“تنظيف الغلاف الجوي”.. رهان الإنسان على الغابات لتنظيف السماء

خاص-الوثائقية

إنه يوم عادي في مدينة آسيوية ضخمة، وقد غطت موجة من التلوث لعدة أسابيع منطقةً شمال شرق الصين التي يسكنها 500 مليون شخص، حيث يبلغ معدل الجزيئات الدقيقة 1000 ميكروغرام لكل متر مكعب، بزيادة 40 مرة عن المعدل الأقصى الذي يؤثر على الصحة، وفي أول يوم من ذروة التلوث استطاع نصف مليون فقط الفرار إلى مناطق آمنة، وبقي الآخرون محاصرين في كارثة نهاية العالم الهوائية.

 

إن انتشار الصناعات والتعدين والطائرات والسيارات جعلت أكبر المدن تختنق، وأصبح تلوث الهواء أحد الأسباب الأولى للوفاة في العالم، وهناك خطر آخر يلوح في الأفق، إنه تغير المناخ بسبب غازات الدفيئة، ويبدو الأمر قد خرج عن السيطرة.

“تنظيف الغلاف الجوي” هي حلقة تبثها الجزيرة الوثائقية ضمن سلسلة وثائقية بعنوان “ترميم الكوكب”، وتهدف من خلالها إلى تسليط الضوء على جهود العلماء والباحثين في الحفاظ على التنوع البيولوجي على هذا الكوكب الأزرق، وإعادة تأهيل النظام البيئي لتجاوز هذه الجوائح.

سيعمل القمر الصناعي “سينتينل بي5” على مسح الغلاف الجوي ودراسة التركيزات في عناصر الدفيئة

 

وكالة الفضاء الأوروبية.. قمر صناعي يرصد تلوث الكوكب

يعمل العلماء والمهندسون في القارات الخمس لمكافحة أسباب ونتائج هذا التسمم، ويبتكرون حلولا لتنظيف الجو، وجعله صالحا للتنفس من جديد. لقد اتحدوا في معركة واحدة هدفها ترميم الطبيعة.

بدأت الحرب على الملوثات الهوائية وانبعاثات الغازات الدفيئة تدخل مرحلة جديدة، فبعد عشر سنوات من التطوير ينشر القمر “سنتينل-5بي” (Sentinel-5P) ألواحه الشمسية فوق طبقة الستراتوسفير، ويبدأ التواصل مع الأرض. يزن القمر 250 كغم، وعمره الافتراضي 7 سنوات، وسترسم هذه الأداة خريطة غلافنا الجوي بدقة غير مسبوقة.

سيتتبع القمر بعض الغازات التي تؤثر على هوائنا وصحتنا ومناخنا، مثل ثاني أوكسيد النيتروجين، والأوزون وفورمالديهايد وثاني أوكسيد الكبريت والميثان وأول أوكسيد الكربون ومئات أنواع الهباء الجوي، وسيوفر يوميا نظرة مفصلة عن تلوث الهواء في الكوكب، ويتصل مع الأرض في مركز العمليات الألماني التابع لوكالة الفضاء الأوروبية، والمسؤول عن جمع وأرشفة وتحليل البيانات.

في العام الماضي مات 9 ملايين بسبب التلوث، نصفهم بسبب تلوث الهواء الخارجي، وسيعمل القمر على تحديد أماكن التلوث التي يمكن أن تنتقل إلى أماكن وحتى قارات أخرى. وقد زُوِّد أثناء وجوده في مداره بأداة اسمها “تروبومي” تقيس تركيز الهباء وغيره من الغازات الجزيئية، فهي تنتشر في الهواء الذي نتنفسه وتؤثر على صحتنا ونظامنا البيئي ومناخ الكوكب.

يجمع القمر ملايين البيانات ويرسلها إلى الأرض يوميا، ثم يقوم العلماء بتحليلها وإتاحتها للمستخدمين خلال ثلاث ساعات، ومن خلال خوارزميات معقدة لتحصيل نتائج أدق، وتتيح المعلومات أنماطا أدق للمناخ، وتحديدا لثقوب الأوزون. ويقيس “تروبومي” مصادر التلوث بدقة أكبر على مستوى العالم، ويحذر السكان ويراقب إجراءات الحكومات، ويقدم توجيهات للساسة لما يجب عمله محليا وإقليميا.

