الهجرة النبوية.. منطلق التاريخ الإسلامي ورحلة الإيمان والعزيمة

قبل 1445 سنة ، كانت هجرة الرسول الأمين محمد صلى الله عليه وسلم من مكة المكرمة إلى المدينة المنورة واحدة من أخلد رحلات التاريخ وأكثرها مأثورية وقداسة لدى المسلمين الذين اعتبروها منطلق التاريخ ومستقر الوحي ومأوى آفاق الحضارة الإسلامية.

لم تكن الطريق مفروشة بالورود، مثل كل طرق العظماء والمواقف الخالدة في تاريخ الشعوب، لكنها في مقابل ذلك كانت مفروشة بآماد من الحب والجلال والإصرار والعزيمة واستنفاد الجهد والطاقة البشرية من أجل المشروع الإيماني الراسخ.

كانت مكة وجبالها أول أذن بين الأرض والسماء في الجزيرة العربية، تُصغي الجبال الشماء إلى الوحي يتنزل، تَميد له وتتصدع الراسيات من شماريخ ثبير وأبي قبيس (الشماريخ رؤوس الجبال وثبير وأبي قبيس جبلان معروفان بمكة)، وينهلّ على قلب النبي محمد صلى الله عليه وسلم بردا وسلاما يردد له الملأ الأعلى “كذلك لنثبت به فؤادك”.

على طول ثلاث عشرة سنة مفعمة بالدعوة السرية والجهرية والعذاب الأليم والتنكيل والوشاية والتشهير والمؤامرات، استمرت دعوة النبي صلى الله عليه وسلم تغرس كل يوم شجرة جديدة للإيمان في بطحاء مكة القاحلة إلا من صناديد يميدون خشوعا للات والعزى، ودعوة ناشئة تريد أن تساوي بين الناس تحت راية التوحيد، وأن تعلن أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله صلى الله عليه وسلم، صادمة بذلك ما تعبده قريش والعرب من أصنام تزيد على المئات.

الهجرة التخطيط والإبداع

في كتاب الهجرة النبوية صفحات مهمة للتخطيط النبوي العظيم، فالصادق الأمين حفيد سيد البطحاء عبد المطلب بن هاشم وابن العواتك من سليم؛ أضاف إلى ما تعرفه قريش فيه من صدق وعزيمة ونقاء وإصرار عقلا تخطيطيا وإستراتيجيا لم تعرف العرب مثله.

أخذت قريش عُدتها للقضاء على محمد صلى الله عليه وسلم قضاء نهائيا، بعد أن كتبوا صحيفتهم الظالمة التي مثلت أول حصار شامل لمجتمع طاهر، كان حصارا بسبب القيم الجديدة التي تريد أن تهدم قيما أخرى تقوم على تأليه الطبيعة وتسوير العلاقات الإنسانية.

تمويه وتدخل إلهي

شملت المرحلة الأولى من الهجرة النبوية عملا تخطيطيا تمويهيا، حينما بدأت طلائع المهاجرين تغادر مكة تباعا واحدا إثر آخر، زرافات ووحدانا، خرجوا من مكة بعد أن استوثقوا من أمان ودار مُقام جديدة إثر إسلام جمهور أهل يثرب التي حملت بعد ذلك اسم المدينة المنورة.

كان سفير الإسلام مصعب بن عمير قد انطلق قبل الهجرة إلى المدينة المنورة معلما وداعيا إلى الخير والنور، وقبل ذلك كان النبي صلى الله عليه وسلم قد أوقد شعلة الانتماء والإصرار في قلوب نخبة يثرب وسادة الحيّين من الأوس والخزرج، بدأ الإيمان اليثربي يزيح آمادا طويلة من الأحقاد والدماء الدافقة بين الحيّين، فقد حمل الجميع اسم الأنصار وكانوا كذلك للدعوة المحمدية.

