ويكيبيديا.. هبة الإنترنت لإنسان الألفية الثالثة

يونس مسكين

هي أول ما تقدمه محركات البحث الكبرى من صفحات النتائج، يزورها أكثر من 200 مليون مستخدم يوميا، أما زوارها شهريا وسنويا فيعدون بالمليارات، ويساهم في تحريرها آلاف المستخدمين من جميع أنحاء العالم، ويفوق تعدادهم 300 ألف مستخدم. يمكن للمقال الواحد فيها أن يخضع لآلاف التعديلات والتنقيحات، ويذيّل بمئات المصادر والمراجع، دون الحاجة إلى هيئة علمية أو إدارة مركزية في التحرير والنشر.[1]

خلف واجهتها المفتوحة، يقبع الآلاف من الويكيبيديين، وهم الكتاب المحررون المتدثر أغلبهم بحجاب السرية، حمايةً لهم، ومن بينهم صحفيون وأساتذة وعلماء ومتقاعدون وهواة مولعون بالبحث والتدوين والكتابة.

 

قد يبادر أحدهم بالكتابة عن موضوع لأهميته العلمية أو العملية، فيتعقبه جيش من الويكيبيديين الآخرين بالتصحيح والتصويب والتدقيق والمراجعة اللغوية، في عملية تطور لا تتناهى لمقالات الموسوعة. أسلوب جماعي في التوثيق لا مثيل له، بل ولا سابق له في تاريخ البشرية.

تحتفل ويكيبيديا بداية كل عام بذكرى تأسيسها، وبحلول يناير/كانون الثاني 2022، ستطفئ ويكيبيديا شمعتها الحادية والعشرين. هي -وبدون أدنى منازع- أكبر مصدر مفتوح للمعلومات المجانية، وبالرغم من الانتقادات والملاحظات التي توجه إلى هذه الموسوعة، لجهة دقة معطياتها، فإنها تحوز صفات إيجابية أخرى على رأسها الهدف غير الربحي، مما يجعلها نموذجا يكشف جشع المنصات الرقمية الأخرى التي ظهرت مع مطلع الألفية مثل فيسبوك.

توسعة نيوبيديا.. ثورة الفرع الذي تفوق على الأصل

يؤرخ ميلاد موسوعة ويكيبيديا العالمية في منتصف شهر يناير/كانون الثاني 2001، حين أطلقتها شركة تقنية ناشئة تسمى “نيوبيديا”، متوجة مسار تطور موسوعتها الإلكترونية التي كان يكتب مقالاتها مساهمون ومتطوعون ذوو خبرة، ثم يراجع محررون مختصون وخبراء كتاباتهم بطريقة صارمة، قبل نشرها بصيغة محتوى حر ومفتوح.[2]

الوصول إلى المعلومة العلمية قبل عصر ويكيبيبديا كان أمرا شاقا

 

كانت فكرة هذه الموسوعة المفتوحة مجرد خطوة تكميلية لمشروع قرر رجل الأعمال الأمريكي “جيمي ويلز” والباحث “لاري سانجر” إطلاقه لتطعيم محتوى موسوعتهما الأصلية “نيوبيديا”.

لكن ما جاء ليكون فرعيا ومكملا سيصبح أساسيا وأصليا، وسرعان ما ابتلعت موسوعة ويكيبيديا المفتوحة شقيقتها الكبرى “نيوبيديا” وأخذت مكانها بالكامل. ورغم أنها ذات طبيعة غير ربحية، فإن ويكيبيديا نجحت في الحصول على التمويلات الكافية من خلال التبرعات.[3]

“جيمي ويلز”.. كفارة علمية مفتوحة عن بدايات إباحية

يحسب للباحث “جيمي ويلز” حماية الطابع المفتوح والمجاني لموسوعة ويكيبيديا، فقد كان بمقدوره -كمالك لمؤسسة ويكيميديا- أن يجني مليارات الدولارات لو قرر السماح بإدراج الإعلانات إلى جانب مقالات الموسوعة، أو عرضها للبيع بشكل كامل.

