تحرير الجزائر.. وعقدنا العزم أن تحيا الجزائر

تفتح الجزيرة الوثائقية ملف احتلال الجزائر في سلسلة من ثلاث حلقات تعرض فيها وثائق هامة وتوثق شهادات شهود عيان للمذابح والمجازر التي اقترفها الفرنسيون بحق أصحاب البلاد والتي قادت إلى الثورة ثم الاستقلال في يوليو/تموز 1962.

وتبحث الحلقة الثالثة والأخيرة منه موضوع تدويل القضية الجزائرية، والجهود التي بذلتها جبهة التحرير، في طرح قضيتها في المحافل الدولية والإقليمية، وكيف تصدت فرنسا لهذه الجهود، وعانت من جرائها عزلة دولية، أدت بها في النهاية إلى الاعتراف بحق الجزائريين في تقرير مصيرهم، وصولا إلى الجلوس وجها لوجه مع الثوار على طاولة المفاوضات.

 

حسن العدم

 

تدويل القضية الجزائرية.. وفشل فرنسا

يمكن توضيح وجهة النظر الفرنسية تجاه تدويل القضية، من خلال الوثيقتين التاليتين اللتين توضحان مدى قلق الحكومة الفرنسية من هذه الخطوة الجريئة من قبل الثوار:

الوثيقة الأولى؛ عبارة عن رسالة من رئيس الحكومة إلى الممثل الدائم لفرنسا في مجلس الأمن في يونيو/حزيران 1956: ليست القضية الجزائرية قضية بين دول حتى تُطرح في مجلس الأمن، ولكنها شأن داخلي فرنسي، ولا يمكن لمجلس الأمن التدخل إلا إذا طال أمد مثل هذه القضايا، أو شكلت تهديدا للأمن والسلم الدوليين، وهذا ما لم يحدث، ابذلوا قصارى جهدكم من أجل إحباط هذه الحملة.

أما الوثيقة الثانية، فكانت برقية من السفير الفرنسي في واشنطن إلى وزير الخارجية الفرنسي، في سبتمبر/أيلول 1956: إن السيد “هوفر” نائب وكيل وزارة الخارجية الأمريكية أبلغنا أن الوجود الفرنسي في الجزائر معترف به أمريكيا، وأن بإمكان فرنسا التعويل والاعتماد على التفاهمات المعترف بها بين البلدين في هذا الصدد، لكن المجموعة العربية والآسيوية قررت إدراج هذا البند ضمن جدول أعمال الجمعية العامة للأمم المتحدة، وأن الوقت المناسب للتدخل هو عند افتتاح الجلسة.

هكذا، وبعد سنتين من انطلاق الثورة، نجحت جبهة التحرير في إدراج بند القضية الجزائرية ضمن جدول أعمال الجمعية العامة للأمم المتحدة، وبالتالي البدء في تحقيق ثاني الأهداف العامة للثورة، ولم يبق سوى الهدف الثالث وهو البدء بالمفاوضات وصولا إلى الاستقلال التام.

في الواقع، كان يُنظر إلى هذا الهدف على أنه بعيد المنال في 1958، وذلك نظرا لتفاقم الأوضاع بعد معركة الجزائر، والقمع الفرنسي للشعب أثناء تلك المعركة، حينها قررت مجموعة من المستعمرين الفرنسيين عُرفوا فيما بعد بمجموعة “ذوي الأقدام السوداء” أن يقوموا بانقلاب في 14 مايو/أيار 1958.

خطاب “ديغول” التاريخي في الجزائر بعد يومين فقط من تسلّمه الحكومة، وفيه قال كلمته المشهورة: “لقد فهمتكم”

 

عودة “ديغول”.. عرّاب فكرة الجزائر الفرنسية

ساعد في انقلاب مايو/أيار جنرالات كبار من الجيش الفرنسي، حيث ساهم هذا في إعادة الجنرال “شارل ديغول” إلى سدة الحكم بعد عشرين يوما فقط من الانقلاب، كرئيس للوزراء أولا، ثم كأول رئيس للجمهورية الخامسة، وذلك في ديسمبر/كانون أول 1958، حيث يسجل أن هذه هي المرة الأولى التي استطاعت فيها الجزائر كمستعمرة أن تحدث هذا الزلزال الكبير داخل أروقة الحكم في باريس.

