“بارونات الفطور”.. ابتكارات الصراع الشرس على موائد الصباح الأمريكية

خاص- الوثائقية

يشتري الناس أكثر من 7 ملايين عبوة فطور يوميا بأكثر من 5 آلاف نوع مختلف، وتبلغ قيمة هذه الصناعة أكثر من 35 مليار دولار، وابتكرت هذه العبوات بمفردها تقريبا وجبة الفطور في أمريكا، فقبل نحو 150 عاما مضت لم يكن الحبوب والفطور موجودين كما نعرفهما اليوم.

كان الفطور عبارة عن بقايا طعام، ولم تكن هناك أصناف محددة يتناولها الناس على الفطور إلى أن ابتكر طبيب وأخوه الطموح شيئا جديدا بالكامل، لكن قبل أن يقدماه إلى العالم أوجد شرخا بين الأخوين، ودخل أيضا منافس لدود لهما على الخط حاول التفوق عليهما بكل ما أوتي من قوة.

نستعرض فيما يلي فيلم “بارونات الفطور” من سلسلة “أطعمة غيرت العالم” التي عرضتها الجزيرة الوثائقية على شاشتها، ويسلط الفيلم الضوء على هذه الحرب الشرسة التي أسفرت عن ابتكار طعام الفطور الأكثر شهرة في العالم، والذي أحدث ثورة في الصباح الأمريكي.

“جون هارفي كلوغر”.. طبيب ذكي في عصر الأمراض المستعصية

في عام 1876 شهدت بداية الثورة الصناعية الهجرة الجماعية للأمريكيين من الريف وترك الزراعة والمزارع للعمل في المدن. ويقول الدكتور “إتش دبليو براندز” أستاذ التاريخ في جامعة تكساس: قبل الثورة الصناعية كان الناس يعيشون في المزارع باكتفاء ذاتي كامل، في حين أن سكان الولايات المتحدة باتوا يبحثون عمن يطعمهم.

 

وفي السباق المحموم لإطعام المدن باتوا يلجؤون للطرق المختصرة، وكان أصحاب البقالات يبيعون اللحوم الفاسدة، ولم يكن السمك بأفضل حال لأنه لم يكن هناك ثلاجات. تقول “ميريا لوزا” الأستاذة المشاركة في قسم التاريخ بجامعة “جورج تاون”: لم يكونوا يعانون من الطعام الفاسد والسام فحسب، بل أصبحوا متشككين أيضا في كل الأغذية التي يشترونها، لأن الكثير من المنتجات كانت مغشوشة ويُصاب الناس بسببها بالأمراض.

أدى استهلاك الأطعمة الفاسدة لإصابة الناس بأصعب أنواع أمراض المعدة التي شهدتها البلاد على الإطلاق. وفي باتل كريك بولاية ميتشيغن خرج الطبيب الشاب “جون هارفي كلوغز” ببعض الأفكار الثورية لمعالجة مجموعة من الأمراض والمعاناة، وكان يدير مركزا صحيا.

يقول “هوارد ماركل” أستاذ تاريخ الطب في جامعة ميتشيغن إن الناس كانوا يأتون من جميع أنحاء العالم إلى مصحة “باتل كريك” مثل “إميليا إيرهارت” و”توماس أديسون” و”هنري فورد”، فإنهم يأتون إلى المصحة للعلاج ورؤية الدكتور “كلوغز” الذي كان أحد أشهر أطباء عصره.

لقد كان الدكتور “كلوغز” يحمل شهادة من كلية بلفيو المرموقة للطب في نيويورك، لكن بعض أساليبه كانت غير تقليدية، وشملت علاجات تجريبية مثل استخدام حمام الهواء الساخن وآلة الصفع واهتزاز القدمين وحقن الزبادي اليومية والعلاج بالصدمات الكهربائية.

وتصف المؤرخة “جيسيكا هارس”مصحة “باتل كريك” بأنها “مكان جنوني.. بعض الأشياء التي حدثت هناك كانت خيالية”. وكان الدكتور “كلوغز” حينها يعمل على دواء جديد، يعتقد أنه يقي من الاضطرابات العصبية وتسوس الأسنان وحتى السرطان.