بدأ “ويلز” مساره -الذي انتهى به إلى تأسيس ويكيبيديا- بانتقاله بداية التسعينيات من العمل كموظف لدى شركات تجارية، إلى تأسيس أول مشاريعه، وكان من أوائلها موقع إباحي بنموذج اقتصادي يقوم أساسا على نشر الإعلانات، قبل أن يقدم على إغلاق موقعه الخاص والكف نهائيا عن أي نشاط في مجال المحتوى الإباحي.[4]

مؤسسا ويكيبيدا الأمريكيان جيمي ويلز ولاري سانغر

 

وكما لو كان يبحث لنفسه عن حياة جديدة في القرن الجديد، قام “ويلز” سنة 2000 بتأسيس شركة أصدرت موسوعة “نيوبيديا” التي كانت تتسم بتقديم محتوى عالي المردودية، في مقابل كلفته الزهيدة. وبعد التطور البطيء للفكرة الأصلية، قرر “ويلز” افتتاح مشروع موسوعة جديدة مجانية وخالية من الإعلانات، مهمتها جمع المعرفة البشرية من أطرافها.

60 مليون مقال خلال 20 عاما.. موسوعة بكل لغات العالم

في وقت سابق على ظهور منصة فيسبوك العملاقة على يد طالب جامعي مغمور اسمه “مارك زوكربيرغ”، كان الطالب في جامعة إنديانا “جيمي ويلز” يحقق فكرة موسوعة رقمية مفتوحة، مستعينا بصديقه طالب الدراسات العليا في الفلسفة “لاري سانغر”، وكانت البذرة الأولى موسوعة “نيوبيديا” التي واجهت صعوبة كبيرة في إنتاج المحتوى، إذ لم تتجاوز عتبة 12 مقالا في سنتها الأولى.[5]

على العكس من ذلك، كان الفرع يتفوّق على الأصل بسرعة مذهلة، وبعد أقل من شهر واحد من انطلاق موسوعة ويكيبيديا، كانت تحتفل ببلوغ مقالها الألف، ثم ارتفع الإيقاع إلى أكثر من 1500 مقال شهريا في السنة الأولى فقط.[6]

موسوعة ويكيبيديا العربية.. أكثر من مليون مقالة منشورة

 

بمرور العام الأول على تأسيسها، أي متم سنة 2001، كانت ويكيبيديا قد جمعت ما يفوق 20 ألف مقالة موزعة بين 18 لغة، في رحلة نمو لم تتوقف طيلة العشرين سنة الموالية، حيث بات مجموع المقالات يناهز الستين مليونا، وعدد اللغات واللهجات المستعملة يلامس عتبة الـ300 لسان مختلف، مما جعل ويكيبيديا أكثر المراجع المعاصرة توثيقا للمعرفة الإنسانية.[7]

أطلقت الموسوعة نسختها العربية صيف العام 2003، لتتجاوز بعد أقل من عقدين من ذلك عتبة مليون مقال منشور بلغة الضاد، وتصبح بالتالي النسخة العربية من بين أكثر النسخ انتشارا وإنتاجا من بين لغات الموسوعة. وقد لعبت “ويكيبيديا العربية” دورا حيويا يتمثل في ملء الفراغ الكبير في مجال الموسوعات العلمية باللغة العربية.

 

وبعد مرور بضع سنوات على تأسيسها، افترقت السبل بمؤسسيها، فواصل “جيمي ويلز” الافتخار بها والدفاع عن نجاحها، بينما بات شريكه “لاري سانغر” على مسافة غير يسيرة من الموسوعة، بل هو اليوم أحد أكبر منتقديها، إذ يعيب هذا الشريك في تأسيس ويكيبيديا قلة اعتمادها على الخبرة.[8]

قواعد السلوك.. قانون تنظيم أكبر مصادر المعرفة المفتوحة

تعتمد مؤسسة “ويكيميديا” المالكة للموسوعة على قرابة 450 موظفا بدوام كامل، إلى جانب آلاف المتطوعين المبثوثين عبر قارات ودول العالم، ويموّل هذا النظام الضخم بواسطة مصدرين أساسيين، هما تبرعات مؤسسات كبرى تدعم المشروع لأهدافه العلمية والتثقيفية النبيلة، إلى جانب تبرعات الأفراد من مختلف الجنسيات.