بعد أن انطلقت مواكب المهاجرين بدأ النبي صلى الله عليه وسلم ينتظر الإذن من رب العالمين جل جلاله كي يلحق بالركب المهاجر. ورفقة خليله وأقرب صحابته إليه أبي بكر الصديق انطلقت المرحلة الثانية من الهجرة، وفي الوقت ذاته كانت عناصر متعددة تمارس دورها في التمويه وشغل قريش عن المسيرة والهدف.

ينام علي بن أبي طالب رضي الله عنه في فراش النبي صلى الله عليه وسلم، ويستيقظ فرسان قريش المسلحون بالسيوف البواتر والأحقاد ليجدوا النبي صلى الله عليه وسلم قد غادر وتركهم نائمين تحت حر شمس الصباح وخيبة المساعي الآثمة.

أسهمت أسماء بنت أبي بكر الصديق وأخوها عبد الله في تضليل قريش والتكتم على معلومة الهجرة واتجاه المهاجرين، وأسهما أيضا في تقديم التموين المناسب للرحلة، زيادة على الراحلة والنقل المناسب إلى المدينة في رحلة عبقت بها رئة التاريخ.

كان عامر بن فهيرة ذلك الدليل الأمين، عنصرا آخر من عناصر المسيرة التي تضامنت فيها الجهود البشرية والتخطيط العقلي والتسخير الإلهي للقلوب والعواطف والطبيعة.

فات الأمر على قريش، وخرج من قبضتها الحديدية، فرصدت جائزتها الكبرى وأرسلت وحدة عسكرية لتتبع النبي صلى الله عليه وسلم ورفيقه ودليلهما، سارت العزائم القرشية في طريق، وسلك التسخير والتوفيق الإلهي للنبي صلى الله عليه وسلم طريقا آخر.

في خيمة أم معبد.. الجمال والجلال

في طريق العبق النبوي لبست رياح الصحراء رداء من جمال وجلال، فقد نزل الركب الميمون عند خيمة أم معبد التي تقول كتب التاريخ الإسلامية عنها إنها امرأة من قبيلة خزاعة، وكانت سيدة برزة تقري الضيوف وتقدم خدمات الضيافة للعابرين بوجه طلق ودون مقابل غير الكرم الطبيعي.

في ذلك العام، أمسكت السماء عن سقي عيون الأرض وأجدبت المراعي، ولم يكن في ظلال خيمة أم معبد غير عنز هزيلة عجفاء.

وهنالك انطلقت المعجزة الخالدة عندما درّت الشاة الهزيلة أضعاف ما تدره شياه عديدة، وشرب الركب النبوي وبقي في حقائب التاريخ والذكرى عبق من ذلك النور الكبير.

تحدثت أم معبد في وصف عظيم عن ذلك الرجل الظاهر الوضاءة الوسيم القسيم الذي ترك بصماته على التاريخ والحضارة والإيمان والقيم، مخلفة للأدب والجمال والوصف واحدا من أبدع نصوص الوصف البديع الدقيق.

غير بعيد من أم معبد، كانت أقدام فَرس سُراقة بن مالك تغوص في رمال الخيبة، لسبب واحد هو أنه كان يسعى إلى مُحال، يريد أن يظفر بجائزة قريش ودون الظفر بها الملأ الأعلى ووقاية الله.

امتد الأفق أمام الركب النبوي سيرا إلى الله بغير زاد إلا التقى والهدى والرشاد، وها هي المدينة تلوح في الأفق، كان أهلها المشتاقون إلى رؤية سعدهم الجديد يتسلقون النخيل الطوال والحصون والجبال انتظارا لقدوم المبعوث بالأمر المطاع.

ووصل النور الأمين، لاحت يثرب بنخلها وجبالها وأرضها المتأرّجة بعبق الإيمان، وسارت القصواء رفيقة الرحلة حتى حطت الرحل في الموضع الذي بنى فيه النبي صلى الله عليه وسلم مسجده وحجرات زوجاته.

وبدأ العهد المدني الجديد من عمر الإسلام، تفصله عن العهد المكي أيام السفر المحلق في فضاء القداسة والقيم.

مكة التي أحبت النبي صلى الله عليه وسلم جبالها ووهادها وقلوب كثير من أهلها، أرغمته على الخروج فانفتحت له رئتا المدينة لأنه كان نسيما من الإيمان وروحا وريحانا للحضارة.