“الغرانولا”.. شيء لم يره الأمريكيون من قبل

يقول الدكتور “هوارد ماركل” إن الشكوى الأساسية للناس الذين يأتون إلى المصحة هي من أمراض في الجهاز الهضمي والمعدة، لذلك كان يعتقد الدكتور “كلوغز” أن تناول اللحم خطير على الصحة، وأن الحمية الغذائية المبنية على الحبوب والخضار أفضل بكثير.

“الغرانولا” هو منتج يقدم كغذاء طبي يتكون من الطحين ودقيق الشوفان ودقيق الذرة مخبوزا معا في كعكات مسطحة ثم تسحق

 

وكان المنتج الذي يقدم كغذاء طبي يتكون من الطحين ودقيق الشوفان ودقيق الذرة مخبوزا معا في كعكات مسطحة ثم تسحق، ولم يكن يشبه أي شيء رآه الأمريكيون من قبل، وكان يسمى “الغرانولا”.

وعن هذا المنتج تقول المؤرخة “ليبي أوكونيل”: كان الدكتور كلوغز يؤمن بأن الغذاء والدواء مرتبطان بشكل وثيق، وأن النظام الغذائي السليم سيمثل الحل الصحيح، فقرر أن لا يستخدم السكر في الغرانولا، وآمن أن تلك الحبوب الكاملة تساعد على النوم وتمنح صحة أفضل.

وكان “كلوغز” يقدم لمرضاه “الغرانولا” عند استيقاظهم كل صباح، لكن في ذلك الوقت لم يكن أحد يعلم عن وجبة خاصة بالصباح من قبل، ولم يكن الفطور وجبة محددة، ولم تكن هناك أطعمة مرتبطة بها بشكل خاص، فغالبا ما كانت تتكون الوجبة من بقايا الطعام.

ويعتبر الكاتب “جون هاين” أن اكتشاف “الغرانولا” استغرق الكثير من الوقت، لكن وجبة الإفطار البسيطة المكونة من الحبوب كان يمكن تقديمها باردة أو ساخنة، وتناولها يستغرق وقتا قصيرا.

ولم يكن الدكتور “كلوغز” لوحده في موضوع “الغرانولا”، إذ كان “ويليام” أخوه الأصغر الذي لم يكمل دراسته مساعده الأيمن.

“ويليام كلوغر”.. عبقرية الأبله المتواري في ظل أخيه

منذ الطفولة كان “جون كلوغز” عبقريا، والصبي الذهبي لعائلته، أما أخوه الأصغر “ويليام”، فكان يعاني من قصر النظر، وكان الناس يعتقدون أنه أبله، إذ كان يجلس في آخر مقعد، ولم يكن يستطيع الرؤية، لهذا لم يرد والداه الاستثمار بتعليمه لأنهما اعتقدا أنه فاشل بحسب الدكتور “هوارد ماركل” أستاذ تاريخ الطب في جامعة ميتشيغن.

حبوب “كلوغر كورن فليكس” التي ظهرت كمنافس للغرانولا في الأسواق الأمريكية

 

وقد أشرف”ويليام” على سجلات وشؤون الموظفين والصيانة، وعلى تحضير “الغرانولا” وتقديمها، وكانت “الغرانولا” تؤكل بدون أي إضافات، لكن “ويليام” هو من فكر بإضافة الحليب على منتجاتها، وكانت تلك اللحظة التي اكتسبت فيها شهرة أوسع، ورغم ذلك فقد كان متواريا في ظل أخيه الأكبر. وقد اعتبر الدكتور “جون” أخا أكبر فاشلا نوعا ما، لهذا كانت الرغبة تعتريه للخروج من ظل أخيه.

يقول “جايسن وانغ” الرئيس والمدير التنفيذي لشركة مطاعم “شيان فيمس فود”: الشخص الذي يؤسس عملا تجاريا يكون أشبه بشخصية أبوية وقوية جدا، ويميل دائما لأن يكون في موقع السيطرة، لأن المشروع ملكه ويعتبره طفله المدلل.

وعرض “ويليام” على شقيقه بيع الحبوب وتسويقها لكل رجل وامرأة وطفل، فأجاب أنها “جزء من نظام يتحكم فيه بعناية”. وحاول “ويليام” شرح فكرته قائلا “أنت تساعد كل مريض يدخل إلى المصحة، لكن بوسعنا مساعدة المزيد من الناس، وتحقيق أرباح أيضا من ذلك”، لكن “جون” رفض.