كما أنشأت ويكيبيديا أدوات تتيح لمسؤوليها تتبع المعلومات ومراقبتها، منها خاصة “التغييرات الحديثة” التي تسمح برصد كل التعديلات الجديدة، ثم يقوم المتطوعون المعتمدون بقراءتها وتقييمها وتعديلها عند الحاجة. كما يمكن لكل متطوع يعمل لصالح الموسوعة، أن يضع صفحة ما تحت المراقبة، ليبقى على اطلاع دائم بالتعديلات التي تطالها من أجل تقييمها.

يعمل في موسوعة ويكيبيديا زهاء 13 ألف متطوع مسؤولون عن المحتوى العلمي للموسوعة المجانية

 

يجري تحرير المقالات بشكل منفصل بحسب اللغات وإن كان الموضوع واحدا، إذ يجد المستخدم معلومات مختلفة وأحيانا متباينة إلى حد كبير بين لغة وأخرى حول الموضوع نفسه، ويعبر ذلك عن اختلاف زوايا نظر ومواقف الثقافات والشعوب تجاه الظواهر والأحداث والموضوعات.

تتميز موسوعة ويكيبيديا بانتمائها إلى صنف من المنصات المعروفة بوصف “المصادر المفتوحة”، أي أن المستخدمين هم من يصنعون المحتوى الخاص بها بعيدا عن أي توجيه وتحديد مسبق للخط التحريري من طرف إدارة الموسوعة.

لكن هذا الوضع المميز لم يمنع الموسوعة من التدخل في السنوات الأخيرة لوضع قواعد سلوك معينة، إما لحماية المحتوى من التلاعب والتزييف، أو حماية المحررين أنفسهم من خطر التعرف عليهم واستهدافهم من طرف بعض الحكومات أو مراكز النفوذ السياسية والاقتصادية.

خوارزميات التدقيق وحماية القارئ.. خطوات تصفية المحتوى

طوّرت ويكيبيديا نظاما خاصا لتقييم وتصويب المحتوى، يقوم على مبدأ الشبكات الاجتماعية المعاصرة، أي النقاش والتفاعل المفتوح بين المستخدمين، الذي ينتهي بالوصول إلى أكثر الصيغ دقة وقربا من الحقيقة أو الموضوعية.

وتجنبا لأضرار محاولات التحريف والتلاعب، أحدثت موسوعة ويكيبيديا مجموعة من القواعد والاحترازات، من بينها حذف المقالات التي يتبين أنها غير دقيقة وحماية بعض المقالات المتعلقة بموضوعات حساسة وتحديد الأشخاص الذين يمكنهم تعديلها، كما اعتمدت الموسوعة تقنية الخوارزميات لرصد بعض الكلمات والعبارات التي تنطوي على البذاءة أو الكراهية، من أجل حظرها.

 

المديرة التنفيذية الحالية للموسوعة هي “ماريانا إسكندر”، وهي رائدة أعمال ومحامية أمريكية مصرية المولد، وتدير حاليا مؤسسة لتعجيل توظيف الشباب في هارامبي بجنوب أفريقيا. وقد أكدت منذ تقلدها المسؤولية وعيها بالطابع الشفاف والمفتوح للموسوعة، مع ما يتطلبه دلك من يقظة وحماية، مقدمة المثال بالمحتوى الذي نشرته ويكيبيديا أثناء معركة الانتخابات الرئاسية الأمريكية للعام 2020، ويعتبر من بين أكثر المحتويات دقة وقابلية للتحقق مقارنة بباقي المنصات.[9]

