“كريستيان ديور”.. ذكرى دكتاتور الأناقة الأنثوية ورائد ثورتها

سناء نصر الله

“كريستيان ديور” اسم ساطع في عالم الأزياء الراقية، ويسمى ديكتاتور الأناقة الأنثوية المترفة بامتياز، فقد ترك بصماته الواضحة في عالم ساحر من الفن والإبداع، واستطاع أن يرسم مسارا واضحا ومؤثرا في عالم الموضة.

كانت انطلاقته الفعلية في عام 1947 حين قام بتأسيس “دار ديور للأزياء الباريسية الراقية” التي تعتبر الأكثر شهرة في شارع “مونتن”.

في هذا الفيلم الذي تبثه الجزيرة الوثائقية، نتعرف على المعرض الذي نُظّم في العاصمة الفرنسية باريس، ويختصر أكثر من 70 عاما من تاريخ دار أزياء ديور منذ تأسيسها حتى يومنا هذا.

 

باريس تحتفل بذكرى محبّها “ديور”

يُنظم معرض دار أزياء ديور في متحف فنون الديكور، وتبلغ مساحته 3000 متر مربع، وقد دمجت أقسام المعرض المؤقتة معا لتشكيل مساحة واحدة تعتبر أكبر معرض مخصص للموضة في تاريخ باريس. تقول “فلورنس مولر” المشرفة على المعرض إنهم سيجلبون قطعا فنية استثنائية من متاحف متعددة، وسيضعون مسودة وهيكلية للمعرض وسيقوم فريق عمل ضخم بإنجاز هذا المشروع.

تقوم “فلورنس” باختيار الفساتين والإكسسورات وكل الأمور المرتبطة بالموضة، أما مدير المتحف “أوليفر غابيه” فيقوم باختيار اللوحات والقطع الفنية التي ستعرض، ويعمل الجميع كفريق واحد من أجل إنجاز المهمة على أكمل وجه من خلال التحضيرات التي دمجت بين وجهات النظر المختلفة والأحاسيس والمسارات المتضاربة، وخرج الجميع بنظرتين مختلفتين عن تطور دار ديور وحول “كريستيان ديور” نفسه ومسيرته لذا كان العمل متكاملا.

كانت علاقة “ديور” بفنون الديكور وثيقة، حيث كان جامعا مميزا لقطع الأثاث وقام عام 1955 بإعارة عدد من القطع لمعرض مهم نظمه متحف الأثاث لصانعي الأثاث الباريسيين في القرن الثامن عشر. وفي نفس الوقت قام بعرض عدد من الفساتين في المتحف، وهو ما اعتبر أول عرض للأزياء الراقية في متحف يقدم كجزء من معرض مؤقت، لذا كان هناك رابط قوي بين المتحف ودار الأزياء على طول مسيرته.

تقنية الموجات فوق الصوتية تحوّل سائل التنظيف إلى قطرات متناهية في الصغر حتى لا تفسد خامة القماش

 

من الصفر وحتى النهاية.. خارطة العرض

سيقام العرض في المعرض تسلسليا من الصفر، أي من الرسومات الأولية “السكتشات” ثم طريقة العمل على القطع، انتهاء بأعمال “كريستيان ديور” نفسه، كل شيء موجود ومعدّ لهذا العمل من التصاميم الجاهزة والمخططات وجميع أسماء العارضات، مما سيساعد في ترتيب قطع المجموعة وتشكيلها.

خلال المعرض كان هناك العديد من الفرص للإعارة، وقد جلب عدد من الفساتين من دار ديور ومن متحف “ميتروبولتان” ومتحف “ديونغ” من سان فرانسيسكو، ومن متحف لندن ومتحف فنون الديكور، ففي متحف الديكور وحده يقوم الفريق بالاحتفاظ والعناية بنحو 700 فستان، ليس فقط للعرض الذي سيقام وإنما لتكون إرثا للأجيال اللاحقة، وهناك مكان مخصص لتصليح الأنسجة، وهنا تقول خبيرة الأقمشة “إيمانويل غارسان” إنهم يستخدمون في ذلك تقنيات باردة وموجات فوق صوتية تحوّل سائل التنظيف إلى قطرات متناهية الصغر حتى لا تفسد خامة القماش.