كان دافع مقترح “ويليام” إدراكه أن الكثير من الأشخاص الأصحاء يرغبون في الحصول على وجبة فطور مغذية وسهلة التحضير، أكثر من المرضى الذين يبحثون عن فطور سهل الهضم، لكن الأطباء لم يكونوا يلجؤون للإعلانات التجارية، لأن ذلك كان مخالفا لأخلاقيات المهنة في ذلك الوقت.

ولأنهما يجلسان على منجم محتمل من الذهب، كان “ويليام” يحتفظ بسجلات دقيقة لكل دفعة من “الغرانولا”، أملا في أن يتمكن يوما ما في إقناع أخيه ببيعها.

“سي دبليو بوست”.. مريض بالمصحة يسرق سر الطبخة

كان “سي دبليو بوست” مريضا فشل في كل عمل تجاري قام بإنشائه وأصيب بانهيار عصبي، وكان محطما عندما جاء إلى مصحة “باتل كريك” في محاولة لاستعادة صحته، لكنه كان مفلسا ولم يكن قادرا على دفع ثمن الإقامة في المصحة. ولكي يدفع “بوست” الفاتورة الشهرية البالغة 60 دولارا (يعادل 2200 دولار اليوم) كان عليه العمل في المطبخ والمساعدة في خبز “الغرانولا” الرائدة.

“سي دبليو بوست” الذي عمل في مطبخ المصحة ثم سرق سر المهنة

 

وعن “بوست” تقول المؤلفة والمؤرخة “نانسي روبن”: كان مخترعا وشخصا محبا للمغامرة، لهذا افتتن بحبوب “كلوغز”، وأراد تعلم كل شيء يتعلق بتحضيرات هذا الطعام الصحي، وكان تواقا لصنع ثروته الشخصية.

ومع اقتراب نهاية أيام إقامته في المصحة وقبل رحيله؛ أخذ معه بعضا من “الغرانولا”، واستولى على أسرار تحضيرها.

ويقول المؤلف “جون هاين” إن الآراء انقسمت حول استيلاء “بوست” على وصفة وطريقة الأخوين “كلوغز” ليصنع حبوبه الخاصة، فهناك من يسميها سرقة، والبعض الآخر ينظر إليها أنها ذكاء تجاري أمريكي. وقد عدل “بوست” الوصفة لجعل الغذاء أكثر جاذبية للأسواق الكبرى، ويعيد بمفرده تشكيل الصباح الأمريكي بمنتج أسماه “حبوب الفطور”.

ومع استمرار توسع الصناعات الأمريكية، بدأت معالم سوق أكبر بكثير بالظهور، وبحلول القرن الـ19 أوجدت شبكة السكك الحديد العابرة للقارات وسيلة توزيع غير مسبوقة. تقول الأكاديمية “ميرا لوزا”: شبكة السكك الحديد شكلت دافعا كبيرا لقطاع الغذاء، حيث شق منتج كالبرتقال مثلا طريقه نحو بوسطن، وصار بمقدور المرء وفي عز الشتاء أن يتناول برتقالة قادمة من كاليفورنيا، وكل هذا بفضل السكك الحديدية.

وحققت الفرص الجديدة ثروات هائلة لأولئك الذين يتمتعون بالجرأة الكافية لتحقيقها، وفي مقدمتهم “سي دبليو بوست”.

“غريب نتس”.. منتج مثالي مقرمش بنكهة سكر العنب

أراد “سي دبليو بوست” المنتج مثاليا، لذا أضاف عنصرا إليه كان الدكتور “جون كلوغز” رفض استخدامه وهو السكر، ليصبح المنتج حلوا ومقرمشا، على عكس ما كان عليه طعام المصحات التقليدي، وأطلق “بوست” على منتجه اسم “غريب نتس”، وسمي بهذا الاسم لأنه كان يحتوي على سكر العنب وذلك القوام المقرمش نوعا ما، ومن بعدها بدأ تسويقه في كل مكان.