مقالات العلم والطب.. دقة تضرب أعرق الموسوعات العلمية

عكس الاعتقاد الذي ساد طويلا حول محتوى ويكيبيديا، والذي يبدو كما لو أنه عبثي ولا يستند إلى مرجعيات دقيقة، فإن الأمر في الحقيقة أكثر تعقيدا من ذلك. ففي دراسة أنجزت عام 2005 من طرف مجلة “نيتشر” (NATURE) وما زالت تعتبر مرجعية رغم مرور أكثر من 15 عاما عليها، تبيّن أن نسبة الأخطاء في مقالات ويكيبيديا أقل بكثير من تلك الموجودة في مقالات موسوعة “بريتانيكا” الشهيرة التي تعتبر مرجعا علميا موثوقا.[10]

الدراسة كشفت أن المقال الواحد في موسوعة “بريتانيكا” يتضمن معدلا يقارب 4 أخطاء (3.8)، في المقابل يتضمن المقال الواحد من مقالات ويكيبيديا أقل من ثلاثة أخطاء (2.9). ورغم الطابع المفتوح لويكيبيديا، فإن صنف الأخطاء الفادحة، كان متساويا بينها وبين موسوعة “بريتانيكا” التي يتولى تحريرها قرابة 100 موظف بدوام كامل إلى جانب آلاف المساهمين من بينهم علماء كبار.

 

دقة وصلابة المحتوى الذي تنشره ويكيبيديا تزداد كلما تعلق الأمر بموضوعات علمية أو طبية، لكن الخلل يستفحل أكثر كلما تعلق الأمر بمواضيع غير علمية، أو نقاشات خلافية لأسباب سياسية أو ثقافية، مثل نظرية التطور أو أصل الكون أو التغير المناخي، حيث تندلع مواجهات طاحنة بين المحررين والمساهمين، بات يطلق عليها اسم “حروب التحرير”، حيث يحاول كل طرف تعديل محتوى مقالات الموسوعة ليتناسب مع قناعاته.[11]

منظمة الصحة العالمية.. مرجع موثوق في مواجهة الجائحة

في فترة اشتداد وقع جائحة كورونا على العالم، بحثت منظمة الصحة العالمية عن حلف يجمعها بموسوعة ويكيبيديا بهدف ضمان نشر المعلومات الصحيحة والدقيقة عن الوباء، واحتواء الكم الهائل من الأخبار الزائفة حوله.

وبتوقيعهما اتفاقا بهذا الشأن، ضمنت منظمة الصحة العالمية نشر جزء كبير من قاعدة بياناتها حول كورونا بما يناهز 200 لغة مختلفة، وبالتالي وصولها إلى جزء كبير من سكان العالم، وبالمقابل حصلت ويكيبيديا على كنز ثمين من المعطيات الصحية والعلمية الدقيقة والمعززة بالرسومات التوضيحية ومقاطع الفيديو، بشكل مجاني، شريطة الإشارة الى المنظمة كمصدر للمعلومات ووضع روابط موقعها ضمن المقالات المنشورة.[12]

الاتفاقية بين منظمة الصحة العالمية وويكيبيديا زودت الأخيرة بمحتوى علمي موثوق

 

شكلت هذه الاتفاقية التي جمعت الموسوعة بمنظمة الصحة العالمية انعطافا كبيرا في مسارها، فقد كانت ويكيبيديا في السابق تتجنب الخوض في مسالة الأخبار الزائفة وكيفية محاربتها. ومما حفّز الموسوعة على دخول غمار هذا المجال، ما سبّبه موضوع هونغ كونغ وانقسام الآراء حول أخبارها، بين من يعتبر الحكومة الصينية مصدرا موثوقا ومن يطعن في ذلك.[13]

فالموسوعة تعتمد معيارا يتمثل في ضرورة استناد المقالات الجديدة على مصادر حكومية أو مقالات صحفية متسمة بالمصداقية، وهو ما بات موضوع خلاف وانقسام حين تعلق الأمر باحتجاجات هونغ كونغ، وما إن كانت معطيات المتظاهرين أولى بالتصديق، أم ما يصدر عن الحكومة الصينية.

