“أنا والمرآة”.. هوس الجمال الصناعي يفتك بالمرأة اللبنانية

خاص-الوثائقية

عندما تسمع أن هناك بلدا عربيا كلبنان هو الأول في إجراء عمليات التجميل، والإحصاءات تقول إن هناك واحدة من بين كل 3 نساء قد أجرت عملية لتعديل أو تجميل نفسها، فلا بد من طرح عدة أسئلة حول أسباب هوس اللبنانيات بعمليات قد تضرهن أو تودي بحياتهن؟ وهل يلعب المجتمع دورا في إقبالهن على ذلك بسبب السلوكيات الخاطئة كالتنمر أو ما شابه؟ وما الأسباب النفسية وراء عمليات التجميل؟ وما رأي الدين في تلك العمليات؟

 

فيلم ” أنا والمرآة – هوس اللبنانيات بعمليات التجميل” الذي أنتجته الجزيرة الوثائقية، يروي قصص 5 نساء لبنانيات من خلفيات ثقافية واجتماعية مختلفة خضعن أو سيخضعن لعمليات جراحية تجميلية بهدف تغيير شكلهن وحياتهن أيضا.

ويلقي الفيلم الضوء -من خلال هذه النماذج- على الأسباب المختلفة التي تدفع إلى الجراحة التجميلية، فبعضهن يلجأن إليها لمحاربة علامات التقدّم بالعمر أو لمعالجة بعض العاهات الجسدية، وبعضهن الآخر يقدمن عليها بسبب تحريض الأهل على ذلك.

كما ترى بعض النساء أن عمليات التجميل لا بد منها، ليس لمعالجة عاهات جسدية وإنما لمواكبة الموضة، فلكل عام موضة مختلفة تقتضي تغيير الشكل.

آلاء الموسوي.. سقوط يبني عقدة الطفولة الدائمة

آلاء الموسوي إحدى بطلات الفيلم تقول إنها ليست خائفة من عمليات التجميل، وتعتبر نفسها الأسعد في العالم لأنها ستصبح جميلة وتستعيد ثقتها بنفسها، وتروي أنها سقطت على وجهها عندما كانت تبلغ من العمر 13 عاما وتتضرر أنفها، ومنذ ذلك الوقت وهي تعاني، وقد قال لها الطبيب إن عليها الانتظار حتى تبلغ 18 عاما لإجراء عملية الترميم والتجميل، وليس لديها مشكلة لو أعادتها ثلاث مرات أو أربع، بل المهم أن يصبح جميلا.

تخضع نساء كثيرات لعمليات تجميل الأنف

 

وتُعبر عن فرحتها لأنها ستصبح أصغر سنا وأنفها سيصبح أجمل وبالتالي هي ستصبح أجمل، وهذا أهم شيء بالنسبة لها.

وتعود آلاء بالذاكرة إلى طفولتها في المدرسة، حين كانت تختبئ خلف زميلاتها وتبتعد عن زملائها لأنهم كانوا يتنمرون على شكل أنفها ويصفونها بالقبيحة، ولهذا كانت تبتعد عنهم وتنزوي في أغلب الأوقات وتسأل نفسها: لماذا أنا؟ وما الذي حصل معي؟

صناعة الجمال.. تعويذة سحرية تفتح آفاق الزواج والعمل

لدى آلاء الموسوي نظرية مفادها، أن طبيب التجميل هو طبيب نفسي أيضا، لأنه يساهم في تغيير ما يزعج المرأة ويحسن نفسيتها التي ربما تكون قد تعبت بسبب هذا العيب في شكلها.

وتعتبر أن كثرة عمليات التجميل تحول المرأة إلى مدمنة وهذا ما جرى معها، إذ تقول: عندما أجريت عملية لأنفي لم أتردد في الخضوع مرة ثانية لعملية أخرى ليصبح أجمل، وبعدها امتدت العمليات لكامل وجهي، رغم أن الطبيب نصحني بغير ذلك، وهذا ينطبق على أغلب صديقاتي اللاتي لم يكنّ بحاجة إلى هذه العمليات، ولكنهن أجرينها بدافع الغيرة، أو ليصحبن أجمل”.

إضافة إلى أن الجمال –برأي آلاء- يفتح آفاق العمل والزواج للشاب والشابة، على عكس المرأة الأقل جمالا أو القبيحة التي تقل فرصها، وقد تكون معدومة.

