25 يناير.. ذكرى الثورة المصرية التي أكلت أبناءها

أمين حبلا

لم يكن تنحي الرئيس المصري الراحل حسني مبارك عن الحكم في الحادي عشر من فبراير/شباط 2011، حدثا عابرا في تاريخ مصر الحديثة، أو مصر ما بعد الملكية، بل كان منعطف الأيام، واستدارة حياة لم تكتمل حتى عادت القهقرى إلى سابق عهدها ومألوف نظام الحكم لديها، وبين تنحي مبارك، وموج الجماهير التي انطلقت في جمعة الغضب يوم 25 يناير/كانون الثاني 2011، مسار زمني قصير، لكنه كان حافلا بالثورة والغضب، فقد هز أركان النظام القوي المتحجر مثل الأهرام.

 

ففي الطريق إلى الخامس والعشرين، عبرت الجماهير أمواج العنف والدم والقمع، ليزلزل صوتها الهادر هدوء ذلك الوجه “الفرعوني” المستدير الذي تتعايش فيه ملامح الصعيدي المتوثب، والإقطاعي المتنفذ، والدكتاتور الذي قبض على حكم مصر طيلة ثلاثين سنة من الحكم “المباركي”.

ومن مصادفات الأقدار أن تتلاقى في الخامس والعشرين من يناير إرادتان متناقضتان، وعيدان غريبا الاجتماع، عيد الثورة التي أطاحت بالرئيس مبارك، وعيد الشرطة التي كانت أهم ما اعتمد عليه مبارك في ترسيخ أركان نظامه، وتوزيع عدالة القمع على الجميع، كل بما يناسب مقاله ومقامه.

25 يناير.. يوم انطلق بركان الغضب الخامد منذ عقود

على ضفاف النيل، وبين كل القرى والأرياف، وفي الحارات والمدن، وبين ركاب القطار والحافلات، وفي الأسواق والجرائد ومنتديات السياسة، وبين ألسنة دخان النرجيليات التي تضج بها المقاهي المصرية، كان صوت الغضب، هديرا أو أنينا، تلميحا أو تصريحا؛ نسيج الحياة وملمحها العام، كان العوز يقتات من واقع مصر ومستقبلها، ويرسم صورة بالغة القسوة للحال التي تتأزم يوما بعد يوم، وكانت أنياب الفقر تقضم كل صباح جيلا جديدا من أبناء مصر، بينما كانت نخبة الثراء الفاحش تراكم الملايين، وترفع طوابق العمارات والبروج الشاهقة، في حين تعاني بقية مكونات المجتمع من أجل لقمة العيش، وتحصيل الملّيم الذي أصبح أهم مفقود.

ظل الحكام يراهنون على أن علاقتهم بشعبهم المقهور ستظل علاقة “عيش وملح” وعشرة عمر، ولن يفرط المصريون في ما عرفوا به من الصبر والتسليم الذي يعبر فضاء كلماتهم وأحاديثهم، وهم يقبلون راحة اليد وكفها، ويرددون مع شكر الله “مستورة والحمد لله”.

كان الجوع كافرا وطاغيا وعدوانيا، واستطاع أن يؤجج ثورة الغضب، ومع الغلاء والاستبداد، بدأت حمم الغضب تغلي في النفوس، غير أن النظارات السميكة التي يرتديها النظام المباركي، لم تمكنه من رؤية الدخان المتصاعد من قمم الفقر طيلة عقود، ثم ألقى يوم الغضب ثورة الجماهير إلى ساحل الرفض، وانطلق الثوار في الخامس والعشرين يطالبون بالعدالة الاجتماعية المفقودة.

 

وكالعادة التقليدية التي لا يتخلف عنها أحد من طغاة العالم، أوكل النظام المصري إجابة الجماهير إلى الشرطة التي واجهتهم بالنار والرصاص، فسالت دماء كثيرة، وسقط قتلى متعددون تحولت أشلاؤهم إلى وقود زاد لهب الثورة اتقادا، فكانت الجماهير على موعد مع جمعة الغضب في الثامن والعشرين من نفس الشهر، وكان الحشد أكبر والغضب أقوى، وكان القمع أشد، فقد انطلقت عربات الأمن تدهس المتظاهرين على جسر قصر النيل، وتولى الرصاص تفريق الجماهير، لكنهم كانوا أشد غضبا، فأحرقوا المقر الرئيس للحزب الحاكم في مصر، وقذفت الجماهير كرة الرعب المشتعلة إلى ضفاف السلطة والجيش، وبدا واضحا أن عهد الخنوع قد ولى، وأن نظام مبارك بدأ في التآكل السريع.

