محطة الفضاء الدولية.. آفاق النظر من الأعلى

هاني الضليع

قبل أن تستنفد محطة مير الفضائية الروسية مهمتها حول الأرض، والتي تم إسقاطها في المحيط الهادئ في عام 2001، كان الروس والأمريكان يخططون لإرسال محطة فضاء مشتركة بديلاً عن محطة مير وأكثر تقدماً وتقنية منها، وذلك في عام 1998، ليعلن ذلك مشروعاً عالمياً دُعي باسم محطة الفضاء الدولية، وذلك بمشاركة خمس وكالات فضاء هي ناسا الأمريكية، وروس كوزموس الروسية، وإيسا الأوروبية، وجاكسا اليابانية وأخيراً سيسا الكندية.

وأرسلت أجزاء المحطة ومن ثم رواد الفضاء والإمدادات اللوجستية على مدار أكثر من عشرين عاماً باستخدام صاروخَي بروتون وسيوز الروسيين ومكوكات الفضاء الأمريكية الخمسة التي انتهى العمل بها جميعاً؛ إلى مدار يرتفع عن سطح الأرض مسافة 408 كيلومترات، وهو أحد المدارات المنخفضة للأقمار الصناعية.

ونجح المشروع العالمي في استقبال أعداد من رواد الفضاء بين اثنين وثمانية رواد فضاء في كل رحلة، كانوا يمكثون في الفضاء بين ثلاثة 3 و6 أشهر تحت تأثير ما يعرف بانعدام الجاذبية أو “الزيروغرافيتي” لينجزوا مئات التجارب العلمية في مجالات بيولوجيا الفضاء وعلم أدوية الفضاء وعلم المواد وفيزياء المواد وعلم الفلك والطقس والتنبؤات المناخية وغيرها من العلوم.

وقد بلغ عدد رواد الفضاء الذي صعدوا على متن هذه المحطة مذ أطلقت وحتى يومنا هذا نحو 250 رائدا ينتمون إلى 18 بلداً بينهم ستة سياح.

 

ألمع أجرام السماء

بلغت كلفة مشروع محطة الفضاء الدولية هذه منذ إطلاقها وحتى اليوم أكثر من 300 مليار دولار أمريكي، حيث تم ترقيته عدة مرات بإضافة مرافق مخبرية وأخرى حيوية إلى جانب زيادة عدد الخلايا الشمسية التي توفر قدراً أكبر من الطاقة اللازمة لتكرير الماء وتشغيل المكيفات والحفاظ على البيئة الحيوية داخل المحطة.

وبزيادة الألواح الشمسية التي تعكس أشعة الشمس أصبحت محطة الفضاء الدولية رابع أجرام السماء سطوعاً بعد الشمس والقمر والزهرة كما تشاهد بالعين المجردة بعيد غروب الشمس أو قبيل شروقها.

وثمة تطبيقات هاتفية مجانية تبدأ أسماؤها بحروف اسم المحطة (إنترناشيونال سبيس ستيشن ISS) تدلك على مواعيد مرورها في مدينتك بالساعة والدقيقة، ويمكن تنزيلها من آب ستور أو غوغل بلاي. ومن الجدير بالذكر أن محطة الفضاء الدولية حين تمر في السماء تظل لامعة كنجم ساطع لنحو خمس أو ست دقائق كاملة، وتقطع السماء من جنوبها إلى شمالها.

وتعد هذه المحطة أكبر جسم فضائي حمل الإنسان على متنه في تاريخ البشرية سبقتها محطات روسية وأخرى أمريكية تم إسقاطها جميعاً بعد انتهاء أجل مهماتها.

 

تمديد عملها

وقد كان من المقرر إنهاء عمل محطة الفضاء الدولية في العام 2020، غير أنه تم الاتفاق بين الدول الممولة على تمديد العمل بها حتى العام 2024، وذلك أن كلفة تشغيلها السنوية تبلغ نحو عشرة مليارات دولار أمريكي، وهو مبلغ هائل تتكفل بتمويله جميع الدول المشاركة وبحسب حصصها في محطة الفضاء الدولية.

فكلفة سبعة أطنان ونصف الطن سنوياً من الوقود الكيميائي اللازم للمحافظة على المحطة في مدارها على نفس الارتفاع يبلغ 275 مليون دولار، وتنخفض المركبة تدريجيا عن هذا الارتفاع بسبب الاحتكاك وعمليات التنزيل والتحميل المتتابعة على المحطة.