“نساء من البلاستيك”.. تجميل بغرض الدعاية للعمل

تقول خبيرة التجميل ألفت منذر (31 عاما) إن عملها يجبرها على أن تبقى في أحسن صورة، لأن شكلها هو أحد طرق ترويج عملها، وقد أقرت أنها أجرت أكثر من عملية تجميل كي لا يظهر عليها التقدم في السن.

وتشرح ألفت كيف أن السيدات من زبائنها يعانين من نظرة المجتمع لهن، وهذه النظرة قد تصل إلى التنمر على شكلها في بعض الأحيان، وهو الأمر الذي يدفعهن لطلب التعديل والتغيير والتجميل.

خبيرة تجميل تؤمن بأن جمال شكلها هو أحد طرق ترويج عملها

 

باتت ألفت على يقين –من خلال مجال عملها- أن السيدات الطبيعيات، أي اللاتي لم يجرين أي عملية تجميل انقرضن في لبنان، وتحول أغلبهن إلى “نساء من البلاستيك” نتيجة للمبالغة في هذه العمليات، فالكل يريد التشبه بالنجمات والممثلات والمشهورات.

وهي ترى أن التجميل ينبغي أن يكون “للترتيب وليس لاستنساخ جمال سيدة أخرى عبر عمليات التجميل”.

جيهان الخطيب.. إرث العلامة المسجلة باسم المرأة اللبنانية

جيهان الخطيب امرأة متزوجة ولديها 4 أبناء أحدهم متزوج ولديه طفلة، وقد بدأ هوسها بعمليات التجميل في سن صغيرة، وتقول إنها مثل باقي اللبنانيات أجرت كثيرا من عمليات التجميل، وتقول إن النساء اللاتي لم يجرين عمليات تجميل أصبحن قلة أو حتى نادرات، لأن كل النساء يردن أن يبقين صغيرات في السن وجميلات بغض النظر عن الوسيلة، واصفة الموضوع بأنه فيروس يضرب لبنان والعالم بأسره.

وتقول جيهان إن المرأة اللبنانية بطبعها تحب الاهتمام بنفسها والبقاء أنيقة ومرتبة، وتحول هذا الموضوع إلى “علامة مسجلة” باسم المرأة اللبنانية، وتؤكد أن عمليات التجميل تواكب “الموضة” لأن معايير الجمال ومقاييسه تتغير كل عدة سنوات، حتى أصبحت كموضة الملابس، ولهذا فإن التعديلات أو التغييرات التي تنتج عن عمليات التجميل تبقي السيدة مواكبة لهذه الموضة.

والدة جيهان كانت أول من أجرى لها عملية تجميل في الأنف، ثم أصبح إجراء العمليات عادة بعد ذلك

 

وتكشف جيهان أن والدتها لعبت دورا كبيرا في عشقها لعمليات التجميل والاهتمام الزائد بنفسها، لأنها هي من أجرت لها أول عملية تجميل في أنفها، ولم تكن حينها قد أكملت 18 عاما من عمرها.

ومن بعدها تابعت مسيرة عمليات التجميل، وكانت كلما نظرت إلى المرآة تقول لنفسها إنها تحتاج لعمليات إضافية لتصبح أجمل، وتشير إلى أنها لم تكن غير راضية عن شكلها عندما كانت مراهقة، بل إنها كانت تعتبر نفسها جميلة، ولكن والدتها هي من أصرت على أن تجري لها عملية في أنفها، ولم تكن تتفهم أسباب هذه العملية، لأن شكل أنفها لم يكن سيئا وكان طبيعيا.

“لدي كثير من العيوب في جسدي”.. وجه لبنان الآخر

في مقابل آلاء الموسوي وألفت منذر وجيهان الخطيب نجد لينا أبيض، وهي أم وأستاذة مسرح في الجامعة الأمريكية ببيروت، ومتزوجة منذ نحو 3 عقود ولديها ابنتان، لكن لا تعني لها عمليات التجميل أي شيء، وتقول: لدي كثير من العيوب في جسدي، لكني لا أراها ولا يعنيني الموضوع، لأنه ليس لدي وقت، ولا أبحث عن الكمال.

