خشب على مقاس إيكيا.. طبيعةٌ في بيوتنا.. خرابٌ في الغابات

عبد الله أيدّه

تخيل أنك أردت أن تغير مظهر منزلك النمطي من الأرضية إلى السقف، أن يتلاشى اللون الرمادي من جدرانك، وتختفي الأرضية الكريهة، لتغطي منزلك غطاء طبيعيا جذابا ومريحا للجسد والضمير، فمع الخشب يصبح المكان أكثر دفئا وأقل ضررا على البيئة، فألواح الأرضيات خشبية، وأدراج الخزائن خشبية، وقطع الأثاث المنزلي خشبية، وألياف النسيج خشبية، وبذلك يصبح المنزل أكثر تناغما مع الطبيعة.

لكن تخيل بعد اكتمال فرحتك أن 15 إلى 30% من تجارة الأخشاب في العالم هي من أصل غير قانوني كالأشجار المقطوعة دون ترخيص أو في الأماكن المحظورة، وهي تجارة تبلغ 11 مليار دولار سنويا في أقل تقدير.

نستعرض فيما يلي فيلم “خشب على مقاس إيكيا”، حيث أجرى فريق الفيلم تحقيقا عن الشركة الأولى في مجال تصنيع الأثاث “إيكيا” (IKEA) وشبكاتها من كبار المقاولين السريين حول العالم، وعن أختها الإندونيسية شركة “آب” (APP) الرائدة في مجال صناعة الورق، وعن أضرار كل ذلك على البيئة على المدى البعيد.

 

صديق البيئة!

تقدم شركة إيكيا نفسها في إعلاناتها على أنها صديقة للبيئة، فهي أكبر مستخدم للخشب التجاري في العالم، حيث يتم نشر 16 مليون متر مكعب منها سنويا، وتدّعي الشركة أن خشبها مستدام ومقطوع بطرق قانونية سليمة.

تقول الشركة “حجم شركتنا الكبير يعني أننا نتحمل مسؤولية هائلة، كل الخشب المستخدم في منتوجاتنا من مصدر قانوني، وليس له تأثير سلبي على البيئة”.

هكذا تقول الشركة، ولكن لا يمكننا أن نتأكد من ذلك في ضوء رفض الشركة منح أسماء مزوديها بالخشب، فتلك معلومات سرية كما يقولون، لذلك كان علينا أن نعتمد على بعض المعلومات المدونة على بعض منتجاتها، وبالخصوص خزانة أدراجها التي تحمل العلامة التجارية “بريمنز” (Brimnes).

15 إلى 30% من تجارة الأخشاب في العالم هي من أصل غير قانوني كالأشجار المقطوعة دون ترخيص
15% إلى 30% من تجارة الأخشاب في العالم هي من أصل غير قانوني كالأشجار المقطوعة دون ترخيص

 

صنع في رومانيا

تمثل غابات رومانيا -المشوهة المنظر بفعل البحث عن الخشب- نسبة 6% مما تنتجه شركة إيكيا سنويا، الأمر الذي أفسد المناظر الطبيعية في أجساد الجبال الخضراء حتى أصبحت كما لو أنها ممزقة بخدوش الذئاب المحلية، سواء عبر الأقمار الصناعية أو بالعين المجردة، ولكن عند متابعة الإحداثيات نقطة بنقطة في إحدى المناطق المقطوعة بغابة كونيفيروس مثلا نكتشف أن مساحة القطع تبلغ 310 آلاف كيلومتر مربع، أي ما يعادل 42 ملعب كرة قدم.

وجد صنّاع الفيلم على خزانة أدراج بريمنز عبارة “صنع في رومانيا” فشدوا الرحال إليها، ثم قاموا بالبحث عن طريق محرك بحث غوغل عن العلامة التجارية بريمنز واسم رومانيا، فوجدوا اسم شركة رومانية تدعى “إيكلور” (Ecolor)، وعلى موقعها الإلكتروني مقطع دعائي يروج للشركة الرومانية ويعامَل فيه الخشب بطريقة لطيفة وودودة سواء عبر الآلات أو العمال، كما يعلب بطريقة منظمة وجميلة تشبه أسلوب إيكيا، وذلك دليلهم الوحيد حتى اللحظة.

