبنى مأوى دون نفقات أو مقابل نفقات زهيدة جدا، ويمكنك أن تُنتج غذاءك بمواد محلية بكل سهولة، هذا ممكن. يتعلم الناس هنا أثناء إقامتهم بالممارسة العملية أن القيام بهذه الأمور سهل للغاية، وأن الانتقال إلى الحياة البسيطة لا يعترضه سوى موانع في أذهاننا. نريد أن يتعلموا هذه الأمور عبر ممارستهم العيش هنا لا عبر الحديث معنا”.

التفكير بكيفية التخلص من حياة الاستهلاك المدنية والعيش مع الأولاد

 

الاختزالية.. نحو استهلاك أقل

لكن ذلك الخيار يبدو صعبا أمام الكثيرين، فقرار نبذ العمل والمنزل المُستقر والمدينة بأسرها ليس باليسير. لذا، يبحث البعض عن حل وسيط، يجمع بين الانفصال عن ثقافة الاستهلاك، والاستمرار في العيش في المدينة. ولهؤلاء، مثّلت حركة “الاختزالية” النمط الأمثل.

استلهم أسلوب حياة الاختزالية الحركة التي قامت في الأدب ومختلف الفنون في مُنتصف القرن العشرين، والتي اتجهت نحو التخلص من الزخارف والزيادات والإبقاء فقط على ما هو ضروري للغاية، لينتج عن هذا أعمال فنية تتسم بالبساطة والعُمق.

وتقوم الاختزالية كأسلوب حياة على الشيء نفسه، فيتجرد من يختارون ذلك النمط من كل الأغراض غير اللازمة أو الضرورية، ويعملون على تقليل ما يمتلكون للحد الأدنى تماما، ساعين بهذا لتحقيق درجة من البساطة والصفاء الذهني لا يمكن الوصول إليها وسط زحام الأغراض والممتلكات. وبينما تتجه الثقافة الاستهلاكية دائما نحو المزيد، تتجه الاختزالية نحو الأقل. (7)

وفي الوثائقي يقول “يُكسل بايضار” أحد أتباع ذلك الأسلوب في حياته “ليست المادة سوى حالة تكثيف للطاقة، فهي ليست شيئا يُضحى بالحياة من أجله، لأنها عبارة عن مركب من الطاقة فقط، ولن يكون اختلاف حالكم بين امتلاكها وعدم امتلاكها كالاختلاف بين الجنة والنار”.

يُسارع سدات بتطبيق ذلك النمط في حياته الشخصية، فيُحضر وزوجته صناديق كبيرة يعبئونها بكل الأغراض التي لا يرون لها حاجة في بيتهم، وعند الانتهاء لا يبقى لديهم سوى كل ما هو أساسي فقط.

يترك الفراغ الذي يُخلفه التخلص من كل ما هو زائد عن الحاجة؛ مساحة أكبر في حياة المرء لما هو مُهم حقا، فتقوم الاختزالية بإعادة ترتيب الأولويات، واضعة في القمة الأشياء التي تعطي لحياتنا معناها، مُتخلصة تماما من كل ما عدا هذا.

تقول “كورتني كارفر” مؤسسة أحد المواقع التي تكتب عن الحياة البسيطة “ما يبدأ كرحلة خارجية (عبر التخلص من الأغراض وقطع كابل التلفاز)، سرعان ما يتحول لشيء خاص للغاية، شيء ذي معنى عميق. فتبدأ بالتفكير في الأغراض، ليس فقط كأشياء بل كالتزامات وديون وضغوط. ثم تبدأ في رؤية كيف أن تلك الأغراض تقف في طريق حياتك، وتقرر أن تقوم بتغيير كبير. في تلك اللحظة، تدور الاختزالية أكثر حول ماهيتك كشخص، وليس على ما تقتنيه من ممتلكات”. (8)

نرى سدات وأسرته في نهاية الوثائقي وبعد عام من اللحظة التي قرر فيها أنه لا يريد لحياته الدوران في فلك الثقافة الاستهلاكية، نراهم يمتلكون مقتنيات أقل وراحة بال أكبر ومساحة أوسع من الوقت، يقضون فيها ساعات من السرور الهادئ على شاطئ البحر أو في قلب حديقة، بعيدا عن زحام مراكز التسوّق وشوارع المدينة المُكتظة بالسيارات والناس. وفي النهاية، من قال إننا نحتاج لأي شيء أكثر من بالٍ رائق وحب صاف لنشعر بالسعادة؟

 

المصادر:

  1. Why the simple life is not just beautiful, it’s necessary
  2. قلق السعي إلى المكانة، آلاد دي بوتون
  3. Back-to-the-land movement
  4. Permaculture
  5. Minimalism
  6. أبيقور.. فيلسوف اللذة
  7. Minimalism
  8. WHAT IS MINIMALISM? AN INTRODUCTION TO LIVING WITH INTENTIONALITY