مدن رئيسية ملوثة تماما في الصين والهند بسبب الكميات الكبيرة من انباعاثات غازات الدفيئة

 

الصين والهند.. مدن تحترق تحت جحيم التلوث

يزداد التلوث فوق الهند، والصين تطلق ثاني أوكسيد الكربون (CO2) بنسب عالية، لكنها اتخذت إجراءات لتقليل التلوث. وفي نهاية العام ستتفوق الهند على الصين في التلوث. وإذا نظرت إلى المدن الرئيسية سترى تفاوتا بين داكار وبغداد مثلا، والمدن الكبرى كنيويورك ولوس أنجلوس.

فتحت الضباب الكثيف الذي يغطي الشوارع، والازدحام في المستشفيات وإلغاء الرحلات وإغلاق المدارس والطرق السريعة، يجد ملايين الصينيين أنفسهم مضطرين لحجر أنفسهم في منازلهم أو الفرار، فالصين تحترق تحت وطأة سحابة تلوث تغطي عُشر مساحة الدولة، وفي قلبها العاصمة بكين.

وقد أصبحت فترات التلوث هذه تتكرر بوتيرة أسرع لفترات أطول، إذ يتضاعف تواجد الجسيمات الضارة أكثر من ثمانية أضعاف التركيز الطبيعي، ويخلِّف عواقب وخيمة على الصحة والبيئة. ويبقى ثاني أوكسيد الكربون الغاز الدفيء الأول المسبب لتغير المناخ، وتعتبر الغابات الرئة العملاقة للأرض، والمعالِج الأول لثاني أوكسيد الكربون، حيث تمتصه وتطلق الأوكسجين.

وما تزال نسبة 2% من غابات الصين سليمة، أما البقية فقد سقطت جرّاء عقود من التصنيع العشوائي، وكلما اختفت الأشجار زادت نسبة ثاني أوكسيد الكربون في الهواء، ولذا تبنّت الصين منذ خمسين عاما أكبر مشروع بيئي في العالم، إنه السور الأخضر العظيم، وهو شريط أخضر طوله 4500 كم شمال البلاد، في قلب صحراء منغوليا الداخلية.

السور الأخضر العظيم خطة لتشجير أجزاء كبيرة من الصحراء شمال الصين لامتصاص ثاني أكسيد الكربون

 

مشروع السور الأخضر العظيم.. رئة الصين

مشروع السور الأخضر العظيم يعني أن الصين هي أكثر دولة تزرع الأشجار، وهم منذ خمسة عقود يعملون على هذا المشروع الضخم، الذي يمر بأوحش المناطق في البلاد. وفي صحراء كوبوكي شمال شرقي بكين، يجتمع اليوم ألف شخص في يوم الأرض لتقديم مساهمتهم الصغيرة في هذا المسعى الضخم الذي أصبح قضية وطنية في معركة عالمية.

إنهم أساتذة من تجمع المدارس الشرقية، يجتمعون في يوم الأرض ويزرعون الأشجار، فهم يتطلعون لبيئة أفضل ويأملون ذات يوم أن تغطي النباتات الكوكب، فزراعة غابة في قلب الصحراء هي جزء صغير من هذا المشروع، والتحدي هو الحفاظ على هذه الأشجار حية في هذه البيئة العدائية.

على مسافة أبعد، يساعد مختبر تحت دفيئة زجاجية في دراسة أشجار ونباتات يرجح صمودها بين هذه الكثبان، ويختبر العلماء النباتيون أنواعا من أشجار العالم ويضاعفونها قبل موعد الزراعة التالي، فالتغير المناخي هو مشكلة العصر، وسببه ارتفاع الحرارة وثاني أوكسيد الكربون في الهواء، لهذا تُزرع النباتات في الصحراء لأنها تمتص ثاني أوكسيد الكربون، وتحدّ من التصحر وتساعد على التنفس.

ويجلب الصينيون النباتات من الصحراء الأمريكية وهي قادرة على امتصاص ثاني أوكسيد الكربون في النهار وإطلاق الأوكسجين في الليل، وهذا في غاية الأهمية لتنظيف البيئة. ويبحث نباتيّو كوبوكي دوما عن الأنواع الخارقة التي تصمد لفترات طويلة وتتكاثر بوفرة لتنتشر في الصحراء خلال عامين، لتحويل شمال الصين إلى رئة خضراء لكوكب الأرض.