لا يوجد في موقع الشركة دليل على مصدر الخشب الذي تحصل عليه الشركة، لكن مصدرا مجهولا قام بمساعدة المحققين عبر وثائق تركها في خزائن أدراج بريمنز، وتلك وثائق سرية تمثل 99 صفحة من ملفات مكتب الضرائب الروماني تضمنت كل معاملات شركة إيكلور للتصنيع لعام 2014، والتي توضح أن جميع مبيعاتها تذهب إلى شركة إيكيا، ولكن من أين لها كل هذا الخشب؟

تدّعي إيكيا أن خشبها مستدام ومقطوع بطرق قانونية سليمة
تدّعي إيكيا أن خشبها مستدام ومقطوع بطرق قانونية سليمة

 

عملاق النشارة.. عدو الغابات

في الوثائق السرية لشركة إيكلور عثر المحققون على قائمة مزودي الشركة بالخشب، وإذا بالمزود الرئيسي شركة “كرونوسبان” (Kronospan)، إذ تقوم بتزويد الشركة بنسبة 75% من المواد الخام التي تقوم بتصنيعها، وهذه الشركة هي شركة مهمة تعد من أكبر شركات صناعة ألواح نشارة الخشب والألواح الليفية في العالم، وتنتشر أذرعها في 29 دولة حول العالم، وتستهلك كمية كبيرة من الخشب مثل إيكيا، وتعادلها بتحمل المسؤولية.

تقول الشركة على موقعها “تتعهد شركة كرونوسبان بدلا من تدمير الغابات الجميلة باستخدام المصادر المهملة مثل مخلفات الخشب منخفض النوعية، وقِطع الخشب الدائرية الصغيرة، والخشب المعاد تصنيعه”.

في مدينة سيبيش الرومانية المتواضعة يقطن 25 ألف نسمة، وتهيمن على أفقها شركة كرونوسبان بمداخلها الضخمة البارزة وجبال النشارة، وهنا في هذه المدينة تصنع الشركة الألواح الليفية فقط وألواح نشارة الخشب.

رفضت الشركة طلب تصوير الموقع، لكن فريق العمل قام بالتسلل إلى موقع التصوير، حيث صادف شاحنة توشك على الدخول، وحمولتها ليست من الأشجار الصغيرة -كما تدعي الشركة- بل هي خشب صلب وجذوع أشجار جميلة، ثم ذهبنا بعدها لتفقد حمولات أخرى فصادفنا حمولة أخرى أضخم جذوعا من سابقتها على أطراف المدينة توشك على الدخول، حمولة من خشب الزان الذي يتجاوز قطر جذوعه المتر وتتجاوز أعماره المئة أو المئتي عام.

سأل الفريق أحد السائقين عن مصدر الحمولة ووجهتها، فرد بأنها متوجهة إلى شركة كرونوسبان الليلة، وخلال الحديث معه قاطعهم رئيس العمال غاضبا متسائلا عن سبب وجود الفريق، ثم أمرهم بالذهاب إلى الشركة من أجل الحصول على المعلومات.

إذاً فخزائن الأدراج التي في منازلنا قامت بتصنيعها شركة إيكيا عبر ألواح الخشب التي قامت بتجميعها شركة إيكلور، وتلك الألواح مصنوعة من نشارة الخشب التي تقوم بها شركة كرونوسبان، والتي يبدو أنها -خلافا لما تدعي- تستخدم الخشب الصلب من الأشجار الجميلة الضخمة؛ إذا فخزائن الأدراج في منازلنا تبدو مصنوعة من جذوع أشجار الزان الرائعة التي يتجاوز عمرها مئة عام.

أنكرت شركة إيكيا المباشر مع شركة شفايغوفر في رومانيا
إيكيا.. أكبر شركات العالم لمنتوجات الأخشاب

 

بكارة غابات رومانيا المفقودة

اتجه الفريق إلى غابات ترانسلفانيا البكر التي بدأت تفقد بكارتها بشكل سريع في السنوات العشر الماضية، حتى أصبحت لا تغطي إلا 1% من أراضي رومانيا؛ حيث يتخذ الصندوق العالمي إجراءات للحفاظ على الحياة البرية فيها، بدعم كبير من شركة إيكيا التي لا تكف عن الحديث في تقاريرها دائما عن التنمية المستدامة، وتذكرنا بالخط العريض: نعمل مع الصندوق العالمي للحياة البرية من أجل حماية غابات رومانيا البكر.