تكون المنسوجات التاريخية أكثر هشاشة وأشد تعقيدا في العرض، وتستخدم في الترميم أدوات كثيرة مثل أدوات العمليات الجراحية وكل ما يمكن أن يساعد في الترميم، وللحفاظ على وضعية القماش يقوم الفريق بتثبيتها بألواح زجاجية، فهذا العمل يحتاج دقة وخبرة كبيرة، ويبدأ بالمعاينة ثم إعطاء الإجراءات المناسبة، مما يوفر منظورا قيميا وتكميليا لتحديد خصائص المجموعة.

“بدلة البار” واحدة من إبداعات السيد ديور في عالم الأزياء النسائية الراقية، عرضت أول مرة سنة 1947

 

بدلة البار.. أيقونة ثورية في عامل الأزياء

في هذه اللحظة يقوم الفريق بترميم “بدلة البار”، التي تعتبر واحدة من إبداعات السيد ديور في عالم الأزياء النسائية الراقية، وهي أيقونة في تاريخ البدلات عموما، واعتبرت ثورة غيرت مفاهيم خطوط الموضة في مجموعة “نيو لوك” الثورية، التي أصدرها “كريستيان ديور” في عام 1947 أراد فيها ديور العودة إلى مفهوم الأناقة والأنوثة التي فقدت في زمن الحرب العالمية الثانية.

في تلك الفترة التي أغلقت فيها عدة دور أزياء وانتقلت عاصمة الموضة من باريس إلى برلين زمن النازيين، تغيرت الملابس النسائية كثيرا فكانت تحمل قصات مربعة ومستطيلة وزوايا حادة وذات طابع ذكوري وعسكري.

قام ديور بالتجديد والتمرد، من خلال إعاد المنحنيات والخطوط المتموجة وطيات القماش التي تمثل المرأة الشابة المزهرة، وكان عالم ديور وأسلوبه خلاقا وساحرا أنثويا وثائرا لامس ما احتاجت إليه المرأة لإعادة الأناقة المفقودة بعد سنوات الحرب، لذا لاقت أزياءه استحسانا كبيرا.

في المعرض، يشبه عرض الفساتين النحت، ويتطلب الكثير من الحرفية ليعيد الألق للقطع ويظهر جماليتها، وتُستخدم في العرض ثلاثة أنواع من من مجسمات العرض “الموديلات أو تماثيل العرض الصناعية”، وتُكيف مع الملابس بدلا من تكيف الملابس، وذلك بإضافة حشوات أو قص بعضها، ويعتمد العاملون على الصور الأرشيفية كما توجد وضعيات مختلفة لتلك الأجساد، ويوضع الفستان بناء على ذلك.

أما التحضيرات لمجموعة الألوان، فستبدأ بوضع اللون الأبيض في البداية، فهناك العديد من الفساتين المبهرة مثل فستان “راف وجينيفر” التي ستوضع في خزائن العرض، كما يوجد بعض القوارير القديمة لعطر “مس ديور” و”ليدي ديور” وهناك مجموعة كبيرة من الأحذية.

“كريستيان ديور”.. دكتاتور الأناقة الأنثوية ورائد ثورتها (1905- 1957)

 

لون جديد من الكلاسيكية.. مبدعون حملوا راية ديور

صادف العام 2017 الذكرى الـ70 على تأسيس دار ديور، وستعرض تصاميم ديور نفسه إضافة إلى مجموعة أخرى لمصممين مبدعين أكملوا مسيرته في الدار، بداية من “إيف سان لوران” الذي فتح الباب على شارع “مونتن” وما وراءه ليشمل باريس باختلافاتها.

أدخل “إيف” كل الأحاسيس ومعاني الحياة، واستخدم أكثر الطرق إبهارا كما في مجموعته “بينيك”، في إشارة للحركة التي احتفت بالشباب، وقد لاقى أسلوبه استحسانا في مجالات الموضة، ولم يدرك الناس وقتها ما الذي حدث لكنه كان خيار الشباب بلا شك.

في بداية الستينيات، جاء مصمم الأزياء “مارك بوهان” وقدم مجموعاته بناء على رغبات المرأة، كما في مجموعته “سليم لوك” التي تقول حرفيا: “إن الملابس تجعلك نحيفة وأصغر سنا”. لقد قال في مقابلاته إنه يريد أن يرسي لونا جديد من الكلاسيكية، وهو ما اعتبر نوعا من الاستفزاز، وسميت هذه المرحلة “ما بعد البينيك”، وهي التي سادت نهاية السبعينيات والثمانينيات من القرن الماضي، كان اعتماد هذا النوع من الكلاسيكية مخاطرة كبيرة في ذلك الوقت، وظهرت الفتيات متأنقات يرتدين عقود اللؤلؤ، كان ذلك متمردا.