يراهن العلماء اليوم على زيادة المساحات المشجرة في العالم للحفاظ على بيئة أرضية صحية

 

جبال ساهمبا.. ميدان المعركة الكبرى ضد الاحترار العالمي

إن تحويل الصحراء إلى غابات هو صراع مستمر منذ أجيال على مستوى العالم، وهناك تلاميذ وموظفون يشاركون التحدي في قيمة عالمية عظيمة، ستكون هذه الغابة مهمة لمحاربة الاحترار العالمي، والمؤمَّل أن تملك المناطق التي تواجه التصحر القدرة على تحويل الصحاري لواحات تواجه التغيرات المناخية.

لكن الثقة والتفاؤل اللذيْنِ يتشاركهما الجميع لهما حدود، كما تشهد على ذلك أجزاء المشروع القديمة، فلم يكن تحويل الصحراء إلى واحة سهلا، والنتائج ليست مشجعة دوما، فعلى بعد 1000 كم شرقا، وعلى الجانب الآخر للسور العظيم، حيث بكين تبعد أقل من 400 كم جنوبا، هنا تزرع غابة في منطقة كانت جافة قبل 40 عاما.

بدأت المعركة في جبال ساهمبا حيت قررت بكين في أوائل السبعينيات إنشاء رئة خضراء جديدة لتحسين نوعية الهواء في البلاد، وهذا وقت تعويض الأشجار المفقودة، وستغرس ملايين الأشجار على مساحة 10000 هكتار، ليس فقط لإنتاج الأوكسجين بل لإيقاف زحف الصحراء، ولتمتص 750 ألف طن من ثاني أوكسيد الكربون كل عام، وتطلق ما يكفي من الأوكسجين لأكثر من مليوني شخص.

من المفترض أن تغطي الغابة 90% من ساهمبا قبل حلول 2020، مما يعني أنه يجب زراعة 10 ملايين شجرة إضافية، والهدف الأبعد هو زراعة 35 مليون هكتار بحلول 2050؛ حزام أخضر بطول 4500 كم وعرض 1450 كم في بعض الأماكن، وستكون قادرة على امتصاص 10% من انبعاثات الكربون بجميع أنحاء العالم.

يزرع السكان المحليون أشجار الصنوبر في مشاتل عملاقة، ثم يقع اختيار الأشجار ذات القدرة الأعلى على الصمود، ثم تنقل إلى الأراضي الدائمة لتزرع فيها إلى الأبد، ويجب نقلها خلال بضع دقائق حتى لا تتلف، وتنقل مئات آلاف الشتلات يوميا عبر الساهمبا على مدى أسابيع، لتنضم إلى السور الأخضر العظيم.

في جبال “ساهمبا”، بدأت الصين بإنشاء رئة خضراء جديدة لتحسين نوعية الهواء في البلاد

 

مدن عاجزة عن التنفس.. حلف الإنسان والطبيعة ضد التلوث

فور وصولها إلى أماكن الزرع توضع الشتلات في الماء مباشرة لإعطائها الرطوبة اللازمة للحياة والنمو، حيث ترتفع الحرارة في تلك المناطق إلى 40°، وتهب رياح جافة من الصحراء، ويقوم المزارعون بزراعة 40 ألف شتلة، ولا ضمانة لحياتها جميعا، نتيجة الظروف القاسية والطفيليات التي تصيب النوع الواحد.

قبل هذه الغابة كانت الرمال والغبار تحجب الرؤية، ففي بكين لا يستطيع المرء رؤية أبعد من 100 متر، فضلا عن صعوبة التنفس، لكن الوضع تحسن الآن، ومع ذلك لا نعلم إن كان أهل بكين يتنفسون بشكل أفضل الآن، فرغم أنها تمتص جزءا من ثاني أوكسيد الكربون، فإن كثيرا من الغازات والجزيئات السامة ما تزال تلوث المدن الكبرى.

ومع التغير المناخي الذي يخيم فوق مجتمعاتنا، فإنه من الضروري للصين وبقية العالم أن يوقفوا ضخ ثاني أوكسيد الكربون للغلاف الجوي، فهذا سباق مع الزمن، وتبقى الطبيعة حليفنا الأفضل، والأشجار جزء من الحل لأنها تمتص ثاني أوكسيد الكربون ومعالجة الجسيمات الدقيقة الملوثة، وقد دفع هذا بالبعض للتفكير في إعادة الغابات للمدن، أو حتى تحويل المدن إلى غابات.