يقول “جان بول بلير”، مؤرخ وخبير بسياسة “شارل ديغول”: لم يكن ديغول وراء الانقلاب بل إنه أوقفه، ولا ننكر أنه استفاد منه، وفي إعادة قراءة الانقلاب، نجد أن شريحة كبيرة من الفرنسيين كانت تميل إلى فكرة “الجزائر الفرنسية”، وهو شعار يمكن أن تتشكل تحت مظلته العديد من المعادلات السياسية، لكن الأمر المؤكد هو أن طيفا واسعا من الفرنسيين يؤيدون الوجود لفرنسي في الجزائر.

زار “ديغول” الجزائر بعد يومين فقط من تسلّمه الحكومة، وهناك قال كلمته المشهورة: “لقد فهمتكم”، وهي جملة لا تحمل معنى محددا، ولكنها عندما تخرج من شخصية محنكة مثل “ديغول”، يكون لها مفاهيم عميقة مختلفة، باختلاف أفهام النخب التي سمعتها، ويميل المؤرخ “بلير” إلى أن هذه الكلمة كانت موجهة إلى فرنسيي الجزائر، ثم إلى المسلمين الذين يرغبون ببقاء فرنسا في الجزائر.

لكن الكاتب والمؤرخ “العربي الزبيري”، رأى أن الجزائريين كانوا مجبرين على الخروج للترحيب بـ”ديغول” وسماع خطابه، ولا يعني ذلك بالضرورة أن يكونوا مؤيدين لمجيئه، أو حتى لطرحه فكرة “أن فرنسا تعتبر الجزائر تحتوي على فئة واحدة موحدة من السكان، وتعتبركم جميعا فرنسيين”.

“ديغول”، يعلن تشكيل الحكومة الجزائرية المؤقتة في سبتمبر/أيلول 1958 برئاسة فرحات عباس

 

إعلان الحكومة المؤقتة.. “إن يسرق فقد سرق أخ له من قبل”

اعتمدت الحكومة الفرنسية خطة تعليم شامل في الجزائر، ورصدت لها 23 مليار فرنك، لمحو الأمية تماما في غضون ثمانية أعوام، ولكن ما لم يفهمه “ديغول” هو أن الجزائريين كانوا قد تجاوزوا فكرة “الجزائر الفرنسية” منذ أن أعلنوا الثورة ورفعوا السلاح في نوفمبر/تشرين الثاني 1954، وقد استبقت جبهة التحرير مراسم تسليم رئاسة الجمهورية الفرنسية لـ”ديغول”، بإعلان تشكيل الحكومة الجزائرية المؤقتة في سبتمبر/أيلول 1958 في القاهرة، برئاسة فرحات عباس.

تقول “سيلفي تينو”، مسؤولة الأبحاث في المركز الوطني للبحوث العلمية: لقد كان تشكيل الحكومة الجزائرية المؤقتة في الجزائر رسالة قوية للرئيس “ديغول”، فكانوا يريدون أن يقولوا له: سيادة الرئيس، تذكَّر أنك قمت بتشكيل حكومة مؤقتة لفرنسا في المنفى عام 1944، مع العلم أنه كان في فرنسا حكومة شرعية آنذاك، ولكنك لم تكن تعترف بشرعيتها، فالذي رضيت به لنفسك في ذلك الوقت، يجب أن ترضاه لغيرك اليوم.

وتمثلت ردة الفعل الفرنسية تجاه الحكومة المؤقتة برسالة بعث بها وزير الخارجية إلى سفراء فرنسا في الدول المختلفة، مفادها: من المهم جدا إفساد تلك المؤامرة المكشوفة، والمتمثلة في إعلان الحكومة الجزائرية المؤقتة، والتشديد على الطبيعة المصطنعة لتلك الحكومة، فهي:

–         أولا: شكلت نفسها بنفسها، وليس من خلال انتخابات أو مرجعية شعبية.

–         ثانيا: لا تتمتع بواقع السلطة القانونية، فمن المستحيل أن تمثل ذرة من التراب الجزائري أو أن تقف عليه.

–         ثالثا: وهي بالتالي لا تملك سيطرة على هذا التراب، ولا دفعا للأعمال الإجرامية التي يقوم بها أفراد العصابات التابعة لها التي لا تفرق بين الأبرياء من حيث أصولهم وأعراقهم.

–         رابعا: هذا الغياب التام للصفة القانونية والتمثيلية، لا يسمح لها بالوفاء بتعهداتها، والالتزام بمسؤولياتها.

وعليه فإن الاعتراف بهذا الكيان المتشكل في القاهرة، يعني تدخلا في الشؤون الداخلية الفرنسية، وعملا عدائيا على أقل تقدير.

