“مطلوب عروس”.. ملاذ أوكراني لإنقاذ الطائفة السامرية من الانقراض

أن يبحث شاب عن فتاة مناسبة كي يتزوجها هي مهمة ليست سهلة على الدوام، فكيف إذا كانت في مجتمع تبلغ نسبة الذكور فيه ثلاثة أضعاف الإناث، فضلا عن محاذير تكاد تمنعه من الزواج من خارجه؟

يأخذنا فيلم “مطلوب عروس” من إنتاج الجزيرة الوثائقية في رحلة من أعالي جبل جرزيم في مدينة نابلس الفلسطينية إلى كييف عاصمة أوكرانيا بحثا عن عروس، فعدد كبير من شبان الطائفة “السامرية” في فلسطين قد فاتهم قطار الزواج، وذلك بسبب شُحّ عدد النساء في الطائفة الأصغر في العالم.

كفاح السامريين.. شح أعداد النساء وتعقيدات التقاليد

يروي الفيلم معاناة شباب السامريين في رحلة بحثهم عن زوجة مناسبة، فكيف بدأوا البحث؟ وكيف اختاروا زوجاتهم؟ لتعود معدة الفيلم سوسن قاعود إلى أرشيف أعدته منذ عام 2006، وإلى بعض الأماكن بعد 15 عاما.

 

اللافت في هذه الطائفة الصغيرة أن كل فتاة مهما صغرت فإنها بلا شك مخطوبة، فالزواج هو أكثر الموضوعات أهمية عند فتيات الطائفة، لذلك فهو أمر غير متروك للصدفة أو للغد، خصوصا مع تدخل العائلات بشكل كبير في ترتيب الزواج، وتحديد “مَن ستكون عروس مَن؟”، وذلك منذ اللحظات الأولى لميلاد أي ولد، إذ يرفع الأهل إعلانهم البحث عن عروس.

ولأن عدد أفراد “السومريين” لا يتجاوز 700 شخص، فإن الطائفة تعيش حالة من النضال المستمر للحفاظ على وجودها، والتكاثر دون فقدان عاداتها وتقاليدها وهويتها الدينية، لكن الأمور لا تمضي كما يحب أهلها، فعدد المواليد الذكور يبلغ ثلاثة أضعاف المواليد الإناث، وهو ما يجعل وصول أعداد الطائفة إلى ألف نسمة مهمة صعبة، خصوصا في ظلّ وجود تعقيدات إضافية في تقاليد الزواج.

“من يتزوج ابنتي لا بد أن يأتي بعروس لابني”.. صفقات الزواج

في مجالس النساء التي تُسمى الاستقبال باللهجة النابلسية يجري ترتيب كل شيء له علاقة بصفقات الزواج، فالحديث عن الزواج يأخذ شكل المفاوضات، خصوصا فيما يُعرف بزواج البدل، وهو أمر لا يلقى قبولا لدى الجميع.

تجمع مجالس النساء التي تُسمى الاستقبال باللهجة النابلسية، فهنا يجري ترتيب كل شيء له علاقة بصفقات الزواج

تقول نظمية ألطيف إن الزواج في الطائفة موضوع عائلي بحت، فرَضه ما وصفته بغزارة الإنتاج وسوء التوزيع، مؤكدة أن هناك عائلات تسيطر على أخرى في أمور الزواج.

أما منير وهو أحد الذكور المحظوظين في الطائفة، فيقول إن وجود أختين له يضمن له الحصول على عروس مقابل تزويج إحداهن، فلن يتم تزويج واحدة منهن إلا من عريس يضمن توفير عروس لمنير، فهناك قانون حازم يحكم الطائفة ويؤكده والد منير؛ وهو “من يتزوج ابنتي لا بد أن يأتي بعروس لابني، أريد أن أضمن مستقبله”.

هروب من العنوسة والأمراض الوراثية.. ثورة داخل الطائفة

خوف الطائفة من التفكك جعل فتيانها وشبابها في قبضة سلطة دينية قوية، وهي سلطة يستمدها الكهنة من شريعة التوراة في أسفارها الخمسة الأولى، فالخلل الواضح في نسبة الذكور إلى الإناث في مجتمع السامريين فرض حلولا ليس فقط من خارج الطائفة، بل من خارج الوطن، فلجأ البعض إلى بنات أوكرانيا.