روسيا والصين.. سياسات تحريرية تزعج عمالقة الشرق

لا تسلم الموسوعة -بحكم كونها مفتوحة المصادر- من التلاعب ومحاولات التوجيه والتدليس، حيث تقوم بعض الجماعات السياسية والاقتصادية بتجنيد كتّاب مكلفين بتغيير بعض الحقائق أو ترويج معطيات مغلوطة على أساس أنها صحيحة. ويبقى أشهر مقال غير صحيح نشرته ويكيبيديا، هو المقال الذي كان يتحدث عن “موستلودون”، أي فصيلة من البشر آكلي اللحوم، وكان المقال يزعم أنهم انقرضوا، وبقي ضمن سجلات الموسوعة زهاء 14 عاما.[14]

وتثير ويكيبيديا الكثير من الاحتجاجات من جانب دول تبدي حساسية تجاه السياسات الأمريكية، خاصة الصين وروسيا، إذ تشكك روسيا حتى في خلفيات عملية التمويل المفتوح الذي تستفيد منه ويكيبيديا، فموسكو تعتبر أن الموسوعة أداة لنقل الأموال التي تحصل عليها عن طريق التبرع من داخل روسيا إلى الولايات المتحدة الأمريكية. وتذهب روسيا إلى درجة التشكيك في شفافية صرف الأموال التي تحصل عليها ويكيبيديا، وما إن كانت تنفق على أنشطتها فعليا أم تؤول إلى جيوب مسيريها، كما تعتبر روسيا التبرعات المالية التي تحصل عليها ويكيبيديا -خاصة من جانب بعض المؤسسات الكبرى- مكافأة على وظيفة سياسية تتمثل في غربلة المعلومات ونشرها بشكل يتوافق مع وجهة النظر الغربية.[15]

يتفرع عن ويكيبيديا الأم 11 فرعا معرفيا

 

من جانبها، لا تخفي الصين توجسها من ويكيبيديا وأدوارها، وقد عبّرت عن ذلك منذ انطلاق الموسوعة عام 2001، حيث قامت بحظرها بشكل متكرر منذ العام 2004، قبل أن تعمد سنة 2015 إلى حجب النسخة الصينية من الموسوعة بالكامل، متهمة إياها باستهداف مبدأ “الصين الواحدة” والسعي إلى تقويض السيادة الصينية، خاصة من خلال المحتوى المنشور حول تايوان التي لا تعترف بكين باستقلالها.[16]

وقد قامت ويكيبيديا متم العام 2021، بوقف عمل 7 من محرريها الذين يعملون لديها من داخل الصين، معبرة عن شكوكها في كونهم يعملون لحساب الحكومة الصينية، ويحاولون التسلل إلى أنظمة التحكم في الموسوعة وتوجيهها نحو دعم وجهة النظر الصينية الرسمية.

بل إن الرئيس الروسي “فلاديمير بوتين” اقترح -في اجتماع رسمي في الكريملين- استبدال موسوعة ويكيبيديا بأخرى جديدة تحمل الهوية الروسية، بهدف مواجهة تأثير النسخة الناطقة باللغة الروسية من ويكيبيديا. وخصصت موسكو لمشروع إنشاء موسوعة جديدة شبيهة بويكيبيديا قرابة 27 مليون دولار، مما يؤكد الرهانات السياسية الكبرة المرتبطة بمثل هذه المشاريع.[17]

إسرائيل.. الاستثناء من قاعدة الحياد

من القضايا القليلة التي تتبنى فيها موسوعة “ويكيبيديا” موقفا منحازا بشكل صريح، القضية الفلسطينية، حيث لا تخفي الموسوعة ولا مؤسسها انحيازهما البيّن إلى إسرائيل ومواقفها واللغة التي توظفها في تناول المواضيع المرتبطة بهذه القضية. وتعتبر إسرائيل الاستثناء الوحيد في العالم، الذي لا يمكن لكتاب أو محررين من خارجها تعديل المحتوى المرتبط بها، وذلك منعا لأي تأثير من جانب المحيط العربي في المقالات المتعلقة بإسرائيل.