بعد ذلك جاء المصمم “جيانفرانكو فيري” في نهاية الثمانينات، وكانت لديه خلفية معمارية لذا بدت تصاميمه بقَصة جيدة ذات طابع إيطالي للزينة، واعتمد أسلوبا صارخا هو نفس أسلوب السيد “ديور”، ولكن بشيء من المبالغة، فقد ارتبط “جيانفرانكو” بالنمط الباروكي الإيطالي وتحديدا شمال إيطاليا.

في أعمال البناء في المعرض استلهمت المصممة “نتالي كرينيير” الهندسة من شارع “مونتن” الذي فتحت فيه ديور متجرها الأول، حيث تتناسب الهندسة مع هندسة “الأرت ديكو”، الذي يستخدم قوة شيء ما لبناء شيء آخر.

المؤثرات الضوئية أضفت ديناميكية على الفساتين المعروضة باعتبارها تماثيل ثابتة مقارنة بعروض الأزياء المتحركة

 

حلقات التشويق المترابطة.. إلهام الزهور

قام الفريق بإعادة بناء شارع مونتن داخل المعرض وفاء للسيد ديور، حيث يرشد “الأرت ديكو” لوضع تصاميم مختلفة والاستفادة منها بشكل أفضل، ففي المتحف توزع المواضيع بشكل متباعد اعتمادا على الهندسة، لذا لو أقيم المعرض في مكان مختلف فسيتغير شكل العرض ويستغل قوة المكان لتكون نقطة الانطلاق لدخول التصميم.

رُتب المعرض بحيث تكون كل غرفة أكثر تطورا من سابقتها، وكل غرفة تحمل تشويقا للغرفة التي تليها، لقد عمل الفريق بشكل دؤوب مدة عام كامل، وقامت مصممة المؤثرات الصوتية والبصرية “آن جافرنو” بإضافة مؤثرات ليصبح المعرض قريبا لقاعة المرايا في قصر فرساي، فقامت بتركيب 16 كشافا كهربائيا هائل الحجم حتى تضاء بالشكل المناسب.

هناك جانب فني وجمالي مرتبط بالجانب التقني وهو حوار مهم من كلا الجانبين حتى يقام العرض بشكل جيد ومتجانس ليليق بفساتين ديور التي زينت النساء في أجمل الحفلات والسهرات المسائية، تلك المؤثرات تضفي ديناميكية على الفساتين المعروضة، لأن وضع الفساتين بشكل ثابت على التماثيل الصناعية أفقدها جزءا من ديناميكيتها، لذا على التقنيين احترام المحتوى، وتسليط الضوء على ما يحتاجه العرض، فالمؤثرات هي خلفية للعمل.

في مدينة برشلونة الإسبانية يقوم فريق من الحرفين بعمل مجموعة من الزهور المصنوعة يدويا لتوضع في بهو المعرض، لطالما أحب السيد ديور الزهور رغم أنه باريسي حتى الصميم ويحب تلك المدينة، لكنه كان يجلس في حديقة منزله بين زهوره التي أحبها، مستلهما منها أجمل إبداعاته وابتكاراته.

يبلغ عدد فساتين “ديور” المشاركة في المعرض 300 فستانا مثلت 70 عاما من تاريخ دار الأزياء

 

عرض ثابت وجمهور متحرك.. غوص في تاريخ الأقمشة

من أصعب الأمور التي قد يواجهها الفريق ترتيب الفساتين، لذا ستكون هناك تخمينات عديدة عن كيفية ظهورها، ففي عروض الأزياء يكون الناس جالسين والعرض متحركا، أما في المعارض يكون الناس هم المتحركون، لذا يجب مراعاة الجانب البصري ورؤيته من جميع الاتجاهات.  أما بالنسبة للنصوص التي ستثبّت، فيجب أن تكون مقروءة، فقد يستغرق الزائر ساعتين، لذا يجب أن تكون الرؤية واضحة ومريحة، ومن الضروري إثارة فضولهم لطرح أسئلة ليجدوا الإجابات المناسبة في المعرض.

عشق ديور تصميم الأزياء لأنه كان عاشقا للفن التشكيلي، كما أنه كان مهتما بتاريخ الأقمشة، وكان يحب زيارة المتاحف حول العالم، ومنذ زمانه حتى يومنا هذا بقي التفاعل مع الفن بارزا ومتوافقا مع رؤية الدار وأزيائها الراقية.