ذهب فريق التحقيق إلى أعالي جبال تاكو التي يبلغ ارتفاعها 1300 متر فوق سطح البحر، وكان يرافقهم ناشط روماني يرأس منظمة “الوكيل الأخضر” غير الحكومية، وهي منظمة تكافح من أجل حماية هذه الغابات التي تجذب شركات صناعة الخشب العملاقة، وقادهم إلى غابات أولتانا التي يفترض أن تكون بكراً، ويفترض ألا نرى فيها أي أثر بشري.

تقوم السلطات الرومانية بجرد دوري للغابات على مدى عشر سنوات من أجل المحافظة على الغابات البكر التي تبلغ مساحتها 1180 كيلومترا مربعا، والتي يجب أن تكون محمية كلها على المدى الطويل، إلا أننا بنزولنا للأسفل وجدنا أن الحطابين قد سبقونا وقاموا بقطع جذور الأشجار، ولم يُبقوا إلا الجذوع النخرة، وخصوصا أشجار الزان النادرة التي تم تدميرها عندما علمت الشركات بأن هذه المنطقة ستخضع للحماية.

يقول غابي باون رئيس منظمة الوكيل الأخضر “هذه هي آلاف الأشجار التي قطعت في هذه المنطقة كلها، وتنتشر العملية إلى منطقة جبال الألب، لذا فهي معرضة للخطر، لقد دمرت للأبد، وما يحزن أكثر هو أن هذا منتشر في كافة أرجاء البلاد”.

إيكيا هي أكبر مستخدم للخشب التجاري في العالم
إيكيا هي أكبر مستخدم للخشب التجاري في العالم

 

لا أحد يهتم.. الوسائل مشروعة

ذهب الفيلم إلى أسفل الغابة لتتبع آثار تجارة الخشب ليجد أحد مصانع النجارة، وقد تحدث مع كبير الحطابين الذي لم يكن يجد مانعا في التحدث، وقال إنه كان يعمل في أخشاب غابة بولتانا، وإن لديه زبائن محليين، لكنه أيضا يبيع لشركة كرونوسبان التي تصنع ألواح نشارة الخشب وتعمل كمقاول فرعي لشركة إيكيا، وما تريده الشركة -حسب رئيس الحطابين- هو كمية كبيرة من الأخشاب سواء من الجذوع التي يصل طولها إلى متر أو أربعة أمتار، ولا يهمهم مصدر تلك الأخشاب.

بعد أربعة أشهر من المفاوضات وجد فريق العمل سبيلا للوصول إلى الشركة السويدية العملاقة، والتي تقع في الأرياف السويدية في مدينة آلمهولت الصغيرة التي يقطنها 15 ألف نسمة، يعمل ثلثهم في شركة تصنيع الأثاث الضخمة.

والتقوا في متحف إيكيا بالمسؤول عن مصدر الأخشاب ميكيل تاراسو للحديث معه عن التحقيق، وقد أفصح عن اسم كرونوسبان كمزود للشركة بألواح الأخشاب، والتي تشترط عليها أن تقوم بتصنيع الألواح من قطع الخشب المنشورة من الأشجار الصغيرة والخشب المنخفض النوعية من أجل استخدامه في العلامة التجارية بريمنز.

حين عرضت عليه الصحفية التي تحاوره مقطعا مصورا من مقر شركة كرونوسبان في رومانيا تستقبل حمولة من جذوع الأشجار، رفض التعليق معللا بأنه ليس متأكدا أن هذا تابع لشركة كرونوسبان، وبأنه لا يستطيع التعليق على متطلباتها التي ترسلها لمزوديها حين يتعلق الأمر بالمواد الخام، ولكن طالما أن مصدر أخشابها قانوني لا يأتي من مصادر فيها صراعات اجتماعية ولا تضر بغابات ذات قيمة عالية ولم يتم الحصول عليها بواسطة الاختلاس أو التعديل الوراثي، فليس لدى الشركة مانع في التعامل معها، ثم استدرك قائلا “إنهم لا يتعاملون مباشرة مع شركة كرونوسبان أصلا، رغم اعترافه أنها من قائمة المزودين”.

