مصور الرئيس.. عندما تكون الصورة مستودعا للتاريخ

حسن العدم

اسمي بحري السوسي، من المنستير، مدينة الرئيس المجاهد الحبيب بورقيبة، منها بدأت قصة زعيم، ومنها بدأت قصتي. كنا صغارا، نحب الرئيس وننظر له بشيء من القداسة، وكنا نتسابق لرؤية موكبه، ولم يدُر بخلدي آنذاك، بأنني سأكون قريبا منه إلى حد أن أكون مصوره الخاص.

 

بين الدقدوق وكورادو.. حكاية نبوغ

في بداياتي لم يكن شيء يدل على أنني سأكون مصورا، ولكنها الصدفة وحدها هي التي صنعتني، فقد كنت أتردد على محل أخي حيث كان يعمل نجارا، وكان جارنا مصورا يقال له الدقدوق، كان يطلب مني أن أذهب إلى سوسة حيث معمل تحميض الصور الذي يملكه رجل إيطالي يقال له “كورادو”، وكنت أساعده في تحميض الصور، وكانت يومها باللونين الأبيض والأسود فقط، وبعد تجهيزها كان يقول لي: هيا، خذها إلى الدقدوق.

 

من وقتها أصبحت مغرما بالصور والتصوير، لدرجة أنني كنت أتغيب كثيرا عن المدرسة، من أجل الذهاب إلى محل التصوير، ثم أتيحت لي فرصة الذهاب إلى تشيكوسلوفاكيا لدراسة التصوير، وقد نجحت في امتحان القبول وسافرت، وهناك شاركت في عدة معارض للتصوير، وأكملت دراستي وعدت إلى تونس.

تم تعييني في دار التلفزة التونسية، وصرت أرافق الوزراء في جولاتهم، ثم أتيحت لي فرصة تصوير الرئيس بورقيبة، كان ذلك عندما طلبوا مني الذهاب إلى القصر الرئاسي وتصوير اجتماع لمجلس الوزراء مع الرئيس. الحقيقة أن الرهبة دخلت قلبي عنما رأيت الرئيس عن قرب وجها لوجه، لأول مرة في حياتي.

الرئيس الإنسان.. تسجيل يوميات قصر قرطاج

تكرر دخولي إلى القصر، ووجدت من الرئيس التواضع الجمّ والحديث بتحبب إلى الموظفين والضيوف على حد السواء، وكان يداعبنا ويسأل عن أماكن سكنانا وعن عائلاتنا. كانت عليه هيبة، وكانت له كاريزما قوية، ولكن بعد انقضاء أوقات العمل، وخلال وجوده مع عائلته، كان رجلا متواضعا عادياً.

وكان ينتهز وجودي لتسجيل لقطات نادرة بالكاميرا، حتى صرت واحدا من أفراد القصر، وصرت أسجل اللقطات اليومية لحياة الرئيس المهنية والعائلية، حتى عندما يمازح زوجته وسيلة أو يقبلها، لقد كان بسيطا، ويحب عائلته الصغيرة حبا جما، وكان ذهابه إلى المنستير للقاء عائلته يعتبر عيدا بالنسبة له.

كان بورقيبة يفرح عندما يرى صوره مع الناس العاديين والبسطاء

 

وكانت الكلمة الطيبة تُفرحه، حتى لو كان مغتمّا، فكان يفرح جدا عندما يرى صوره مع الناس العاديين والبسطاء، ويحب أن يرى وجهه الآخر، وجه الإنسان البسيط لا وجه الرئيس والسياسي، وكان يجلس إلى العجائز يعاونهن في طحن القمح بالرحى، ويقول مداعبا: أنت مثل أمي وأنا الآن ابنك ويتذكر أمه ويبكي، وكان يحرص على افتتاح موسم قطف الزيتون، ويصعد بنفسه على السلالم ليقطف الزيتون مع المزارعين.

رافقتُ الرئيس في كل أسفاره ومقابلاته الرسمية، رافقته في استقبال الرؤساء والزعماء العرب والأجانب، وكان يختلف عن بقية الزعماء العرب، وكانت له مواقف متميزة ومثيرة إلى حد كبير، وخصوصا فيما يتعلق بالقضية الفلسطينية، ولقد نجحتُ في تسجيل هذه الاختلافات حتى في ملامح الوجوه، لكم أن تنظروا إلى صوره مع جمال عبد الناصر، أو القذافي مثلا لتدركوا عمق ما أقول.

الواقعية السياسية.. مشاهد من أيام العنتريات الرنانة

أذكر أنني حضرت احتفالات الجلاء في بنزرت سنة 1963، وقد حضرها كثير من زعماء العرب، من بينهم عبد الناصر، وكان يتكلم بثوريته المعهودة بقوة، ولكن بورقيبه كان يسكته كثيرا ويقول له: “الحرب يا ولدي تجر الدمار والخراب”، يومها غادر عبد الناصر مغضبا حانقا، وساءت بعدها العلاقات بين البلدين.