وردا على هذه الموجة العالية من الغضب أعلنت السلطات المصرية، حظر التجوال في القاهرة والإسكندرية والسويس، وانتشرت عربات الجيش لتسند أجهزة الأمن، فقد كان الانهيار والرعب يشب كالحريق في نفوس عناصرها، وتحول عيدهم الوطني إلى مأتم للقمع ومذبح للخوف.

تعديلات النظام ومسيرات الوفاء ونيران القمع.. تخبطات الأفعى المحتضرة

كانت شعلة الغضب قد دخلت كل بيت مصري، ولم يعد ممكنا حجب أضوائها اللافحة، فخرج مبارك على المصريين في زينته المعهودة، وبخطاب مفعم بالمشاعر الوطنية، وبصوت جهوري تمثيلي واضح النبرة والتنغيم، يقف على مخارج الحروف، ويحدد مواقع الإعراب من الكلمات، ليتحدث عن آفاق حكمه، وعن مستقبل نظرته للبلاد، ويمد بساط التهدئة إلى الجماهير الغاضبة.

 

ولم تكن تلك الخطابات لتثير أي شعور تضامني مع الرئيس ابن الثمانين حولا، ولم تقنع الجماهير الغاضبة، كما أن الإجراءات التي أعلن عنها لم تفد في ترقيع الثوب السياسي المتخرق الذي يعلو جسد نظامه المنهك، كانت لعبا في الوقت الضائع، وطبيبا غير ماهر بعد الموت.

أقال مبارك حكومة أحمد نظيف، وعين أحمد شفيق رئيسا للوزراء، ورفع مدير المخابرات العامة عمر سليمان إلى منصب نائب للرئيس، ووعد بأن يكون القادم أفضل، وأن تبتسم الأيام للشعب المصري الذي تآكلت عنده روح الدعابة، وأكل الجوع ما بقي على قسماته من ملح الابتسام.

وفي الثلاثين من نفس الشهر، زادت حدة الغضب وتمددت إلى مناطق أخرى من مصر الكنانة، وبدأ التحضير لمليونية الغضب التي انطلقت فاتح فبراير/شباط 2011، إذ انطلق مدّان جماهيريان، أحدهما وهو الأقل عددا وعدة داعمٌ للرئيس مبارك ومدافع عنه وعن إنجازاته، والآخر هادر ضخم العدد، وهو جمهور الثائرين المطالبين بسقوط مبارك ونظامه، وقد غص بهم ميدان التحرير بوسط القاهرة.

وفي اليوم الموالي اشتدت المواجهة بين الطرفين، وعرفت الأحداث بموقعة الجمل، حيث بدأ البلطجية المحسوبون على الأمن السياسي في مصر محاولة التنكيل بالغاضبين، وسجلت كاميرا الأيام صورة ذلك الجمل الذي يدعس المتظاهرين، ويحاول صاحبه أن يفرق تماسكهم.

بعد يومين أصبح شعار الرحيل يغوص في أعماق الغضب، وكانت جمعة الرحيل تحولا جديدا في مسار الثورة ومطالب الجماهير، لكنه قوبل بشعار باهت آخر حمل جمعة الوفاء، ولم يستطع ذلك الوفاء المصطنع أن يقف أمام موجة الرفض.

“قرر الرئيس محمد حسني مبارك تخليه عن منصب رئيس الجمهورية”

مر أسبوع الغضب دون أن تتسم أيامه بالهدوء، كانت المناوشات مستمرة، والاعتصامات والتظاهرات ومختلف مناشط الثورة تتفاعل، وقد هز صداها المؤسسة العسكرية التي تعتبر الحاكم الفعلي لمصر، أو السند الأساسي لكل حاكم.

وفي العاشر من فبراير/شباط 2011، صدر أول موقف رسمي للمؤسسة العسكرية، فأعلن استمرار اجتماعات المجلس الأعلى للقوات المسلحة لحماية البلاد، ثم خرج مبارك من جديد ليعلن بقاءه في السلطة، ويقدم سلسلة وعود جديدة لم تغن من الأمر شيئا، أما نائب الرئيس عمر سليمان، فقد توسل إلى الجماهير أن تعود إلى بيوتها، وأن تترك الشارع وتخفف موجة الغضب إلى حين.