“غريب نتس” سمي بهذا الاسم لأنه يحتوي على سكر العنب والقوام المقرمش نوعا ما

 

وتكمن عبقرية حبوب الفطور–بحسب المؤرخ “مايكل كروندل”- في أنك تأخذ منتجا لا يكلف أي شيء تقريبا، حيث تطهي الذرة قليلا، ثم تسحقها، ثم تملأ العلبة منها وتبيعها مقابل مبلغ كبير من المال.

ومع إطلاق “بوست” حبوب إفطاره الثورية، كان “ويليام كلوغز” يستميت لخوض القتال بعد أن طعنه مساعده السابق. وذهب إلى شقيقه “جون” ليطلعه على علبة الحبوب التي أطلقها “بوست”، وقال له: أعطني سببا وجيها واحدا يمنعنا من تحقيق أموال طائلة. فأجابه: المصحة كل ما يهمني، وتأخذ كل وقتي وطاقتي.

غير أن “ويليام” أوضح لأخيه بالقول: سأقوم بكل شيء وأشرف على المشروع بشكل كامل. لكن “جون” لم يكن يثق بقدرات أخيه، وأكد له أن السبب الوحيد خلف بقائك في المصحة هو أنك أخوه.

وعن هذا السجال يقول رائد الأعمال “آر زيه إيه”: إنهما شقيقان لا أحد فيهما يرى جمال الآخر، بل يقلل من شأنه، أعتقد أنه من أصعب الأمور التي تواجهها كرائد أعمال أو كشخص مبدع هم الناس من حولك، سواء كانوا من العائلة أو غيرها، فهم الذين يسخرون من أفكارك.

رقائق الذرة.. صدفة تصنع منتجا يدوم للأبد

قادت الصدفة البحتة “ويليام كلوغز” لاكتشاف رقائق الحبوب، ففي يوم من الأيام وخلال محاولته استصلاح قطعة من العجين تركها في الخارج طيلة الليل، قرر “ويليام” أن يفردها، وكانت النتيجة أنها أصبحت كالرقائق. وكان هذا الابتكار حادثا وصدفة بحتة، حادث سيدر ثروة تفوق الـ13 مليار دولار سنويا، ومن شأنه أن يكون سلاحا حاسما في المعركة ضد “بوست”.

رقائق الذرة التي أطلق “ويليام” عليها اسم “الكورن فليكس”

 

ويتساءل الإعلامي “ريتشمان”: ماذا لو تخلصوا من تلك العجينة ولم يضعوها في آلة الفرد، والأمر المذهل أنه لا يمكن معرفة أبدا متى ستأتي لحظة الإلهام.

ويقول أستاذ تاريخ الطب في جامعة ميتشغن “هوارد ماركل”: رقائق الحبوب كانت شعبية للغاية، ولاقت استحسان الناس في المصحة، وكانت أشبه باللحظة التي صرخ فيها أرخميديس: وجدتها.

ولإنتاج رقائق الحبوب التي أطلق “ويليام” عليها اسم “الكورن فليكس” (أي رقائق الذرة) يترك العجين لعدة ساعات ليتخمر، ثم يفرد عبر البكرات على شكل صفائح رقيقة ثم تخبز.

كان “ويليام” يكره “بوست” لسرقته أفكاره، وأدرك أن لديه منتجا أفضل من “غريب نتس”، وكان يتطلع لليوم الذي يستطيع طرح رقائق الذرة في الأسواق، ويتمكن أخيرا من رد الإهانة لـ”بوست”.

بلغت مبيعات “بوست” من الحبوب الثورية عام 1899 أرقاما فلكية في كافة أنحاء الغرب الأوسط الأمريكي، كما استثمر في مصنع لشحن منتجاته من الساحل إلى الساحل، وكانت فكرة السوق الوطنية جديدة، ونظرا إلى أن حكومات الولايات كانت تنظم عادة العمليات التجارية، فلم يكن هناك قوانين نافذة للإشراف عليها.

العلاج المعجز.. تسويق جريء للحبوب في الأسواق

يقول الأكاديمي “براينت سيمون”: لم تكن هناك قيود على الإعلان التجاري، لذا فقد كانت هناك كل هذه المنتجات التي تعد بإنقاذ حياة الناس من كل الأمراض، ومن بينها عسر الهضم والصداع، ولم يكن هناك حدود لما يمكنها أن تعد بها، لأنه لم تكن هناك قواعد منظمة.