تقول إيكيا إنهم لا يتعاملون مباشرة مع شركة كرونوسبان لكنهم من المزودين لها بالأخشاب
تقول إيكيا إنهم لا يتعاملون مباشرة مع شركة كرونوسبان لكنهم من المزودين لها بالأخشاب

 

شفايغوفر.. سوسة الغابات

في غابة كونيفيروس المشوهة بفعل السوسة التجارية التي تنخر في جسدها، حاولنا العثور على معلومات تثبت تورط شركة “شفايغوفر” (Schweighofer) النمساوية ذات السمعة السيئة في رومانيا، والتي تحقق الحكومة الرومانية منذ عام 2015 بشأنها تحت ضغط ومظاهرات لناشطين في مجال حماية البيئة.

يقول واحد من أهل القرية “لقد أتت إحدى الشركات من شمال البلاد وسرقت أربعة آلاف متر مكعب من الأخشاب، ففي بداية 2014 وصل العمال إلى الغابة ومعهم سبع جرافات، وفي غضون ثلاثة أشهر دمروا الكثير بشكل غير قانوني، ثم تم تسليم الكمية كلها إلى شركة شفايغوفر، وكانت كمية تعادل مئة شاحنة من الأخشاب.

تمكن الفيلم من الحصول على التقرير الأوّلي لتحقيق السلطات الرومانية عن شركة شفايغوفر الذي يبدو أنه ليس لصالح الشركة، فلدى الحكومة شكوك بتورط عشرين شركة أو أكثر في بيع الخشب الصلب لشركة شفايغوفر أو الشركات المزودة لها، ومن تلك الأخشاب 165 كيلومترا مربعا ليست من مصدر قانوني، أي ما يعادل 4125 شاحنة، كل ذلك خلال سنة ونصف فقط، أي بمعدل ثماني شاحنات محملة بالخشب الصلب يوميا.

يرى التحقيق الحكومي أن شركة شفايغوفر قد تكون تورطت بجرائم أخرى أكبر متعلقة بغسل المال عبر شبكات قد أنشئت لمنح مظهر قانوني للأخشاب ذات المصدر غير القانوني، أي أن الشركة قد تكون متورطة بغسل غير قانوني لتجارة الأخشاب، وذلك ما أدى لتحويل القضية إلى الوكالة الرومانية لمكافحة الجريمة المنظمة.

تقوم السلطات الرومانية بجرد دوري للغابات على مدى عشر سنوات من أجل المحافظة على الغابات البكر
تقوم السلطات الرومانية بجرد دوري للغابات على مدى عشر سنوات من أجل المحافظة على الغابات البكر

 

وجها لوجه.. بين النمسا ورومانيا

بعد ثمانية أشهر من المفاوضات سمحت الشركة النمساوية شفايغوفر للفريق بدخول مقرها في فيينا للإجابة على بعض الأسئلة، وهناك رحب بالفريق الثري المبتهج جيرارد شفايغوفر رئيس الشركة منذ 13 عاما.

سأله الفريق عن تحقيقات الوكالة الرومانية لمكافحة الجريمة المنظمة بشأن شركته، فقال إنهم يحترمون القانون الروماني ويطبقون ما ينص عليه، وإن التحقيق ليس خاصا بشركته بل هو عام في كل الشركات العاملة في مجال صناعة الأخشاب، وإنما الأمر برمته متعلق بشخص في شركتنا قام بمخالفات قانونية، وقد عرفنا ذلك الشخص، وما قام به غير قانوني البتة.

قاطعته الصحفية قائلة إن الأمر لا يتعلق بموظفين بل بـ27 شركة تقوم بتزويد شركته بالأخشاب ذات المصدر غير القانوني، فقال “إننا نسيطر على كل الشاحنات، وأنا متأكد تماما من أننا نفحص جميع شاحناتنا ونختبر المادة التي تحملها مئة مرة، كما أننا فحصنا جميع الوثائق التي وصلت إلى مصانعنا”.