لينا أبيض، أستاذة مسرح في الجامعة الأميركية ببيروت، غير أنها لا تؤمن بعمليات التجميل

 

وتتابع أن والدها ووالدتها كانا معجبين جدا بأولادهما ولم يقولا لها يوما إنه عليكِ تعديل هذا أو إجراء عملية تجميل لذاك، حتى أن زوجها لم يطلب منها يوما تغيير أو تعديل أي شيء في هيئتها ولم يبد أي ملاحظة على شكلها.

وتشير إلى أنها متصالحة جدا مع نفسها وشكلها وما يهمها هو عملها وعلاقتها بعدد من الأشخاص الذين لا تعنيهم هذه الشكليات.

ضغط المجتمع.. حين يصبح التجميل مهربا من قبح الواقع

ترى إحدى صديقات لينا -وهي لا ترفض عمليات التجميل- أن أسوأ أنواع الضغوط على النساء هو الضغط الاجتماعي، فهو الذي يدفع المرأة لتقليد صديقتها أو جارتها أو معارفها، ومن هنا تبدأ المشكلة.

وتقول لينا إن صديقتين من صديقات ابنتها أجرتا عمليات تجميل في سن الـ15، على عكس ابنتها التي تعاني من جرح في جبينها ورفضت إجراء عملية لترميمه مؤكدة أنه “جزء منها”.

صورة تعبر عن قدرة عمليات التجميل والمكياج على تغيير حقيقة الوجوه

وختمت أستاذة المسرح حديثها بتبرير فلسفي لهوس اللبنانيات بالتجميل والجمال، إذ تقول: لبنان تعصف به الأزمات والحروب والمشاكل بشكل مستمر، وقد يكون لجوء البعض للتجميل هروبا من هذه الأزمات وتنعما بالحياة بأبهى صورها مخافة فقدانها، وقد تشكل هذه العمليات متنفسا لهن من ما تعاني منه البلاد، وبسبب عدم قدرتهن على تغيير الواقع فإنهن يغيرن في أشكالهن ويجملن أنفسهن.

سماح حرب.. على نفسها جنت براقش

وتروي سماح حرب (31 عاما) أنها تطلقت بسبب عمليات التجميل، ظنا منها أن زوجها يريدها أجمل ويحب أن تجري عمليات تجميل، فجاءت النتيجة عكسية وتركها مع طفلتها، فقد كان يحبها لأنها طبيعية وبسبب غيرتها كامرأة فقد خسرت زوجها وزواجها.

وتشير إلى أن عدة نساء يبالغن في عمليات التجميل ويخسرن براءتهن ونقاوة وجوههن وجمالهن الطبيعي، وبعد التجميل تصبح إحداهن صناعية، وتحتاج لوضع الكثير من مساحيق التجميل في كل مرة تريد الخروج فيها من المنزل، وأقرت أنها قبل التجميل كانت أجمل ولكنها ارتكبت خطأ جسيما بخضوعها لعملية تجميل.

سماح واحدة من الفتيات اللاتي ندمن على عمليات التجميل، فقد فقدت زوجها بسبب ذلك

 

وختمت قائلة: عندما تكبر طفلتي سأخبرها عن أضرار هذه العمليات وأمنعها من إجرائها. ثم قدمت نصيحة لكل النساء بعدم الإقدام على هذه الخطوة، لأنها لا تجمل المرأة، بل تأتي بنتائج عكسية.

“كانت عينا الأم هي المرآة الطبيعية”

يقول دكتور علم النفس شوقي عازوي: إن صورة الإنسان تتكون في المرآة، وهي تمثل أهمية كبيرة لأن الإنسان لا يخرج من منزله إن لم ينظر إلى نفسه في المرآة، ولكن قبل وجود هذا الاختراع كانت عينا الأم هي المرآة الطبيعية.

وأضاف أن كل شخص يريد تغيير أو تعديل أي شيء في وجهه أو جسده، إنما يريد ذلك انطلاقا من نظرته إلى نفسه التي تتأثر بشدة بنظرة العالم إليه.

ويرى الدكتور عازوري أن الإنسان يصل إلى الجمال والكمال بتوازن بينه وبين نفسه، وحتى وإن وصل إليه فلن يكون دائما، ويعطي مثلا عن هذا الموضوع بقوله: إن الشخص قد ينظر لنفسه في المرآة كل يوم، فمرة يرى نفسه جميلا ومرتاحا، ومرة أخرى يظن فيها أنه قبيح، وكل هذه الصور والمشاعر المختلطة تأتي من الداخل، فإذا كان مرتاحا يرى نفسه جميلا، أما لو كان يعاني من مشاكل مهنية أو شخصية، فسيجد نفسه قبيحا.