وقد استغل “بوست” الوضع استغلالا تاما، وسوّق حبوبه بصفتها علاجا إعجازيا. ويقول المؤرخ “مايكل كروندل”: كان “بوست” ينشر إعلانات تجارية يدعي فيها أن حبوبه تشفي من كل الأمراض، منها التهاب الزائدة الدودية والعجز الجنسي، كان يقول أي شيء وكل شيء من شأنه أن يسوق منتجاته.

ادعاءات “بوست” الجريئة جعلته مليونيرا، واجتاح منتجه “غريب نتس” البلاد. وفي تلك الأثناء كانت لا تزال فكرة بيع الحبوب خارج المصحة تتعرض للإحباط من قبل “جون كلوغر” الأخ الأكبر.

ويقول الدكتور “يوهورو ويليامز” بروفيسور التاريخ في جامعة سانت توماس: في مطلع القرن ازداد الطلب على المنتجات الغذائية الآمنة والرخيصة التي يمكن الوصول إليها بسهولة، وبدأت الحبوب جاهزة لهذه السوق لأنها تملك جميع هذه الميزات، وكان هناك أشخاص مثل “ويليام كلوغز” الذي كان ينظر لتلك السوق، ويقول: هذه فرصة حقيقية لاستغلال الطلب على منتج لذيذ ومغذٍّ ويمكن إعادة إنتاجه بسهولة.

حريق المصحة.. فرصة لانتزاع المنتج من قبضة الأخ الكبير

في منتصف إحدى الليالي عصفت ألسنة النار بالمصحة، وأتت على كل المبنى، وتسببت بوفاة أحد المرضى، وأودت أيضا بعمل “جون كلوغز” طيلة حياته إلى الخراب.

ويصف الدكتور “هوارد مايكل” مصحة “باتل كريك” بقوله: مبنى ضخم يضم غرفا جميلة وكافة أنواع المرافق، لكن شأنها شأن جميع المباني في القرن الـ19، كانت مبنية من الأخشاب وعليها قشرة من الطوب، لهذا احترق المكان بكامله خلال ساعات ليصبح مجرد ركام.

حريق مصحة “باتل كريك” التي بنيت في القرن التاسع عشر، وتحولت إلى ركام في ظرف ساعات

 

رأى الدكتور “كلوغز” مولوده الذي طالما اعتنى به سوّي بالأرض، وبلغت قيمة الترميم مليون دولار (أي ما يعادل 30 مليون دولار اليوم)، وفي حين رأى “جون كلوغز” في ذلك كارثة، لاحت لـ”ويليام” فرصة لانتزاع “الكورن فليكس” من قبضة أخيه.

عرض “ويليام” على أخيه مبلغا كبيرا من المال لشراء وصفات الحبوب لصالح مستثمرين من القطاع الخاص معظمهم كانوا مرضى سابقين في المصحة، وقال له إنه سينشئ شركة جديدة، واستأجر مصنعا بالفعل. ورغم ما حصل معه، فقد أصرّ “جون كلوغز” على تحطيم أخيه والتقليل من شأنه لأنه غير متعلم، فكان جوابه أنت طبيب لامع، لكنك لا تفهم بكل شيء.

وكان “ويليام” مستعدا للخروج، لهذا جمع الأموال وأخذ القروض، وانطلق للسباق ولم يلتفت خلفه أبدا. وبعد أن حصل أخيرا على الوصفات، افتتح “ويليام” مصنعه وبدأ العمل في غضون أشهر بخطط للاستفادة من اسم “كلوغز” وتقديم وجبات خفيفة للعالم، وقد استثمر مبلغا كبيرا في بكرات صناعية مسجلة الملكية قادرة على تصنيع 25 ألف علبة شهريا.

وكانت عجانات “ويليام” للرقائق تستخدم نظام تبريد مائي ثوريا يمنع احتراق العجينة الرقيقة والتصاقها بالبكرات المعدنية لإنتاج رقائق مقرمشة دون هدر. ثم يضاف على الرقائق القليل من الشعير والملح لجعل مذاقها أفضل، وقد وضع “ويليام” اسمه على علبة الحبوب لتصبح “كلوغز كورن فليكس”.