إيكيا: كل الخشب المستخدم في منتوجاتنا من مصدر قانوني
تدعي إيكيا أن كل الخشب المستخدم في منتوجاتنا من مصدر قانوني

 

الريف الإسكندنافي مرة أخرى

نعود إلى مايكل تاراسو المسؤول عن مصدر الأخشاب في شركة إيكيا لسؤاله عن خروقات شركة شفايغوفر في رومانيا، وقد أنكر التعامل المباشر معها، لكنه اعترف بأنها كانت ضمن سلسلة الشركات المزودة لشركته، وقال إنهم اتبعوا منهجا معينا منذ بدء التحقيقات الفاضحة للشركة، واجتمعوا بالشركة وأعطوها توصيات بالبحث عن مصادر بديلة، ومنذ ذلك الوقت لم تقم الشركات التي تزودهم بالخشب بالشراء من شركة شفايغوفر إلى أن تنتهي التحقيقات.

سألته الصحفية المحاورة: لماذا لا تعترف أن الشركة قامت بإنتاج الكثير من الأثاث عبر مصادر غير قانونية، وأنه ما زال أمامها الكثير لتفعله؟
فرد قائلا: اختلف معك في أن الخشب غير القانوني يدخل في سلسلة مصادرنا، ولقد فعلنا الكثير، وسنفعل المزيد أيضا، فلدينا الكثير من الإجراءات الوقائية التي تحد مستوى خطر الحصول على خشب غير قانوني من مزودينا، ونحن نحتل مقدمة هذا القطاع، لكن هناك دائما مجال للتطوير والتحسين.

اتهمت شركة آب بأنها سبب حرائق إندونيسيا عام 2015
اتُهمت شركة آب لصناعة الورق وأكياس التعبئة والتغليف بأنها سبب حرائق إندونيسيا عام 2015

 

شركة آب.. إمبراطور الورق

بعيدا عن أوروبا فيما وراء البحار كانت هناك شركة إندونيسية تعمل في مجال صناعة الورق وأكياس التعبئة والتغليف تدعى “آب” (APP)، وكانت تزعم أنها تعمل بشكل مثالي يعتني بالغابة، رغم أنها تورطت في قطع الكثير من الغابات الاستوائية، حتى تسبب ذلك في تدمير مناطق شاسعة منها، الأمر الذي سلط أضواء المنظمات الحقوقية عليها، لتقوم منظمة السلام الأخضر بحملة ضد الشركة حتى قامت بمقاطعتها تحت ضغط المنظمة أكثر من مئة علامة تجارية عالمية كبرى.

عام 2013 عادت شركة آب إلى الواجهة معلنة التوبة من ذنبها والتحول إلى أسلوب جديد صديق للبيئة، يعود مصدره لمزارع تدار بشكل مسؤول خال من الأخشاب المقطوعة بشكل جائر.

تقول مديرة الشركة للتنمية المستدامة آيدا غرينبري في حفل إعلان التحول “اعتبارا من 23 يناير/كانون الثاني 2013 قمنا بتعليق كامل لجميع أشكال قطع الأشجار في الغابات الطبيعية بين جميع موردي شركة آب، للسماح بحصول تقييم لعملية الحماية”.

أدت الحرائق التي تسببت بها شركة آب إلى كارثة كبرى في منطقة شرق آسيا
أدت الحرائق التي تسببت بها شركة آب إلى كارثة كبرى في منطقة شرق آسيا

 

براميل مشتعلة في الهواء الطلق

رفضت شركة آب كل طلبات التصوير من فريق عمل الفيلم، ورغم ذلك ذهبوا إلى إندونيسيا منشأ الشركة للتحقيق في الحرائق التي نشبت هناك وخرجت عن السيطرة مدة خمسة أشهر لتحاصر 43 مليون إندونيسي تحت سحب الدخان الخانق في 26 ألف كيلومتر مربع من التراب الإندونيسي، أي ما يعادل مساحة بلجيكا.

اتُهمت مزارع شركة آب بأنها براميل مشتعلة مفتوحة في الهواء الطلق، فقد قامت الشركة في سيرتها الجديدة بزراعة أشجار الأكاسيا في الغابات التي دمرتها، وذلك لأنها أشجار سريعة النمو، كما أن خشبها جيد لصنع الورق، لكن طبقة التربة العليا كانت مليئة بالماء لدرجة 90% من تكوينها و10% الباقية هي مواد عضوية، وذلك نتيجة تحلل الغابات لآلاف السنين، وتلك التربة الشديدة الرطوبة لا تناسب أشجار الأكاسيا.