في أحد الأيام استقبل بورقيبة أبا جهاد مبعوث ياسر عرفات، وكنت أنا قريبا منهما أسمع الحديث الدائر بينهما، وكنت أسجل بالكاميرا أسارير وجهيهما، كان أبو جهاد يقول: لقد أعددنا العدة يا سيادة الرئيس، سوف نلقيهم في البحر؛ يقصد اليهود.

بورقيبة يلقي خطابه الشهير في 1972 حول الاستعمار المبطن

 

فيجيبه بورقيبة: أنتم ما زلتم صغارا يا ولدي، الأفضل لكم التعايش معهم على أسس الاحترام المتبادل، وأن تعتنوا بتعليم أبنائكم بدل الحرب.

كان الرئيس واقعيا، لا تعجبه الخطابات الرنانة التي تداعب عواطف الناس بالوحدة والتحرير، ولكنها تخلو من الاستناد لقواعد العلم والقوة المادية. أذكر أنه كان موعوكا في قصره، يتابع خطاب القذافي في “البلمريوم” بشارع قرطاج في تونس، وهو يتحدث عن القومية العربية وأحلام الوحدة، فترك بورقيبة سريره ولبس بدلته وتوجه على عجل إلى البلمريوم، وأخذ مكانه على المنصة وقال خطابه الشهير في 1972 الذي تحدث فيه عن الاستعمار المبطن وحاجة الدول العربية التي ما زالت مستمرة للغرب. لقد كان مغضبا جدا، كنت ساعتها أسجل بالكاميرا كيف تحولت ملامح القذافي ورفاقه، من الضحك إلى العبوس والوجوم، لم يعجبهم خطاب الرئيس.

نساء في قصر الرئيس.. أفول نجم المجاهد الأكبر

في أواخر حياة الرئيس، ضعفت همته وتراجعت قوته، بينما كانت سيدة القصر وسيلة، هي الحاكم الفعلي في البلاط، إلى أن ظهرت سعيدة ساسي، وهي ابنة أخت الرئيس، دخلت قصر قرطاج في مطلع الثمانينات من القرن الماضي بحجة رعاية خالها والعناية بصحته، ولكنها في الحقيقة استولت على مقاليد الحكم في تونس، وأزاحت وسيلة عن المشهد السياسي بل والمشهد العائلي كذلك عندما طلقها الحبيب بورقيبة في 1982.

سيدة تونس الأولى وسيلة تتسلم زمام الحكم في وقت ضعف زوجها بورقيبة

 

كان الإسلاميون يشكلون القلق الأكبر للرئيس في أواخر حياته، وكان بحاجة إلى رجل قوي يقف في وجه الإسلام السياسي، فقدموا له زين العابدين بن علي، ولم يكن أحد يعلم أن هذا الذي جلبوا ليساعده، سوف ينقلب عليه لاحقا. استخدم بن علي سعيدة الساسي لتجلب له كل أسرار القصر، وترصد له تحركات الرئيس السياسية.

حتى كان ذلك اليوم عندما اتخذ الرئيس قرارا بتعيين محمد صياح وزيرا أول، علم بذلك بن علي، وأوقف إذاعة النبأ في الإذاعة والتلفزة، ثم تحفظ على محمد صياح وكل رجاله، واستولى فعليا على السلطة في انقلاب أبيض ذات صباح من عام 1987، عندما أعلن أن الرئيس بورقيبة لم يعد قادرا على ممارسة سلطاته الدستورية بسبب المرض والشيخوخة.

حيث بدأ وانتهى.. ما زالت الصورة تحكي

ثم فُرِضت الإقامة الجبرية على بورقيبة في منزله في المنستير، وكانوا لا يسمحون لأحد بالدخول عليه إلا بإذن، لقد حاولت أنا الدخول عليه عدة مرات ولكن دون جدوى، وهنا يبكي البحري بمرارة ثم يتابع: لم أره بعدها إلا عندما كان مُسجّى على النعش في يوم 6 أبريل 2000، التقطت له صورة، فحاول الحرس منعي، وأرادوا مصادرة الكاميرا، لولا تدخل والي المنستير، ويبكي المصور بحرارة مرة أخرى.

القادة العرب يمشون في جنازة الرئيس التونسي بورقيبة

 

في المنستير بدأتُ وبدأ الرئيس، وفيها انتهى الرئيس وانتهيتُ معه، لقد كانوا يمنعونني حتى من وضع صوره في متجري، كانوا يسحبونها من واجهة العرض، ويستجوبونني في كل مرة، إلى أن هدأت الأوضاع بعد أربع أو خمس سنوات، لقد انتهت حياته كرئيس، وانتهت معه قصتي كمصور، ولم يبق لي غير الصور والألبومات، أقلّبها وكأنني أقلّب أيام الزمان، كانت فيها أحلامنا وأوجاعنا، وكانت بحق جزءا من تاريخ هذا البلد.