“كلوغز كورن فليكس”.. مطية السيطرة على عرش الحبوب

يقول الإعلامي “كارل براون”: أن تكون رائد أعمال، يعني أن تكون لديك رؤية حول الكيفية التي يرى فيها عامة الناس علامتك التجارية، لأنك تبيع منتجاتك وخدماتك، ولا بد أن يثق الناس باسمك.

حبوب “كورن فليكس” التي رافقها اسم “كلوغر” كعلامة تسويقية للمنتج

 

وبفضل المعدات الحديثة واسمه المطبوع على كل علبة، اجتاحت “كلوغز كورن فليكس” المميزة الأسواق، وأصبح “ويليام” مستعدا لخوض الحرب مع “سي دبليو بوست”.

ولعقود من الزمن ظل “ويليام كلوغز” يعيش في ظل أخيه الأكبر الدكتور “جون”، لكن مع إطلاق “الكورن فليكس” كان عازما على إسقاط “بوست” عن عرش السيطرة على سوق الحبوب. وبحلول عام 1907 كان “ويليام” يحقق أرباحا تصل إلى 187 ألف دولار (يعادل 5 ملايين اليوم)، وكان ينفق ضعف هذا المبلغ لجعل اسم “كلوغز” يرافق “الكورن فليكس”.

وكان الشيء الأهم -بحسب المؤرخة ليبي أوكونيل- في نشر العلامة الوطنية هو الإعلان التجاري، حيث كانت الشركات تشتري مساحات إعلانية في المجلات، ونجحت شركة “جيلو” بتقديم نفسها أنها أشهر شركة حلوى في أمريكا رغم أنها لم تكن مشهورة، لكنها بدأت حملة إعلانية تدعو فيها نفسها هكذا، ونجحت بالفعل.

سوق الحبوب.. منافسة شرسة تطارد الرجل المريض

في مطلع القرن الـ20 أصبح الغذاء القطاع الأكبر في سوق الإعلانات التجارية، متفوقا على مستحضرات التجميل والتبغ والسيارات، وكان في مقدمة المنفقين في هذا السوق “ويليام كلوغز” الذي كان يطلق جميع أنواع الحملات الدعائية المذهلة، وكانت لديه لوحات إعلانية ضخمة.

وفي الوقت الذي كان فيه “ويليام كلوغز” يكافح لجعل حبوبه معروفة من الساحل إلى الساحل، كان “سي دبليو بوست” يغرف الأموال غرفا بفضل حبوبه، فبحلول عام 1908 كانت شركته تربح أكثر من 5 ملايين دولار سنويا (يعادل 147 مليون دولار اليوم)، إلا أن “كورن فليكس” كانت تشكل أول تهديد له.

وفي تلك المرحلة كان “بوست” لا يزال يسوّق منتجه كمكمل غذائي، في حين كان “كلوغز” يبيع رقائقه كوجبة طعام وحقق نجاحا ساحقا.

بعد سنوات على إصابته بذلك الانهيار العصبي وعلاجه في مصحة “باتل كريك”، ألقى ضغط المنافسة بظلاله على “بوست”، وظهرت مشاكله الصحية. وكان عازما على طرح نسخته الخاصة من رقائق الذرة في الأسواق، لكن مرضه زاد من اضطرابه.

ويقول المؤرخ “كروندل”: سواء سرق “بوست” الفكرة أم لا، فهذه مسألة أخرى، لكن إن فكرت بأخلاقيات “بوست”، فقد كانت تماما كرواد الأعمال في عصره، وفي ذلك الزمن كانت به الشراسة في المنافسة محط إعجاب قبل كل شيء.

“بوست توستيز”.. منافسة في السوق واحتكار للعجانات

طلب “بوست” من مساعده أن يكتشف المعدات التي يستخدمها “ويليام كلوغز”، ومن الذي يصنعها، وأن يشتريها كلها حتى لا يحصل أحد على أي واحدة منها بغض النظر عن ثمنها. واحتكر “بوست” عجانات “ويليام كلوغز” مسجلة الملكية، وفي غضون أشهر أصبح ينتج رقائق الذرة بنفسه، وأطلق عليها اسم “بوست توستيز”.