لم تكن الهجرة مجرد سفر لأشخاص فارين من ظلم ذوي القربى ولا لمفكرين ومصلحين يناهضون عالما ومجتمعا متعصبا للظلم ضد العدالة وللظلام ضد النور، وللكفر والشتات الروحي ضد السكينة والإيمان، بل كانت منطلق حياة جديدة في تاريخ المسلمين والعالم كله.

الهجرة.. بداية التاريخ

احتفى المسلمون بالهجرة النبوية وجعلوها بداية التاريخ ومبتدأ خبر الإسلام، حيث انتقل المسلمون من التأريخ بالحوادث والوقائع والحروب إلى حد معروف البداية، وهو هجرة النبي صلى الله عليه وسلم، وذلك على الرغم من أن اعتماد هذا الحدث الهائل عظمةً وقداسةً جاء متأخرا عن وقوعه بعدة سنين، وفق الروايات التاريخية التي تقول إن عمر بن الخطاب رضي الله عنه كتب إليه أبو موسى الأشعري أنه “تأتينا من أمير المؤمنين كتب لا ندري بأيّها نعمل، فقد قرأنا صكا منه محله شعبان، فما ندري أي الشعبانين الماضي أم الآتي؟”.

فعمِل عمر رضي الله عنه على كتابة التاريخ، وأراد رفع الإشكال فحدد الهجرة منطلقا للتاريخ الإسلامي.

وهنالك رواية أخرى نقلها السيوطي في كتابه الشماريخ في التاريخ تقول إن النبي صلى الله عليه وسلم هو الذي وقّع في رسائله إلى الملوك بوسم تاريخ الهجرة تحديدا.

التقويم الإسلامي.. علم وقيم

أَضافت الهجرة بعدا علميا للتاريخ الإسلامي، وأصبح للمسلمين اهتمام كبير بعلم الفلك، لكنها أيضا حققت استقلالية حضارية للأمة المسلمة عن بقية الأمم التي تعتمد تواريخ متعددة، ترتبط دائما بأبعاد دينية وروحية وحضارية.

يعتمد التقويم الهجري عند المسلمين حركة القمر، حيث إن عدة الشهور إثنا عشر شهرا، تحمل أسماء عربية خالدة.

ويهتم المسلمون بالتقوي الهجري اهتماما بالغا حيث تتعلق به كثير من الأحكام الشرعية مثل إخراج الزكاة وصوم رمضان والحج وحلول الديون المؤجلة وعدد النساء المطلقات أو الأرامل، وغير ذلك من أحكام الشريعة الإسلامية في العبادات والمعاملات.

أَضافت الهجرة بعدا علميا للتاريخ الإسلامي، وأصبح للمسلمين اهتمام كبير بعلم الفلك
أَضافت الهجرة بعدا علميا للتاريخ الإسلامي، وأصبح للمسلمين اهتمام كبير بعلم الفلك

وفي كثير من البلدان الإسلامية لم يعد التقويم الهجري معتمدا لدى السلطات الرسمية ولا في يوميات التلاميذ، ويجهل أغلب التلاميذ أسماء الشهور العربية باستثناء شهور قليلة مشهورة مثل رمضان أو ربيع الأول والثاني وذي الحجة.

مع الهجرة النبوية بدأ المسلون الخطوة الأولى نحو الاستقلال عن سيادة قريش وسطوتها المسلطة سيوفا وسياطا على أعناق المؤمنين، ومع التقويم الهجري بدأت الاستقلالية الحضارية للمسلمين عن الأمم والأديان الأخرى.

وفي الذكرى الأربعين بعد المئة الرابعة والألف يتدفق شجن كبير للذكرى، حيث يهاجر من جديد كثير من أبناء مكة والمدينة وبقاع أخرى من العالم الإسلامي إلى أي أرض يوجد بها نظام عادل لا يُكره الناس على التنكّر لقيمهم أو مواجهة السجن والاغتيال ولو بمنشار.