في العالم كله، تتسبب المدن بثلثي الغازات الدفيئة التي تخنقنا، ويقدر أن 70% من سكان العالم سيعيشون في مناطق حضرية في 2030، فإن كان التلوث سببا في وفاة 3 ملايين شخص سنويا، فإن هذا المستقبل الحضري ينذر بزيادة معدل الوفيات، إلا إن أعدنا التفكير بمدننا.

تساعد الخضرة في المناطق السكنية على امتصاص كميات كبيرة من ثاني أكسيد الكربون وتنقية الجو

 

مدن الغابات.. أبراج الخشب المحملة بالأشجار

تعتبر باريس إحدى أكثر المدن الأوروبية تلوثا، وهناك بالتحديد، رسم مهندس معماري حالم الخطط لمدينة المستقبل، فهي تمتص الغازات الدفيئة أكثر مما تطلقها، إنها مدينة غابات تولد الأوكسجين وتصبح صالحة للتنفس، فالمستقبل يعتمد على مدن قادرة على معالجة التغير المناخي، مدن أقوى وأقل هشاشة، تجعلنا نهجر المدن التقليدية المستهلكة للطاقة والمصدرة للكربون والنفايات.

ولم تعد مدينة بدون ثاني أوكسيد الكربون حلما خياليا، فهذا مهندس فرنسي بلجيكي يقود مشروعا في تايبيه عاصمة تايوان، حيث سيحاط برج “تاوزوينون” بـ23000 شجرة مزروعة في الأرض وعلى جوانب البرج، وتكون قادرة على امتصاص 130 طنا من ثاني أوكسيد الكربون سنويا، واعتمدوا في بناء البرج على مواد مركبة وصديقة للبيئة كالخشب.

وبفضل الهندسة الحيوية وإدخال الطاقة المتجددة سيستهلك البرج طاقة أقل بنسبة 50%، وستزرع 25 ألف نبتة لتقليل 135 طنا من ثاني أوكسيد الكربون في العام، أي ما يعادل انبعاث الغازات من 45 سيارة لسنة كاملة، إنه مشروع رائد وصديق للبيئة، تخيل مجموعة أبراج في المدينة من هذا النوع، خرسانة وفولاذ من أنواع خاصة تنتج 50% فقط من نسبة الكربون في الخرسانة العادية.

والتحدي الآن هو في إنشاء مدينة الغد المستدامة، غابات عمودية ومدن تمتص ثاني أوكسيد الكربون وأبراج خضراء. وستبدأ مشاريع كثيرة من هذا النوع، من لوزان سويسرا إلى أوترخت هولندا، ومن ساوباولو البرازيل إلى نانجينغ في الصين، وستحوي هذه المدن الخضراء أكثر من مليون نبتة لكل 30 ألف نسمة، وبمقدورها امتصاص 10 آلاف طن من ثاني أوكسيد الكربون و57 طنا من المواد الملوثة كل عام، وإنتاج 900 طن أوكسجين.

لكن قبل تحقيق المشاريع العملاقة وتحويل مدننا الملوثة إلى نظيفة، يركز الباحثون على الوضع الطارئ الحالي؛ أي على تنظيف الغلاف الجوي وامتصاص الغازات الدفيئة المخيمة فوقنا، فالسرعة الحالية لظاهرة الاحتباس الحراري تشكل تهديدا لتوازن الكوكب ومستقبل مجتمعاتنا.

تقوم شركة كلايم ووركس بضخ ثاني أكسيد الكربون من الهواء عبر أنابيب إلى حدائق ومشاتل مغلقة

 

“كلايم ووركس”.. خطة تنقية الهواء وتوليد الطاقة

بدأ باحثون سويسريون دراساتهم في شارموني بفرنسا، ورأوا كيف تنحسر أنهار الجليد في أشهر الجفاف، وشاهدوا تأثير التغير على الكوكب، واستنتجوا أن عليهم التحرك، وعليهم إيجاد شركة تُحدث فرقا، فتأسست “كلايم ووركس” وكانت شهادة الدكتوراه في البحوث التي عملوا عليها عن التقاط ثاني أوكسيد الكربون مباشرة من الهواء الذي يحيط بنا بشكل دائم.