ومع استحواذ مبيعات “بوست توستيز” على حصة “ويليام كلوغز” في السوق، أصبح “ويليام” عازما على الرد من جديد، فزاد إنتاجه من رقائق الذرة دافعا مصنعه للعمل بطاقته القصوى، لكن الرياح لم تجر كما يشتهي، وأدى هذا في تموز/يوليو عام 1907إلى احتراق مصنعه للـ”كورن فليكس” عن بكرة أبيه.

ولم تكتفِ النار بالقضاء على مخزون “كلوغز” من الحبوب، بل دمرت العجانات التي تعد مولوده الذي أتى به للعالم. وكان على “ويليام” أن ينهض بأسرع ما يمكن، أو أن يخاطر بخسارة المعركة أمام “بوست” عدوه اللدود.

واحدة من أهم العجانات التي سيطر عليها “بوست”

 

فبعد حرق العجانات كانت صدمة “ويليام” حينما علم أن “بوست” اشترى حقوق تصنيع العجانات –التي شارك “ويليام” في تصميمها- لتصنيع منتج “بوست توستيز”. وحاول “ويليام” إعادة شراء حقوق التصنيع مرة أخرى، لكن صاحب الشركة رد عليه بأن عقده مع “بوست” حصري، ولا مكان للزبائن الجدد.

لكن “ويليام” كان رجلا واسع الحيلة وقادرا على حل المشاكل، واهتدى إلى فكرة نجح من خلالها العودة إلى العمل، وهي طلب إصلاح العجانات الخاصة به التي احترقت من الشركة المصنعة، أي أنه زبون قديم وليس جديدا.

قرض البنك الضخم.. عودة مدمرة من تحت الرماد

أخذ “ويليام كلوغز” قرضا ضخما واستثمره في صناعة بكرات فرد العجين وإعادة بناء مصنعه. يقول “هوارد ماركل” أستاذ تاريخ الطب في جامعة متشيغن: تدمر مصنعه بالكامل تقريبا، لكن عبقريته أنقذت الموقف، وحين احترق مصنع (الكورن فليكس) بالكامل كان من الصعب أن يأخذ القروض، فوجد مالك مصرف واحد فقط آمن به ومنحه نحو 100 ألف دولار (يعادل أكثر من مليون دولار اليوم).

وبعد 6 أشهر فقط عاد و”يليام كلوغز” إلى اللعبة مجددا، وقام بتحديث المعدات في مصنعه ليصبح أكثر قوة وفعالية من قبل. وقد طور نظاما من الأحزمة الناقلة يمتد على طول 5 أميال، بدءا من مخزن الحبوب وصولا إلى مخزن التعبئة والتغليف، حيث تجري تعبئة رقائق الذرة المحمصة في العلب وتغليفها وتوزيعها.

وكانت 3 ورديات من العمل تبقي المصنع يعمل 24 ساعة في اليوم 7 أيام في الأسبوع، وبحلول عام 1909 ارتفع إنتاج “كلوغز كورن فليكس” من 4 آلاف صندوق إلى 120 ألفا يوميا، الأمر الذي ردم “بوست تستيز” تحت الرماد.

وتقول المؤرخة “زلاتي ماير”: أدى ظهور “الكورن فليكس” إلى إحداث ثورة حقيقة في طعام الفطور، بكثير من الأحيان النساء هن من يستيقظن مبكرا ويمضين ساعات في التحضير قبل أن يستيقظ بقية أفراد الأسرة،وأتاح لهن “الكورن فليكس” تقليص عدد الساعات التي يقضينها في المطبخ، وأتاح للناس بدء يومهم بوجبة صحية أكثر.

“بوست”.. انتحار صاحب الحبوب الشافية من كل داء

زادت المنافسة مع “كلوغز” من مرض “سي دبليو بوست”، وهذا الأمر لم يترك له خيارا سوى الانسحاب من عمله اليومي في الشركة التي أمضى حياته في بنائها. وقد عانى من المرض طوال حياته، وادعى أن “غريب نتس” تشفي جميع الأمراض، لكنها بالطبع لم تشفه، وهذه هي المفارقة الكبرى، فقد كان واحدا من أثرى الرجال في البلاد، لكن انتهى الأمر به بذلك الوهن الذي دخل به مصحة “جون كلوغز” وفقا للمؤرخ “كروندول”.