 

كان رد الجماهير في قمة وضوح الغضب، وفي غليان ثورة الرفض، فوعدوا بالتصعيد، وهددوا بالثورة العارمة. وفي صباح اليوم الموالي أذاع الجيش بيانه الثاني متعهدا بإنهاء حالة الطوارئ، وضمان إقامة انتخابات ديمقراطية ونزيهة، ودعا إلى العودة الطبيعية إلى الحياة في البلاد.

ولم يكن ذلك البيان سوى تمهيد لتغيير جديد في حكم مصر، إذ أعلن اللواء عمر سيلمان نائب الرئيس في مساء يوم 11 فبراير/شباط 2011 العبارة الذائعة التي خلدت في ذاكرة المصريين “قرر الرئيس محمد حسني مبارك تنحيه عن منصب رئيس الجمهورية، وتكليف المجلس الأعلى للقوات المسلحة بإدارة شؤون البلاد”.

استلم الجيش السلطة، وبدأت وجوه جديدة ترفعها الأقدار إلى كراسي الحكم، وغرق المصريون في موجة من الأماني المعسولة، بأن حكم مبارك وممارساته، وفكرة نظامه قد ابتلعها الماضي وأصبحت جزءا من كتاب الذكريات المؤلمة التي طالما سبحت على ضفاف النيل، وسالت بين أوديته وحقوله وحدائقه.

محمد مرسي.. أول رئيس مدني في تاريخ مصر الحديث

استلم المجلس العسكري للقوات المصرية سلطة البلاد، وجمع في يديه كل درجات السلطة، لكنه أشرف على مسار سياسي وانتخابي انتهى بفوز حزب الحرية والعدالة التابع لجماعة الإخوان المسلمين بأغلبية البرلمان، ثم عزز أغلبيته بعد ذلك بفوز مرشحه محمد مرسي على منافسه أحمد شفيق بنسبة 51.73% من أصوات الناخبين المصريين، وتسلم مرسي سلطاته ليكون أول رئيس منتخب مدني في مصر ما بعد الملكية، بل قل في التاريخ، وانتهى حكم المجلس العسكري بعد 17 شهرا من الممارسة المباشرة للسلطة.

حاول مرسي غرس أقدامه في أرض لا تعرفه ولم يتعود عليها، وحاول تقريب ما استطاع من المسؤولين الذين نشأوا في النظام السابق، فعيّن عبد الفتاح السيسي وزيرا للدفاع، وكان السيسي -بحسب ما يتردد في بعض وسائل الإعلام ومواقع التواصل- يظهر يومها من ملامح التدين والقرب من الرئيس السابق، ما جعل بعض المصريين يحسب أن السيسي “إخواني يكتم إخوانيته”.

السيسي يؤدي القسم بعدم خيانة الأمانة أمام الرئيس المدني الأول المنتخب في تاريخ مصر الدكتور محمد مرسي

 

وسرعان ما بدأت الثورة المضادة تشتغل وتشتعل، متذرعة برفض الإعلان الدستوري المحصن لقرارات الرئيس وقرارات الهيئة التحضيرية المكلفة بإعداد الدستور، وبدأ الانقسام يطال الكتلة المتحالفة مع الإخوان، ليصل الأمر حد العنف والصدام فيما عرف بأحداث الاتحادية.

تصدع جدران الثورة.. رائحة شواء في وجبة الجيش المفضلة

كان الجيش أول مستفيد من تصدع جدران الثورة، ومن تآكل بنائها، ومن بروز أنيابها الجديدة التي لم تكن غير الصراع والنزاع والاستعجال في تقاسم غنيمة غير سائغة.

ومع النصف الثاني من عام 2013 بدأت مساعي الثورة المضادة تؤتي أكلها، فقد أعلنت “حركة تمرد” الشبابية انطلاق عملها، وبسرعة انهالت عليها تمويلات رجال أعمال مرتبطين بالنظام المطاح به، وبدول معادية للثورة ومن أتت بهم، وكانت الإطاحة بنظام مرسي هي الهدف الأول والأساسي الذي أعلن عنه ثوار “تمرد” وهم يؤسسون حركتهم.