وثمة حاوية ابتكرتها الشركة تهدف لأن تكون جزءا من المستقبل الخالي من ثاني أوكسيد الكربون. فهذا الصندوق المعدني الذي يزن أكثر من ستة أطنان هو جزء من الهيكل الضخم الذي بنته “كلايم ووركس” الشركة السويسرية المتخصصة في الطاقة المتجددة، وها هم اليوم ينهون تجميع آلة اختبار جديدة، تمتص الغازات وتنقي الأجواء المحيطة.

ويلتقط المعمل 900 طن من ثاني أوكسيد الكربون سنويا، وبه مصاف خاصة تفصل ثاني أوكسيد الكربون عن الهواء ثم يقع تسخينه واستخدامه في دفيئات زراعية لتستفيد منه النباتات. وبحلول 2025 يمكن أن تلتقط نسبة 1% من الانبعاثات العالمية، وهناك فكرة طموحة لتركيب 250 ألف معمل من هذا الحجم في أنحاء العالم.

وتأمل “كلايم ووركس” باستخدام ثاني أوكسيد الكربون الذي تجمعه من الهواء في توليد الطاقة، وتصنيع السيارات، وصناعة الأغذية والمشروبات، وتغذية النباتات، فزيادته في الدفيئات الزراعية يزيد إنتاج الثمار بمعدل 30%.

كما يأمل العلماء تخفيض الحرارة العالمية بمقدار درجتين، وهذا يقضي أن يكون الكمية التراكميّة ثاني أوكسيد الكربون في الجو عددا سالبا، ويأملون أن تتضافر الجهود العالمية لحل المعضلة.

نجح العلماء في أيسلندا في تحويل كميات كبيرة من ثاني أكسيد الكربون إلى قوالب صلبة

 

أيسلندا البركانية.. حقن الأرض بثاني أوكسيد الكربون المذاب

في أيسلندا، يجري تعدين ثاني أوكسيد الكربون على شكل صخور بازلتية ضخمة تزن ملايين الأطنان، فجبالها الجليدية تشبه مختبرا لقياس تأثير الاحترار العالمي، والجزيرة حساسة تجاه تغير المناخ أكثر من أي منطقة أخرى، فرغم قربها من الدائرة القطبية فإنها تواجه عواقب الحرارة المرتفعة جراء انبعاث الغازات الدفيئة، وانحسرت فيها المسطحات الجليدية بمعدل 100م العام الماضي، وهذه أرقام تنذر بالخطر.

وتعتبر هذه الجزيرة البركانية غنية بالطاقة الحرارية الأرضية، فأكثر من 80% من الطاقة تنتج بهذه الصورة وتحول إلى كهرباء وتستخدم للتدفئة، وتطلق هذه المعامل الكثير من ثاني أوكسيد الكربون من باطن الأرض، ويوفر المصنع ثلث الكهرباء في البلاد، وهو غير ملوِّث للجو، ورغم أنه يطلق 33 ألف طن من ثاني أوكسيد الكربون، فإنه لا يؤذي بأكثر من 5% من مصنع مماثل يعمل بالوقود الأحفوري.

ومنذ 2007 تعمل الجزيرة على تحديد الانبعاثات من خلال التقاط ثاني أوكسيد الكربون وإعادة ضخه في النظام، وإعادة تحويله إلى صخور لاحقا. ففي مختبرات الجيوفيزياء في جامعة ريكيافيك اكتشف الباحثون طريقة “كارتفكس” وطوروها، وهي عملية امتصاص ثاني أوكسيد الكربون وتحويله إلى صخور، وذلك من خلال عملية كيميائية معقدة باستخدام الماء وصخور البازلت، وكلاهما متوفر بكثرة في أيسلندا.

ففي كل عام يحقن علماء “كارتفكس” في الأرض 225 طنا من ثاني أوكسيد الكربون المذاب بالماء، لتحويله إلى مركبات كلسية، وما تقوم به الطبيعة في آلاف الأعوام يقوم به الباحثون هنا خلال عامين، ويفتح هذا المشروع آفاقا لاستخدامه في القارات الخمس، نظرا لتوفر البازلت الذي يشكل 5% من القشرة الأرضية، لكن كمية المياه المطلوبة ستكون هائلة.

ويقوم الباحثون عبر العالم بدراسة خيارات متنوعة، بعضها ضخم وبعضها محاط بالسرية، بعضها طبيعي بسيط، والبعض الآخر يحتاج لتكنولوجيا معقدة، لن يكفي كل حل لوحده، ولكنها بمجموعها تشكل أجزاء من الحل الكلي لإنقاذ الكوكب وتنظيف غلافه الجوي.