نظرا لمعاناته أكثر من أي وقت مضى بات “بوست” متأكدا من أنه يحتضر من سرطان المعدة، وقرر الانتحار في 9 مايو/أيار 1914.

يقول المؤرخ “كروندول”: فكرة المليونير العصامي أمريكية نموذجية إلى حد كبير، فقد فعلها قبله الكثير من المستثمرين وجنوا ثروات طائلة، وحذا “بوست” حذوهم في القطاع الغذائي، ودون أشخاص مثله كان ليبدو مشهد الطعام الأمريكي مختلفا تماما عما هو اليوم.

أما بالنسبة لـ”ويليام كلوغز” فقد وضعت وفاة خصمه الأكبر نهاية لمعركته على سيادة سوق رقائق الحبوب. وانتصر”ويليام” بكل المقاييس، فقد هزم أخاه وتفوق على “بوست”، لدرجة أنه بحلول الحرب العالمية الثانية كانت شركة “كلوغز” للحبوب تستحوذ على 50% من سوق رقائق الحبوب في العالم.

“مارغري”.. طموح يصنع عملاق الأغذية الأكبر في أمريكا

ترك “بوست” خلفه ثروة شخصية قدرت بـ22 مليون دولار (يعادل 550 مليون دولار اليوم)، واستلمت الشركة سيدة شابة تفتقر للخبرة، وهي ابنته مارغري البالغة من العمر آنذاك 27 عاما.

وعن استلام “مارغري” شركة والدها تقول المؤرخة “ريتا لانغدن”: في ذلك الزمن لم تكن النساء يتولين رئاسة مجلس إدارات الشركات، وكانت الكثير من القرارات التي اتخذتها تجري بشكل خاص في منزلها. كانت “مارغري” تتمتع بعقلية إستراتيجية للغاية، وتتحلى ببعد النظر تماما كوالدها، وهي السبب وراء النجاح التي حققته الشركة.

ولعدم رضاها عن كونها وريثة شركة حبوب ثرية، كانت لها رؤية بتحويل شركة والدها إلى شيء أكبر بكثير. وقبل سنوات من ظهور تكتلات شركات الأغذية العملاقة، كانت “مارغري” تدير شركتها من خلال اقتناص العلامات التجارية المعروفة، مثل قهوة “ماكسويل” وشراب “لوكا بين” و”جيلو” ومايونيز “هالمين”، للتوسع من شركة لرقائق الحبوب إلى عملاقة أغذية تخطو خطوات جريئة على طول الطريق.

وبسبب طموحها وإصرارها على توسيع نشاط الشركة، أخبرها أحد الأشخاص عن شخص يصنع السمك المجمد، فذهبت وتحققت من الأمر، وعرضت على صاحب الشركة شراءها بالكامل. ودفعت للاستحواذ على الشركة 22 مليون دولار، وقامرت بما يعادل نحو 300 مليون دولار اليوم لشراء شركة “بيردز آي” للأغذية المجمدة وكسبت الرهان، مما جعلها أنجح سيدات الأعمال في عصرها. كما غيرت اسم الشركة ليصبح “جنرال فودز” التي أصبحت أكبر شركة للأغذية في أمريكا، مرسخة إرثها وإرث عائلتها المميزين في هذا المجال.

ولم تكن “مارغري” فقط سيدة أعمال ناجحة، بل كانت أيقونة في عصرها ومناصرة للمرأة، وكانت قيادية وشخصية تتطلع إليها النساء بإعجاب.

وأصبحت “جنرال فودز” جزءا من شركة “كرافت فودز” التي تبلغ قيمتها اليوم أكثر من 50 مليار دولار، في حين تبلغ قيمة شركة “كلوغز” قرابة 20 مليار دولار.

ومن الجوانب العظيمة للعصر الذهبي في قطاع الغذاء هو أنه كان عصر الابتكار وحبوب الفطور هي واحدة من تلك الابتكارات، إضافة إلى ظهور شركات في ذلك العصر لم تسهم في تشكيل قطاع صناعي فحسب، بل أيضا في طريقة تناول الناس لطعامهم وأنماط غذائهم.