فبشكل متزامن مع تأسيس النسخة العربية من ويكيبيديا، أي سنة 2003، اندلعت معركة شهيرة بخصوص جدار الفصل الإسرائيلي، حيث سماه أول مقال نشرته الموسوعة “الجدار الأمني، وهو ما يطابق الرواية الإسرائيلية. بعد دقائق قليلة، تم تعديل المقال من طرف محرر أضاف عبارة عن إدانة منظمة الأمم المتحدة لهذا الجدار. ثم سرعان ما ظهر مصطلح “جدار الأبارتهايد” ضمن المقال، وهو الذي يحمل وجهة النظر العربية-الفلسطينية. في نهاية المطاف تم اعتماد عبارة “حاجز إسرائيل-الضفة الغربية”، في محاولة لحماية حياد الموسوعة.[18]

لا تخفي الموسوعة ولا مؤسسها انحيازهما البيّن إلى إسرائيل ومواقفها واللغة التي توظفها في تناول المواضيع المرتبطة بالقضية الفلسطينية

 

واقعة لم تكن سوى نموذجا لقضايا كثيرة اندلعت بخصوصها مواجهة حامية بشأن القضية الفلسطينية. وفي النهاية يبقى انحياز الموسوعة واضحا من خلال موقف مؤسسها جيمي ويلز، والذي لا يمل من التردد على إسرائيل وإبداء الود تجاهها. كما سبق لوليز أن حصل على جائزة قيمتها مليون دولار تمنحها جامعة تل أبيب.[19]

ولا يخفي ويلز انحيازه هذا في أكثر اللحظات حساسية، مثل فترات قيام إسرائيل بشن هجماتها العسكرية الوحشية ضد الفلسطينيين، حيث يعلن صراحة تأييده للاحتلال معتبرا أن من حق إسرائيل “الدفاع عن نفسها” في مواجهة أطراف فلسطينية مقاومة مثل حركة حماس.[20]

ويبرر ويلز مواقفه المنحازة لجانب إسرائيل بالحرص على ما يعتبره حياد، أي منع نشر أي محتوى يصف الدولة العبرية بالاحتلال أو ارتكاب الجرائم والفصل العنصري… ولم تتردد موسوعة ويكيبيديا في تبني موقف الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب، حين أعلن القدس عاصمة لإسرائيل، حيث سارعت الموسوعة الى تبني هذا الموقف، مثيرة ردود فعل قوية من جانب المحررين، وانتهى الأمر بتبني صيغ مختلفة بين النسخة العربية من ويكيبيديا والنسختين العبرية والإنجليزية.[21]

استهداف الأنظمة واللوبيات.. نجاح موسوعة مناضلة في عالم شائك

في الذكرى الـ11 لتأسيسها، في يناير/كانون الثاني 2012، قادت موسوعة ويكيبيديا عملية احتجاج إلكتروني فريدة من نوعها، فقامت بإغلاق صفحاتها الناطقة باللغة الإنجليزية لمدة 24 ساعة، وذلك احتجاجا على مشروع قانون كان موضوع نقاش في أوساط الرأي العام الأمريكي وقتها، ويرمي إلى زجر “القرصنة الإلكترونية”، وحظر إمكانية التحميل المجاني على الإنترنت، حماية لمصالح كبار عمالقة النشر عبر الإنترنت.[22]

ولم تسلم ويكيبيديا من استهداف الأنظمة السياسية وجماعات الضغط والنفوذ لمحتواها، حيث كانت عرضة للحجب والإغلاق في مناسبات كثيرة، منها فترة من شهر آب/أغسطس 2015، فقد حجب خلالها كثير من مقالاتها في روسيا، قبل أن يتكرر الأمر بشكل متقطع في صيف العام 2019. بينما أعلنت هيئة تكنولوجيا المعلومات والاتصالات التركية متم أبريل/نيسان 2017، أن تركيا حجبت موقع ويكيبيديا استنادا إلى قانون يسمح لها بحجب المواقع التي تعتبر فاحشة، أو تمثل تهديدا للأمن القومي.[23]