حلفة شواء بأجسام الرافضين للانقلاب العسكري تلذذ برائحتها العسكر وقادتهم

 

تسارعت الأحداث حتى وصلت إلى المنعطف الأكبر في مسار مواجهة ثورة 25 يناير وما نتج عنها، وهو الانقلاب العسكري الذي قاده وزير الدفاع عبد الفتاح السيسي في الثالث من يوليو/تموز 2013، وأحال بموجبه الرئيس محمد مرسي وكبار رجال حكمه وحركته وأنصارها إلى سجون توصف بأنها الأسوأ والأفظع في تاريخ مصر.

وهكذا أكلت الثورة أبناءها، وتحطمت آمال النيل تحت وقع الأحذية الخشنة، وقد حاول السيسي تجميل انقلابه بظهوره رفقة عدد من الضباط وممثلي الهيئات السياسية والدينية والمدنية، معلنا عزل الرئيس محمد مرسي وتفويض سلطاته مؤقتا إلى رئيس المحكمة الدستورية عدلي منصور إلى حين إجراء انتخابات رئاسية مبكرة، ولم تكن تلك الانتخابات إلا غطاء سياسيا لانتقال السيسي إلى الحكم المباشر، فقد فاز بدون منافس حقيقي في انتخابات 26 مارس/آذار 2014 بنسبة 96% من الأصوات المعبر عنها، بينما كانت الأصوات المناوئة لها مخنوقة باللهب والتعذيب المميت في الزنازين الملتهبة.

محاكم التبرئة والإعدام.. عذاب المنتخب وتبرئة المخلوع

مع حكم السيسي أخذت الحياة السياسية في مصر الجديدة أبعادا ومصطلحات جديدة، وبرز جيل جديد من قضاة التبرئة والإعدام الذين وزعوا بسخاء غير مسبوق أحكام التبرئة والإفراج على قادة النظام المصري المطاح به، فنال الرئيس محمد حسني مبارك ونجلاه في 29 نوفمبر/تشرين الثاني 2014 حكما بالبراءة من تهم متعددة من بينها قتل المتظاهرين أثناء الثورة، وبيع الغاز للاحتلال الإسرائيلي.

أما الرئيس المنقلب عليه محمد مرسي، فقد توالت عليه وعلى إخوانه الإدانات والأحكام القاسية، حتى غادر الدنيا وهو في قاعة المحاكمة أثناء إحدى جلسات الاستجواب والمحاكمات الطويلة، وذلك بعد ست سنوات من ضيق زنزانة العزل الانفرادي، وبعد أن اقتات المرض من جسده النحيل دون أن يجد طبيبا ولا مواسيا، وبعد أن سبقه ثم التحق به عدد كبير من قادة الإخوان وشبابهم من مختلف القطاعات السياسية والدعوية والمهنية في الشعب المصري.

 

لقد أعادت الأقدار توزيع مقاعد الحياة بين الثائرين والمطاح بهم، فخرج أغلب قادة نظام مبارك -وفيهم نجلاه- من ظلام الاتهام إلى ضياء البراءة، والتحق به رموز نظامه مثل صفوت الشريف وحبيب العادلي وأحمد عز وغيرهم، وابتلعت السجون والمضايقات رموز نظام مرسي وقادة الثورة، كما وجهت حملات التشويه والمضايقة على آخرين شاركوا النظام في عهده الأول، ثم قفزوا لاحقا من سفينته مثل البرادعي وغيره.

وكان الإخوان المسلمون المطلوب الأول للاعتقال، فما يزال كبار قادتهم مثل المرشد العام محمد بديع ورئيس البرلمان السابق محمد سعد الكتاتني وغيرهم تحت وطأة الاعتقال وفي غياهب السجن الكئيب.

وبعد مرور 10 أعوام على الثورة، وفي الذكرى الحادية عشرة للإطاحة بمبارك، ما تزال مصر بين ضفتي الأمل والألم، وما تزال أسباب الثورة بارزة، وأسئلة الإخفاق وإشكالات الفشل في الوصول إلى أهداف الثورة تحاصر الجيل السياسي الذي انطلقت من حناجره دعوات الرحيل، وما زالت الذاكرة أيضا مفعمة بجراح أخرى مثل يوم رابعة، وأصابع الدم التي تدفقت من بين ركام القتلى الذين أحرق الرصاص أجسادهم.