لا تقوم فكرة الدار على أن الأزياء ملفتة، لأنها مستوحاة من أعمال فنية، فلا توجد هرمية في العلاقة، لأن الفساتين الراقية هي عمل فني قائم بحد ذاته، ولا تقل أهمية عن لوحة أو تحفة وكلاهما ملهم للآخر، لذا فقد جُلبت العديد من القطع للمعرض من عدة متاحف كاللوفر وغودوبوم وبيكاسو وفرساي والمتحف الوطني للفن المعاصر.

سيدة فرنسا الأولى “بريجيت ماكرون” كانت إحدى المدعوات لحفل افتتاح المعرض التاريخي

 

قبعات “جونز”.. عرض مسرحي من القرن الـ18

كما جُلبت في المعرض القبعات التي صممها “ستيفن جونز” للمجموعة المصرية للمصمم “جون غاليانو” التي استغرق عملها ثلاثة أسابيع، حيث صُنعت نقشاتها في باريس ونُحتت الكتابة في بلجيكا وطُليت في إنجلترا، ثم جمّعت مرة أخرى في فرنسا، كانت تلك مغامرة لوجستية إبداعية ضخمة.

“جون غاليانو” مصمم مبدع يحيط به كنز من الخيال الفني فيترجم أحلامه إلى حقيقة، فلقد أبهر “غاليانو” العالم بتصاميمه لأن مراجعه وثقافته كانت مختلفة الغرابة، وأطلق عليه اسم “مصمم البَنِك”. وفي سنواته الأولى بحث في تاريخ السيد ديور وتاريخ الفن والموضة وركز على شخصيات نسائية قوية كـ”الماركيزا كاساتي” و”دوقة كستنيدني”، وكانت عروضه تعج بالحياة كأنها عرض مسرحي لا حدود فيها للخيال والإبداع، فغالبا ما تكون للأزياء محددات وحواجز وهي جسد المرأة، لكن “غاليانو” تعدى هذا كله.

وبعد “غاليانو” رُشح “راف سيمونز” رئيسا لدار ديور وهو الذي جاء من الأكاديمية الملكية للفنون الجميلة، وهي مدرسة أزياء مرموقة، امتاز هذا المصمم البلجيكي بالبساطة والأناقة في آن واحد، حتى أن الصحفيين وصفوه بالمُقتّر، لكن أسلوب “راف” في مجموعته التي صممها للقرن الثامن عشر كانت نموذجية جدا، فقد أظهر فيها ملامح ذلك العصر، فبدت غنيّة بمحتواها التاريخي، ولكن بلمسات عصرية وأسلوب بسيط ومُلفت.

لمسات ساحرة أضفت على المعرض روعته وأبهرت الزائرين بتنظيمه

 

لمسات ساحرة مبهرة.. معرض للتاريخ

الأزياء الراقية أبدية في كل الحالات، فهي تعني المهارة وتتطلب الخيال والمحافظة على النوعية والقيمة ذاتها في دار الأزياء، لكن في الوقت ذاته اختلاف الحضور مهم، لذا عند زيارة المعرض سيرى الناس اختلاف الرؤية الفنية مع مرور الوقت، بُعيد الحرب أنتج السيد ديور منتجا خياليا؛ فقد أحب الزي الرسمي والتأنق والرومانسية، وبعد ذلك توالى على الدار عدد من المصممين المبدعين باختلاف أذواقهم وإبداعاتهم، لكن بقي الحفاظ على الجوهر ركيزة لكل تلك الأعمال.

في المعرض انخفض عدد الفساتين من ألف إلى ثلاثمئة فستان، وأصبح المعرض جاهزا لاستقبال الضيوف؛ رحبت عمدة باريس بمشاهير العالم الذين عبّروا عن إعجابهم الشديد وانبهارهم، كان المكان أشبه بعالم خيالي وحلم مليء بالكنوز والجمال والفن والإبداع.

كان المتحف يحمل تعاقبا منطقيا، واستطاع مخاطبة جمهور متنوع، تمثل ذلك في الملابس الراقية وكيفية وضعها أو ارتدائها وفسيولوجية القماش وما تحمله من إبهار، وكذلك فساتين ديور الساحرة ومدلولاتها، جميعها شكلت إحساسا ونظرة فاتنة وثورية وخلاقة للعالم.