خلف واجهتها المفتوحة، يقبع آلاف الويكيبيديين، من الكتاب والمحررين متدثر أغلبهم بحجاب السرية

 

وكان لفيلم أنتجته المحطة الثقافية الفرنسية الألمانية “آرتي” بمناسبة الذكرى 20 لتأسيس ويكيبيديا، فضل كبير في التعريف بها وبإسهامها الخاص في الثقافة والحضارة الإنسانيتين، فالموسوعة الرقمية الجديدة جاءت لتنهي عصورا طويلة من الموسوعات الورقية المتقوقعة حضاريا، والتي تصف الإنسان صاحب البشرة الداكنة بالقصور الفكري مقارنة بنظيره الأبيض في الموسوعات الغربية، بينما تسم الانسان الأبيض بالإنسان “الأحمر، ورائحته كالكلب المبلول”، بحسب موسوعة صينية قديمة.[24]

 

المصادر

[1] https://www.youtube.com/watch?v=X5cpx6jrys0
[2] https://www.aljazeera.net/news/cultureandart/2021/1/16/عيد-ميلاد-ويكيبيديا-الـ20-ملايين
[3] https://www.aljazeera.net/news/cultureandart/2021/1/16/عيد-ميلاد-ويكيبيديا-الـ20-ملايين
[4] https://www.youtube.com/watch?v=jm54ILSIYP4
[5] https://elakademiapost.com/كيف-نشأت-موسوعة-ويكيبيديا/
[6] https://elakademiapost.com/كيف-نشأت-موسوعة-ويكيبيديا/
[7] https://www.aljazeera.net/news/cultureandart/2021/1/16/عيد-ميلاد-ويكيبيديا-الـ20-ملايين
[8] https://www.alaraby.co.uk/entertainment_media/موسوعة-ويكيبيديا-20-عاماً-أيّها-العالم
[9] https://www.bbc.com/arabic/science-and-tech-58616512
[10] https://www.nature.com/articles/438900a
[11] https://www.aljazeera.net/midan/miscellaneous/science/2018/3/27/ويكيبيديا-تتجه-لتصبح-مصدرا-موثوقا
[12] https://www.dw.com/ar/ويكيبيديا-والصحة-العالمية-في-مواجهة-الأخبار-الكاذبة-عن-كورونا/a-55383638
[13] https://www.bbc.com/arabic/science-and-tech-58616512
[14] https://www.dw.com/ar/20-عاما-على-تأسيسها-إلى-أي-حد-تتمتع-ويكيبيديا-بالمصداقية-والحياد/a-56241161
[15] https://arabic.rt.com/russia/1038348-شكوك-تحوم-حول-ويكيبيديا-الروسية/
[16] https://aawsat.com/home/article/3317536/«ويكيبيديا»-في-قلب-حلبة-الصراع-الغربي-ـ-الصيني

[17] shorturl.at/pFRUX

[18] shorturl.at/elzNW

[19] shorturl.at/egtJW

[20] shorturl.at/kmrI7

[21] https://www.alhurra.com/arabic-and-international/2019/11/17/بوتين-يقترح-استبدال-موسوعة-ويكيبيديا-ما-الهدف؟
[22] https://www.france24.com/ar/20120117-انترنت-قرصنة-أمريكا-ويكيبيديا-معلومات-موسوعة-احتجاج-غوغل-ويب-انجليزية-قانون-فرانس24
[23] https://cn.reuters.com/article/wikipidea-ar1-idARAKBN17V08U
[24] https://www.alaraby.co.uk/entertainment_media/موسوعة-ويكيبيديا-20-عاماً-أيّها-العالم