عدوية الأبنودي.. حكايات الحب في يوميات الفلاحين والكادحين

ولدت أغنية “عدوية” في ستينيات القرن الماضي، والتي كتب كلماتها الشاعر عبد الرحمن الأبنودي

 

خاص-الوثائقية

ما أوْجُهُ الحَضَرِ المُسْتَحسَناتُ بهِ
كأوْجُهِ البَدَوِيّاتِ الرّعَابيبِ
حُسْنُ الحضارَةِ مَجلُوبٌ بتَطْرِيَةٍ
وَفي البِداوَةِ حُسنٌ غيرُ مَجلوبِ

في رائعة الخيميائي لباولو كويلو، وقع البطل في هوى بائعة الصوف في الأندلس ثم أطبق عليه حب بدوية أخرى عندما ابتلعته صحراء الفيوم، وفي الآداب العربية والأجنبية قصص كثيرة عن جمال القرويات وبساطتهن وكيف يسلبن الألباب دون الأخذ بالأسباب.

في ظروف مشابهة، ولدت أغنية “عدوية” في ستينيات القرن الماضي، والتي كتب كلماتها الشاعر عبد الرحمن الأبنودي.

والأبنودي شاعر مصري كبير له إسهامات بارزة في الشعر الشعبي ومن أهم أعماله “السيرة الهلالية” التي تضم أكثر من مليون بيت جمعها من شعراء الصعيد.

 

الحكاية من البداية

ذات مرة زار الأبنودي صديقه الملحن عبد العظيم عبد الحق، وعندما حضرت الخادمة القروية لتقدم له الشاي سحرته بجمالها وبساطتها وعفويتها.

سألها عن اسمها، فردت: عدوية. وعلى الفور أمسك بالقلم وكتب فيها شعرا:
لما طرحت الشبك طلع الشبك خالي
وإيه يعمل اللي انشبك في الحب يا خالي
صياد وخدت البحر رسمالي
صياد ورحت أصطاد صادوني
عدوية
طرحوا شباكهم برمش العين صادوني
يا عدوية..

وضمن سلسلة حكاية أغنية تروي الجزيرة الوثائقية قصة أغنية “عدوية” من لحظة كتابتها إلى تلحينها وغنائها، وكيف تحدثت كلماتها عن الحب في الحياة اليومية للبسطاء والكادحين والفلاحين.

 

الأبنودي.. كلماته تصبح لحنا

وبعد أن كتب الأبنودي الكلمات تركها مع صديقه عبد الحق لتلحينها، لكنه لم يتمكن من إنجاز المهمة، فما إن ينطق مفردة “عدوية” حتى تحضر الخادمة ظنا منها أنه ينادي باسمها.

لاحقا وقع الاختيار على بليغ حمدي، وهو ملحن موهوب ترك بصمته على المشهد الموسيقي في مصر لأكثر من ثلاثة عقود.

وكما كانت عدوية بسيطة وجميلة ورقيقة، جاءت كلمات الأبنودي تحمل هذه الصفات، وتحكي واقع الناس ونظرتهم للحب وكيف يوظفون مفردات البيئة والطبيعة في التعبير عن مشاعرهم:

طرحوا شباكهم برمش العين صادوني
يا عدوية
آه يا ليل يا قمر والمانجا طابت على الشجر
اسقيني يا شابة وناوليني حبة مية
اسمك النبي حرصك إيه
اسمك إيه ردى عليا
عدوية
آه يا عدوية..

في عام 1965 بيع نصف مليون نسخة من الأغنية وبدا يومها أن الساحة تستوعب مغنيا آخر غير عبد الحليم حافظ

 

صعود نجم.. وأفول آخر

هذه الكلمات غناها المطرب الشعبي محمد رشدي وحضر التسجيل مندوب حكومي واشترى الأغنية لصالح حفلات “أضواء المدينة”، وخرجت “عدوية” للنور.

في حديثه بالوثائقي يقول الكاتب سيد محمود “صوت محمد رشدي يقظ وطازج وحيوي وندي ويؤدي طاقة إيجابية، وكان يجسد في نبرته هموم الفلاحين والبسطاء”.

في عام 1965 بيع نصف مليون نسخة من الأغنية وطغى اسم محمد رشدي في المشهد الموسيقي في مصر، وبدا يومها أن الساحة تستوعب مغنيا آخر غير عبد الحليم حافظ.

وعلى خلاف حافظ المحلق في الرومانسية والمتورط في السياسة الناصرية، كان رشدي شخصا بسيطا وقد فاجأ الجمهور بأغنية تتحدث عن الحب بالطريقة الشعبية وتحمل صورا من الحياة اليومية للناس.

وبالفعل أثارت عدوية غيرة حافظ، ولكنه تعامل معها بطريقة ذكية، فطلب من بليغ حمدي والأبنودي كتابة وتلحين أغان شعبية، وعمل على تقريب رشدي منه واصطحبه معه في بعض رحلاته الخارجية.

ويقول الموسيقار منير الوسيمي “أغنية الأبنودي ومحمد رشدي وبليغ حمدي كانت علامة ومحطة مهمة في الغناء المصري”.