الكاهن الأكبر عبد العظيم صدقة اتخذ خطوة جريئة حين سمح للشباب السامريين بالزواج من خارج الطائفة ضمن شروط مُشددة

في عام 2003 اتخذ الكاهن الأكبر عبد العظيم صدقة خطوة جريئة كانت بمثابة ثورة في الطائفة، وذلك بعد أن سمح لابنه وضّاح ولشباب السامريين بالزواج من خارج الطائفة ضمن شروط مُشددة تضمن دخول هؤلاء الزوجات إلى الطائفة. لكن منافع الزواج من الأوكرانيات لا تقتصر على إيجاد حلول لأزمة نسبة الشباب إلى الشابات عند السامريين فقط، بل كانت سبيلا للهروب من الأمراض الوراثية الناتجة عن زواج الأقارب لعشرات السنين.

ويرى وضّاح الكاهن أن في الخطوة التي قام بها -بالزواج من أوكرانية- تحديا للسمَرَة كلهم، لكنها لمصلحته ولمصلحة السامريين أيضا كما يقول، ويروي قصة سفره إلى أوكرانيا وزواجه من هناك عن طريق أحد مكاتب الزواج. إنها قصة دفعت شورا الكاهن -زوجة وضّاح- إلى القبول به زوجا عندما علمت بتمسكه بها بمجرد رؤية صورتها، ومن ثم انتقالها إلى نابلس، وتعرفها على دين ومجتمع وعادات جديدة سرعان ما تأقلمت معها.

شبّاك في حائط مسدود.. حب واختيار ينسفان زواج البدل

لقد شكلت تجربة زواج وضّاح الكاهن -وهي الأولى من نوعها في تاريخ الطائفة- دافعا لـ14 شابا آخرين لتكرارها، فقد كانت بمثابة شباك يُفتح في حائط مسدود، خاصة أن زواجا مثل هذا يتضمن عنصرا كان غائبا في الزيجات الأخرى، ألا وهو الاختيار، فالحب والاختيار الحُر ينسفان فكرة زواج البدل.

وضاح الكاهن سافر إلى أوكرانيا للبحث عن عروسة عن طريق أحد مكاتب الزواج، وزيجته هي الأولى من نوعها في تاريخ الطائفة

وتطلبت عملية الاختيار هذه من عزام ألطيف شهرا كاملا في أوكرانيا يبحث عن عروس مناسبة، قبل أن يقع اختياره على “آللا” التي أصبحت لاحقا مصدرا لجلب زوجات من بني جنسها لشباب من السامريين.

تكرر الأمر أيضا مع سري ألطيف الذي وقع اختياره على “أناسيتا” بعد أن حاول مرارا الزواج من سامرية، غير أن عدم وجود أخت له حال دون أن يظفر بواحدة منهن في زواج بدل، وتضيف والدته سمر ألطيف أنها سعيدة مع زوجة ابنها سعادة ربما لم تكن لتتحقق لو تزوج بسامرية، فبنات طائفتها يغالين كثيرا في طلباتهن المادية.

زواج الأوكرانيات.. حبل النجاة من الانقراض السامري

لم يكن طريق مبارك مفرج للزواج من “يوليا” مُعبّدا، فقد واجه بعض المعارضة من أهله. وفي المقابل تقول والدة “يوليا” إنها قبلت بهذه الزيجة بعد أن لمست رغبة ابنتها في ذلك، فكل ما تريده هو أن تراها سعيدة، رغم شوقها الدائم لابنتها التي أصبحت تعيش على بعد آلاف الكيلومترات، سعادة تقول يوليا إنها وجدتها مع عائلة تشعر معها بالدفء والراحة، حتى أنها أصبحت بمنزلة عائلتها الحقيقية.

الأوكرانية “آللا” التي تزوجت بالسامري عزام “ألطيف”، وأصبحت لاحقا مصدرا لجلب زوجات من بني جنسها لشباب من السامريين

وبعد الزواج، يقع على الزوجة الأوكرانية عبء التعرف على عادات وتقاليد تعود إلى مئات السنين، وتنبع من بيئة وثقافة ودين مختلفين تماما عمّا ألفته في حياتها السابقة، لكن تأقلم الفتيات الأوكرانيات مع المجتمع الجديد ليس كافيا لدى بعض أبناء الطائفة الذين يرون في الزواج منهن ضياعا للهوية الدينية، وإن أقروا بأن بعض الشباب بلغوا 35 عاما ولم يجدوا زوجات مناسبات، الأمر الذي اضطرهم للذهاب إلى خيار الأوكرانيات.

ورغم الجدل الكبير والأسرار التي تلف مجتمع السامرية الصغير، يبقى البحث عن عروس مهمة ليست سهلة، فالبحث عن فتاة للزواج قد يكون رحلة صعبة تستمر لعقود.