“يكفي التنزه في شوارع بيروت للتأكد”.. إحصائية صادمة

تسلط إحدى القنوات التلفزيونية الفرنسية الضوء على الإفراط في العمليات التجميلية في لبنان، وصنفته بأنه البلد الذي يجرى فيه أكبر عدد من العمليات التجميلية متفوقا على البرازيل والولايات المتحدة.

وتقول القناة الفرنسية: يكفي التنزه في شوارع بيروت للتأكد من هذه المعلومة، لأن من بين كل 3 نساء امرأة خضعت لجراحة تجميلية وكأنه أمر عادي.

وردا على هذه الإحصائية الغريبة والصادمة، يقول جراح التجميل والترميم رولان طعمة: قولنا إن لبنان هو الأول عالميا، ويجرى فيه مليون عملية سنويا، فيه كثير من المبالغة والأصح أن لبنان بين الدول الأولى وليس الأول.

تقرير على إحدى القنوات الفرنسية حول لبنان كأكثر بلد تُجري فيها النساء عمليات تجميل

 

وتابع أنه ليس هناك إحصاءات أكيدة، ولكن هناك ميل كبير لإجراء العمليات لأسباب عدة بينها فتح مجالات عمل للنساء، وأعطى مثلا في موضوع الغناء، فالنجمات على الساحة حاليا “لا يمتلكن صوتا أو موهبة بل شكلا فقط، وذلك ما يوصلهن  للنجومية، واللبنانيات يبحثن عن جمال الأنف أو الشفاه والخدين والعينين وليس عن التناسق في الوجه، ولهذا فكثير من العمليات تفشل بسبب إصرار المرأة على شكل أو حجم معين، أو للكمال في الجمال، وهذا لا يستطيع أحد أبدا الوصول إليه.

شفط التشوه.. آثار العبث بالملامح البشرية

يقول جراح التجميل والترميم رولان طعمة إن استخدام مواد حقن أبدية في الوجه يؤدي إلى تشوه، ويحتاج إلى عملية شفط لسحب هذه المواد التي تتفاعل مع الشمس والحرارة والأجواء الباردة، وتسبب المشاكل للمرأة، وخاصة في الوجه، مما يؤدي لمشاكل نفسية واجتماعية.

في نفس السياق يتحدث جراح التجميل والترميم فادي سعد، قائلا إنه يسعى للمحافظة على الشكل، كي لا يسأل بعد أشهر من إجراء السيدة لعملية التجميل: من هذه؟

ويقول إن الناس تسأل أطباء التجميل ماذا يفعلون بالنساء، حتى بتن جميعهن يتشابهن؟ والسبب يعود إلى النساء اللاتي يردن أن يشبهن هذه الفنانة أو الممثلة، وجميعهن يسعين للتقليد والاستنساخ، إضافة إلى قلة خبرة عدد من الأطباء في تقاسيم الوجه وكيفية إجراء هذه العمليات.

“لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم”

أصبحت عمليات التجميل أمرا شائعا في لبنان تحت ضغط يمارسه الرقيب الاجتماعي وهوس تعيشه النساء، ولكن ماذا يقول الشرع عن هذه العمليات؟

يجيب الشيخ أحمد الكردي قاضي محكمة بعبدا الشرعية في لبنان، أن عمليات التجميل –في العموم- هي حديثة، ودخلت على واقع الإنسان لعدم رضا كثير من الناس عن هيئته وشكله.

الإسلام حرم عمليات التجميل التي تُدخل تغييرا جذريا على شكل الإنسان، إلا في حالات الضرورة القصوى

 

يقول الشيخ: هذه العمليات من إغواء الشيطان للإنسان، لأن الله خلق الإنسان فصوره وأحسن صورته، ولذلك يقول رب العالمين في محكم كتابه: “لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم”، فالإسلام حرم التغيير الذي يُدخل تغييرا جذريا على الإنسان، وهذا يعني أن تغيير الخلق أمر ينهى عنه الإسلام، ولا يجوز بأي حال من الأحوال إلا في حالات تدخل في نطاق الضرورة.