دعا “ديغول” إلى “سلام الشجعان”، يلقي فيها الجزائريون السلاح باختيارهم، ويرفعون الرايات البيضاء

 

“خطة قسنطينة”.. محاولة أخيرة لسلام الشجعان

يقول المؤرخ “بنجامين ستورا” حول أولويات الحكومة المؤقتة: كان من أهم أولويات الحكومة المؤقتة، الحصول على الاعتراف من أكبر عدد من الدول، وكانت الصين ودول أوروبا الشرقية ودول الجامعة العربية هي أول الدول التي اعترفت بالحكومة الجزائرية واستقبلت ممثليها الدبلوماسيين. بل وتعدى الأمر إلى أن تُدعى الحكومة المؤقتة إلى مؤتمرات إقليمية ودولية واسعة، مثل الاجتماعات المغاربية، وجامعة الدول العربية، ودول عدم الانحياز وغيرها.

ظل “ديغول” يفكر في الجزائر الفرنسية، أو المستعمرات ذات الحقوق الموسعة، فدعا من قسنطينة إلى تنمية شاملة في مجال الاقتصاد والتعليم، الهدف منها الارتقاء بالحالة الجزائرية اجتماعيا واقتصاديا وتعليميا، من خلال ما سمي بـ”خطة قسنطينة”، ظنا منه أن ما هذا هو كل ما كان ينقص الإنسان الجزائري.

وكانت له دعوة جريئة أخرى إلى ما سمي “سلام الشجعان”، يلقي فيها الجزائريون السلاح باختيارهم، ويرفعون الرايات البيضاء، كرمز للاستسلام الاختياري، ويتركون فرصة لعجلة التنمية أن تأخذ فرصتها، وكان “ديغول” ما يزال يحلم بأن يقبل الجزائريون فكرة “الجزائر الفرنسية”، ولكن رجال جبهة التحرير ردوا عليه برفع بنادقهم وأسلحتهم، معلنين أن “سلام الشجعان” هذا يصب في صالح فرنسا والاستعمار، ولا يمكن أن يكون في مصلحة الجزائر.

شكل “ديغول” ما سمي بـ”الآلة الضاغطة” وقوامها 600 ألف جندي من رجال المظلات والمشاة والآليات ضد الثورة

 

حرب العصابات الضاغطة.. تجهيز كرسي التفاوض

بعد تنصيب “ديغول” رئيسا للجمهورية في أواخر 1958، تم تعيين الجنرال “شال” قائدا للعمليات العسكرية، وبادر هذا الجنرال إلى تشكيل ما سمي بـ”الآلة الضاغطة”، وقوامها 600 ألف جندي من رجال المظلات والمشاة والمتخصصين في حروب العصابات، تدعمهم الطائرات العسكرية ومختلف المصفحات، وكان ذلك بداية عهد العمليات العسكرية الكبرى.

خلال عام 1959 والذي يليه نفذت عمليات عسكرية كبرى شملت جميع الولايات الجزائرية ومناطق الحدود، وكانت أهدافها العامة تلتقي على إضعاف القوة العسكرية لجبهة التحرير، ومنع دخول السلاح، وضرب القوافل التي تنجح في إدخال الأسلحة.

وعلى المستوى السياسي، فقد كان صانع القرار الفرنسي على دراية بأن التفاوض سوف يكون قدَرا آتيا لا محالة، فوجب استباقه بضربة عسكرية موجعة من شأنها أن تحسن الوضع التفاوضي لفرنسا، حتى تفاوض من مركز قوة عدوا يجثو على ركبتيه.

يقول “ستورا”: للأسف فإن كثيرا من الجزائريين يذكرون اسم “ديغول” مرادفا للاستقلال، وينسون أن عهده كان دمويا للغاية ضدهم، خصوصا الفترة من 1959-1961، فالآلة الضاغطة وقنابل النابالم وتهجير القرويين والمجازر المروعة، كل هذا كان يفعله “ديغول” استرضاء للجيش وللمستعمرين في الجزائر.

وعلى الرغم من ست زيارات قام بها “ديغول” للجزائر خلال عامين، فقد تكرست لديه فكرة أن الاستعمار لا يستمر مع المقاومة مهما طال الزمن، وذلك بعدما رأى من الصمود والنضال والمقاومة التي أبداها مجاهدو الجزائر في وجه الآلة الضاغطة، يُضاف إلى ذلك ما كانت تشعر به فرنسا من عزلة دولية، جرّاء اصطفاف عدد من دول العالم بجانب استقلال الجزائر، وعلى رأسها الاتحاد السوفياتي والولايات المتحدة.