قامت الشركة في سبيل حل هذه المعضلة بحفر الخنادق في التربة واستنزاف مائها، فبدأت أشجار الأكاسيا تنمو بنجاح، لكن التربة أصبحت شديدة القابلية للاشتعال، وهكذا أصبحت مزارع شركة آب عبارة عن براميل مشتعلة، الأمر الذي نتج عنه خلال عدة سنوات أكثر من 17 ألف حريق في مزارع الشركة في سومطرة.

قامت آب بزراعة أشجار الأكاسيا في الغابات التي دمرتها، وذلك لأنها أشجار سريعة النمو
قامت آب بزراعة أشجار الأكاسيا في الغابات التي دمرتها، وذلك لأنها أشجار سريعة النمو

 

كارثة حريق الغابات.. من المتهم؟

أدت الحرائق التي تسببت بها شركة آب إلى كارثة كبرى في منطقة شرق آسيا، وشكلت أكبر كارثة في المنطقة بعد تسونامي 2004، حيث أصبح الهواء مشبعا بالجزيئات السامة لدرجة جاوزت الحد المقبول صحيا بـ12 ضعفا، ولم يعد مجال الرؤية يتجاوز خمسة أمتار، الأمر الذي أدى إلى إعلان حالة الطوارئ في نصف جزيرة سومطرة.

قام باحثون من جامعة هارفرد بتحليل تأثير الدخان السام الذي استنشقه السكان بسبب حريق عام 2015، ووفق تقديراتهم فإن عدد الوفيات المبكرة التي قد تنتج عن الدخان تربو على 91 ألف شخص في الأرخبيل الإندونيسي، وستة آلاف في ماليزيا، وألفين في سنغافورة، أي أن أكثر من مئة ألف شخص قد يفقدون حياتهم بسبب الدخان السام.

عدد الوفيات المبكرة التي قد تنتج عن الدخان تربو على 91 ألف شخص في الأرخبيل الإندونيسي
عدد الوفيات المبكرة التي قد تنتج عن الدخان تربو على 91 ألف شخص في الأرخبيل الإندونيسي

 

دخان وضحايا.. من المسؤول؟

في منطقة ليما أولو الفقيرة التابعة لمدينة بارين بانغ، قامت شابة طموحة تدعى بيتا من جمعية أصدقاء الأرض -بمساعدة منظمتها غير الحكومية- بتأسيس مركز طبي للحالات الطارئة للتعامل مع تدفق المرضى، وقد تدفق عليهم الكثير من الأطفال الصغار الذين تم حجز بعضهم مدة شهر في المركز الطبي.

تقول الشابة بيتا “تلقينا 200 طفل مريض في يوم افتتاح المركز، وقد انخفض العدد قليلا في الأيام التالية، لكن ظل نحو 150 مريضا يفدون إلينا كل يوم”.

في نهاية الأمر نجا كل الأطفال بفضل عمل المنظمة غير الحكومية، لكن الحظ لم يحالف آخرين، فبحسب الإحصاءات الرسمية فإن الدخان قد أصاب 353 شخصا بالتهابات رئوية، بينما قتل 11 فقط، أصغرهم طفل حديث الولادة يدعى حسين توقف عن التنفس بعد يومين من العذاب تحت الدخان وعمره 25 يوما فقط، تاركا وراءه صورة وحيدة تعلقها أمه الثكلى على الحائط، وألف يورو دفعتها الحكومة تعويضا لها عن مصيبتها.

تقول أم حسين “لا أعرف كيف أعبر عن غضبي، لكن كمؤمنة عليّ أن أتقبل الأمر، حسين لن يعود، والأمر صعب جدا، وأنا حزينة جدا”.

شركة آب: الحرائق ليس ذنب شركة آب، بل ذنب الطقس والاحتباس الحراري
شركة آب تعزو حرائق الغابات إلى الطقس والاحتباس الحراري

 

البعرة تدل على البعير

توجه الفيلم إلى مدينة بارين باغ المدينة الأكثر تضررا من الحرائق بفعل تجمع سحب الدخان في سماء المدينة بسبب الرياح الجنوبية الشرقية، وقام بزيارة الوكالة الإقليمية لإدارة الكوارث المسؤولة عن مكافحة الحرائق الضخمة، وهناك دلهم أحد العاملين بالوكالة على نقاط الحرائق في الخريطة والمزارع التي تقع فيها وتضم مزارع تابعة لـ22 شركة، لكن ليست من بينها شركة آب التي نبحث عنها.