 

نهاية المطاف.. لماذا؟

يبدو ظاهراً بأن محطة الفضاء الدولية لا تزال تعمل بشكل جيد ودون شكاوى خلافاً لمحطات الفضاء السابقة كسكاي لاب ومير وساليوت، فهذه المحطات إما فُقد الاتصال بها، أو أن نظام الحياة فيها قد تعطل، أو أن هيكلها قد تآكل من الخارج ولم يكن بالإمكان ترميمه، لذلك تم التخلص منها جميعاً لأنها لم تعد صالحة لاستقبال رواد الفضاء على متنها.

وهذا تماماً ما يخشاه مشغلو محطة الفضاء الدولية التي زاد عمرها اليوم على عشرين سنة متواصلة من العمل والاستهلاك، خصوصاً وأنها خليط روسي وأمريكي بعضه قديم لا يمكن استبداله، وبعضه الآخر أصبح استبدال أجزائه باهظ الكلفة.

فالبلاستيك والهياكل المعدنية بدأت بالتآكل، واللوحات الإلكترونية أضحت عتيقة، والأخطر من ذلك كله الضربات التي يتلقاها الهيكل الخارجي للمحطة من النيازك المايكروية بشكل يومي والتي تعمل على هلهلته. وأي خطأ جسيم يقع في أية لحظة سيعرض حياة رواد الفضاء إلى الخطر وربما إلى الموت المحتم بعد ذلك، لذا كان من الأفضل البدء بالتفكير في مشروع آخر بديل.

وسيتم التخلص من محطة الفضاء في مدار أرضي ينتهي بها في المحيط الهادئ كسابقتها من محطات الفضاء، وستبدو لمن يشاهدها حينذاك نيزكاً مشتعلاً كأنه قادم من أعماق الفضاء.

بلغت كلفة مشروع محطة الفضاء الدولية هذه منذ إطلاقها وحتى اليوم أكثر من 300 مليار دولار أمريكي
بلغت كلفة مشروع محطة الفضاء الدولية هذه منذ إطلاقها وحتى اليوم أكثر من 300 مليار دولار أمريكي

 

المحطة الدولية.. ماذا بعد؟

وبوجود قرار لتمديد عمل المحطة أربع سنوات وربما أكثر، يكون في الأفق مساحة تأمّل وتفكير للخطة البديلة لهذا المشروع العالمي الضخم. فأمريكا على سبيل المثال لا تفكر أبداً بوضع محطة فضاء لها كما فعلت من قبل مع المحطتين بروغريس ودراغون، وذلك لعلمها بأن الكلفة ستكون أكبر مما يمكن للكونغرس الأمريكي أن يوافق عليه.

لهذا فإن الولايات المتحدة تنحو ذات المنحى الذي اشتركت فيه مع دول أخرى في محطة الفضاء الدولية، وفي الوقت ذاته تشجع القطاع الخاص لتولي مهمة إطلاق محطات فضاء علمية وتجارية، ويقوم رواد الفضاء بزيارتها إلى جانب السياح الذين سيغطون كلفة التصنيع ويدرّون على أصحاب المشروع أرباحاً كثيرة.

في المقابل، تفكر روسيا -إذا حان وقت تفكيك محطة الفضاء الدولية- أن تنأى بحصتها من المركبة بعيداً لتصنع منها نواة عمل جديد لمحطة فضاء روسية جديدة.

وربما كان القرار الروسي والأمريكي الانتقال إلى مرحلة أبعد من ذلك وهي وضع محطة دوارة حول القمر لتكون حلقة الوصل بين الأرض وبين رواد الفضاء ومستعمرات القمر المأهولة بعد ذلك، فهناك محطة الفضاء الدولية القمرية الدوارة المستكشفة للقطب الجنوبي للقمر، وهي خطة سيبدأ العمل بها العام المقبل 2020 بمشاركة دولية.

وثمة تفكير لاستغلال الكهوف القمرية التي تحمي الإنسان من الرياح الشمسية من ناحية، ومن النيازك المتساقطة على سطح القمر من ناحية أخرى كمحميات طبيعية مبدئية لاستيطان القمر. وقد حددت ناسا عدداً من هذه الكهوف الصالحة لهذا الغرض بواسطة مركبة القمر الدوارة (لونار ريكونيسانس أوربيتال).

وفي الناحية الأخرى من الكرة الأرضية، تفكر الصين بإرسال محطة فضاء صينية خاصة بها، لكنها ترفض مبدئياً مشاركة أي من الدول الغربية أو حتى السماح لعلمائهم بالصعود على متنها، وإذا فعلت فإنها سترفع عليهم تكاليف تلك المشاركات بشكل خيالي.