“ديغول” يعلن في 14 حزيران يونيو 1960 أن من حق الجزائريين تقرير مصيرهم لحل مأساة معقدة ومؤلمة

 

حق تقرير المصير.. مفاوضات مع الثوار

يقول المحامي “جاك فيرجيس”: أخبرني صديق جزائري عن الحديث الذي دار بين أعضاء الحكومة المؤقتة والزعيم الصيني “ماو تسي تونغ”، قالوا له: لقد انتظرنا تسوية مع الرئيس “ديغول”، لكنه خذلنا، ليس لأنه لا وجود لأي أفق سياسي فحسب، ولكن الوجود العسكري أصبح أكثر كثافة من أي وقت مضى.

فأجابهم: لا يدعوَنَّكم هذا إلى التخاذل، فالجنرال “ديغول” هو مناضل مثلكم، وقد ورث إمبراطورية ضخمة لقاء نضاله، ومن الصعب أن يفرّط فيها بهذه السهولة، وهو لن يتنازل بقبول الحماية الأمريكية، ولذلك فهو سيحاول سحقكم وتدميركم، ولكن إن صبرتم وقاومتم فستنالون الاستقلال.

في سبتمبر/أيلول 1959 أعلن “ديغول” اعتراف فرنسا بحق تقرير المصير للشعب الجزائري، وهي خطوة رآها المؤرخون بمثابة الحفاظ على المصالح الفرنسية العليا، الاقتصادية منها والعسكرية بشكل أساسي، وليس حرصا على مصالح الشعب الجزائري.

في يونيو/حزيران 1960 تحدث “ديغول” في خطاب عام للفرنسيين، وذكر ما كان يؤرقه عن وضع الجزائر، وتساءل: ما مصير الجزائر؟ لم يخطر ببالي أنني سوف أتمكن في لحظة من حل هذه المشكلة العالقة منذ 130 عاما، إنه لا حل سوى إعطاء حق تقرير المصير للشعب الجزائري، وإنني هنا بانتظار الثوار للمجيء والتحدث عن هذا المصير.

“ديغول” يصرح للأوروبيين: “جزائر أبي قد ولّى عهدها، لا يمكنكم دخولها يا أصحاب الأقدام السود”

 

“جزائر أبي قد ولّى عهدها”.. ثمار الاستقلال

يقول المؤرخ “ستورا”: الحقيقة أن “ديغول” كان يواجه ضغوطا داخلية؛ كان أولها عندما دعا الشباب للتجنيد الإجباري في الجيش من أجل إرسالهم للقتال في المستعمرات، وتحديدا في الجزائر. والثاني: الهجرة المعاكسة من الجزائر إلى فرنسا التي تضاعفت خلال سنة من 200 ألف إلى 400 ألف، ومعظمهم مناصرون لجبهة التحرير، وهذا ما دعا “ديغول” إلى تغيير جذري في نبرة خطابه.

لقد أثبت الجزائريون قدرتهم على الفعل، فكانت ست سنوات منذ انطلاق فعاليات حرب التحرير كافية ليصل الثوار إلى طاولة المفاوضات مع جلاديهم، لقد كانت مفاوضات مضنية استمرت عامين طويلين، ولكن الجزائريين قطفوا الثمار بعد ذلك استقلالا وتحريرا كاملين، واندحارا وانسحابا لجنود الغزاة بعد احتلال دام 132 عاما، ليقول الشعب كلمته الخالدة: إن الحقوق لا تفنى ولا تبطل بالتقادم، ولا بتطاول العهد.

يقول أحمد شوقي:

دَمُ الثُوّارِ تَعرِفُهُ فَرَنسا .. وَتَعلَمُ أَنَّهُ نورٌ وَحَقُّ

ولقد كانت كلمة “ديغول”، لذلك المستعمر من ذوي الأقدام السوداء-الذي كان يقنعه بالبقاء في الجزائر- أبلغ ردٍ من سياسي محنك ورجل عارف بأمور الحرب والسلام، ومناضل ذاق ويلات الاحتلال لبلده: “يا صاح: جزائر أبي قد ولّى عهدها”، وهي كلمة موجزة بليغة، تلخص تطوّر فكر هذا الرجل منذ كان يعتقد أن الجزائر حديقة خلفية لفرنسا، إلى أن استوعب في النهاية أن الأرض تلفظ الخبث، ولا يبقى عليها إلا من رواها بدمه.