فوق النخل.. أسطورة حب في بلاد الرافدين

 

خاص- الوثائقية

في الحكايات البغدادية القديمة، يُحكى أن فتاة من الطبقة الراقية أطلّت ذات يوم من شرفتها فلمحها عامل بسيط وبهره جمالها وأطبق حبها على قلبه من النظرة الأولى.

وفي الوقت ذاته أحس المتيّم أنه وقع في ورطة، فليس لوصلها من سبيل، ولا يمكنه حتى البوح بهذا الحب، فأخذ يدندن ويغني “فوق إلْنا خِل”، أي في الأعلى لنا حبيب أو معشوق.

وعندما سمعه الجيران لم ينتبهوا إلى إدغام اللام بالنون واعتقدوا أنه يقول “فوق النّخل” فرددوا العبارة على هذا النحو، فتحولت الكلمات لاحقا إلى أغنية تثير الشجن بين السمّار والعشاق في بلاد الرافدين.

وضمن سلسلة “حكاية أغنية”، تروي الجزيرة الوثائقية قصة “فوق النخل”، فتتحدث عن تاريخها وشخوصها وأمكنتها.

 

يبدأ الفيلم بلقطة من جسر الشهداء الذي يمر فوق نهر دجلة ليربط بين الكرخ والرصافة، ويبدو في المشهد شارع المتنبي الأكثر شهرة في بغداد.

وفي لقطة أخرى تظهر في الصور فتيات مبتهجات وواحات نخيل وكتُب على الرصيف وأسواق ومحلات تراثية تحكي جانبا من عراقة المدينة التي بناها العباسيون قبل 1200 عام.

من التراث الصوفي

ومن المتفق عليه أن كلمات الأغنية الحالية كتبها الفنان والموسيقار الملّا عثمان الموصلي، وهو فنان صوفي كان على صلة بالقصور العثمانية، ودرّس الكثير من فناني العراق ومصر والشام.

ويروي الدكتور هيثم شعوبي -وهو أكاديمي مختص في التراث الموسيقي العراقي- أن كلمات الأغنية كانت نصا دينيا للملا عثمان الموصلي. ويضيف أن الأغنية كانت تحمل عنوان “فوق العرش” وتُغَنى في مقام الحجاز المشحون بالشجن والوله الذي يؤثر في نفسية الإنسان العراقي والعربي.

فرق عالمية تعيد غناء “فوق النخل” بنفس اللحن لكن بوجوه وأزمان مختلفة

 

ولفترة كانت تُغَني في المواليد والمناسبات الدينية، ثم استهوت البغداديين وحملت عنوان “فوق النخل” وقرنوها بالحيرة والحب والسمر.

غناها لأول مرة الفنان العراقي الشهير ناظم الغزالي في بيروت، ووزعها الفنان جميل بشير، وشدا بها أيضا المطرب المخضرم صباح فخري والعديد من فناني العراق.

شهرة عالمية

وفي سبعينيات القرن الماضي استضافت بغداد المايسترو الألماني هانز مومر وأعجبه لحن “فوق النخل” فغنتها فرقته وحولتها إلى قطعة موسيقية عالمية.

كذلك، غنت “فوق النخل” فرق فنية من الصين وأمريكا وأرمينيا وصربيا ومناطق أخرى، إلى جانب العديد من الفرق الفنية في العراق.

ويلفت الأكاديمي شعوبي إلى أن “فوق النخل” أغنية طربية وتراثية تحتل مكانة خاصة في الوجدان العراقي مثل “على دلعونا” في فلسطين و”الميجانا” في بلاد الشام ولبنان.

وعلى وقع العزف بالعود، تجولت الكاميرا شرقي النهر وغربيه، وبدت بغداد وهي لا تزال على جمالها وعراقتها رغم غدر اللصوص وتكالب الغلاة والغزاة.

 

ويختم الوثائقي بفرقة فنية تتمايل طربا وتغني:

فوق النخل فوق يابا فوق النخل فوق

مدري لمع خده يابا مدري القمر فوق

والله ما أريده باليني بلوة

متن وشعر وخدود يابا ميّزك ربك

لهذا السبب يا هواي خلاني أحبك

والله معذبني وما عنده مروة

وينشدني البطران ليش وجهك أصفر

كل ما مر بيه يابا من درب الأسمر

والله سابيني بعيونه الحلوة

تسألني علتي منين يابا وأنت سببها

كتبه عليه هاي يابا ربك كتبها

والله ما أريده باليني بلوة..