قام المحققون في الفيلم بطباعة صورة من قائمة الشركات التي في المنطقة، وبطريقة عشوائية وقع اختيارهم على شركة “بومي أندلس بيرماي” (PT. Bumi Andalas Permai) للبحث عن خلفيتها في الإنترنت، فوجّههم ذلك إلى مجموعة “سينارمس” (Sinarmas)، وهي الشركة الأم لتجمّع صناعي إندونيسي يشمل الخدمات المصرفية والزراعية والاتصالات والطاقة وقسم الأخشاب والورق الذي يتبع شركة آب، وهذا يدل على أن شكوك المحققين كانت في محلها، فالمسؤول عن الحرائق هو شركة آب لتصنيع الورق.

شركة "كرونوسبان" (Kronospan)، تقوم بتزويد إيكيا بالأخشاب
شركة “كرونوسبان” (Kronospan)، تقوم بتزويد إيكيا بالأخشاب

 

القمر الصناعي.. برهان ساطع

من بين أقمار وكالة “ناسا” الفضائية الأمريكية وجد الفريق ضالته المنشودة التي ستساعد في إثبات الأمر، وهو قمر صناعي بنظام مسؤول عن مراقبة الأرض مع مقياس إشعاع طيفي مركب عليه يدور لـ99 دقيقة على ارتفاع 705 كيلومترات، وحين يدور تسجل آلة تصوير صغيرة كل حريق يحصل على سطح الأرض.

قام القمر الصناعي برصد 13214 نقطة حريق في سومطرة عام 2015. قارن الفريق نقاط الحريق على الخريطة مع مزارع شركة آب، وأوضحت المقارنة وجود 5068 حريقا في منطقة بارين بانغ في مزارع آب، وتلك نسبة 59% من الحرائق المسجلة في المقاطعة عام 2015، أي أن الشركة متورطة بأكثر من نصف الحرائق في الإقليم.

قام القمر الصناعي برصد 13214 نقطة حريق في سومطرة عام 2015
قام القمر الصناعي برصد 13214 نقطة حريق في سومطرة عام 2015

 

ضد آب.. دعاوى قضائية

حاول الفريق الوصول إلى نقاط منشأ الحريق، لكن الأمطار والسيول أعاقتهم عن ذلك، وكان دليلهم في الرحلة مهندس زراعي متخصص في مجال حرائق الغابات هو البروفيسور بان بانغ ساهارغو الذي يُجري تحقيقات عن حرائق مزارع شركة آب بتكليف من وزارة البيئة، والذي قام أيضا برفع قضية بالتعاون مع وزير البيئة ضد شركة آب.

يقول البروفيسور: كان فريق الحرائق مكونا من ستة رجال إطفاء فقط، وسيارة واحدة، ولم يكن لديهم برج لمراقبة مكان بدء الحريق، فكيف يمكنهم الحديث عن التنمية المستدامة؟

 

الذنب ذنب الطقس!

قام فريق الفيلم بزيارة مجموعة “سينارمس” (Sinarmas) في العاصمة جاكرتا، لكن المجموعة رفضت رفضا قاطعا مقابلتهم، وبعد فترة تلقى الفريق ردا تضمن ما يلي: في عام 2015 كانت الحرائق كارثية للغاية نتيجة الأحوال المناخية. إذاً فإنه ليس ذنب شركة آب، بل ذنب الطقس والاحتباس الحراري.

وأما الأراضي الرطبة الخثة فقد زعموا أن الشركة تدعم الجهود الحكومية لاستعادتها، وأما الضحايا الذين توفوا أو وقعوا في براثن الالتهابات الرئوية فلا تشعر الشركة بالأسف عليهم، ولم تورد كلمة واحدة في ردها عنهم.

في النهاية قررت محكمة الاستئناف الإندونيسية نتيجة لتحقيقات البروفيسور أن على الشركة العالمية المتعددة الجنسيات أن تدفع مبلغ خمسة ملايين يورو تعويضا عن الأضرار التي أُلحقت بالبيئة.