“قلب الليل”.. انفصام في الذات وتمرد على الشرائع يمس المقدسات

حسن العدم

في قلب الليل، يهرول جعفر الراوي من حارة مرجوش، عندما كان طفلا صغيرا، حتى وصل إلى قصر هدى صِدّيق عندما صار رجلا في عنفوان شبابه، يبحث عن إجابات لأسئلة وجودية، حاول عاطف الطيب أن يدلّ المُشاهد عليها، حينما تعامل دراميّا مع رواية “قلب الليل”، وأخرجها فيلما بالاسم نفسه عام 1989، وهي الرواية التي كتبها في 1975 الأديب “نجيب محفوظ”.

 

وكمعظم أعمال نجيب محفوظ، فقد أثارت الرواية كثيرا من الجدل حول الدلالات الرمزية لشخصياتها، ومدى قربها أو بعدها عن المقدسات الدينية أو المفردات الإلهية.

وقد عقدت قناة الجزيرة الفضائية حلقة خاصة من برنامج “خارج النص” استطلعت فيها آراء عدد من الكتاب والناقدين، سواء منهم من دافع عن الرواية أو من اتَّهم مؤلفها بالانزلاق نحو المساس بالمقدَّس الديني.

نجيب محفوظ.. زلزال ارتدادي ذكي لرواية مثيرة للجدل

تطرح هذه الرواية الفلسفية أسئلة وجودية عن الإنسان وحريته والهدف من حياته، وقد صاغها نجيب محفوظ على شكل سردية تتعلق بحياة جعفر الراوي الذي ينتمي إلى طبقة ثريّة محافِظة، ويتمرد على أفكارها، بحثا عن إجابات لهذه الأسئلة، مما دعا بعض النقاد لوصف الرواية أنها تمثل شخصية نجيب محفوظ نفسه، بكل إشكالاته الفكرية وشكوكه في كل ما هو ديني.

فيلم “قلب الليل” المبني على رواية نجيب محفوظ

 

ويصف نقّادٌ الرواية بأنها “زلزال ارتدادي” للزلزال الكبير الذي أحدثه نشر روايته السابقة “أولاد حارتنا”، إذ تظهر في “قلب الليل” شخصيات رمزية لا يمكن الفكاك من حقيقة أنها تحاكي “المقدَّس الديني” وتمرُّد الإنسان على الشرائع والأحكام. لكن تعامله في هذه الرواية كان أذكى بكثير من التي سبقتها، فقال ما يريد قوله دون إثارة ضجة كالتي سبقتها، وترك للقارئ حرية الفهم.

ويرى آخرون أن الفيلم قد ظلم الرواية، ليس فقط في إغفال الكثير من التفصيلات التي حرص نجيب محفوظ على إظهارها في شخصيات وأحداث الرواية، ولكن أيضا في التعديلات على الأحداث والشخصيات والقضايا المطروحة، إلى غير ذلك من الانتقال من الفصحى إلى العامية، وتفاصيل الأماكن التي تتنقل فيها الشخصيات في الرواية.

جعفر الراوي.. ميل عن الطريق وتيه في البحث عن الذات

تمثل قضية الصراع الطبقي واحدة من أهم القضايا في الفيلم، لكنها لم تكن المحور الرئيسي الذي تدور حوله الرواية، بقدر ما كانت التساؤلات الوجودية التي يبحث جعفر عن إجاباتها، وإنْ كانت كل هذه البيئات المختلفة موجودة في الرواية؛ فمن حارة التركمان إلى بيئة السادة والمثقفين إلى طبقة الباشاوات:

“لقد انتقلت من الفوضى والمخدرات إلى حياة زوجية نقية، وتحصيل للمعرفة بلا حدود، في نظام دقيق أفقدني الكثير من مظاهر الحرية السطحية، ولكنه فتح لي أبواب الحرية المضيئة التي يسمو بها الإنسان على ذاته بالوعي”.

بطل الرواية يروي كيف انتقل من حياة الضياع والتيه إلى حياة الاستقرار

 

كان جعفر -الشخصية الرئيسية في الرواية والفيلم- طفلا يتيما نشأ في رعاية جده، وتعلم القراءة والكتابة على يد كبار الشيوخ، ليلتحق بالأزهر الشريف، لكن صوت صديقه الذي كان يتعلم الإنشاد والموسيقى صرفه عن مواصلة تحصيل علوم الدين، وهذه أولى خطوات جنوح جعفر عن الطريق التي رسمها له جده.

كانت شخصية جعفر مضطربة في تكوينها وطفولتها، وانعكس ذلك اضطرابا في الأفكار حتى نهاية حياته، وكان مصابا بالوسواس القهري الذي أدى به في النهاية إلى الانفصام. وقد كان يرى نفسه مستعليا على الآخرين، وفي ذات الوقت يعلق أخطاءه وفشله على مشاجب غيره.

شخصية الراوي الجدّ.. مساس رمزي بالذات الإلهية

مرّ جعفر الراوي خلال رحلته بالمذاهب الفلسفية جميعها والأنماط البشرية كلها، ووصل إلى نتيجة مفادها أن كل هذه المذاهب والأنماط لم تعطه المعرفة التي سعى لها، ففقد في النهاية اتزانه النفسي والعقلي.

الجد أو الراوي في رواية “قلب الليل” الذي يمثل رأس الحكمة والقيم والتعاليم

 

“كان جدي يجلس على أريكة ذات مسند عالٍ مطعّم بالأرابيسك تتوسط السلاملك (الجزء المخصص لاستقبال الضيوف من الرجال من قصور الدولة العثمانية وبيوتها)، إنه يجلس متربعا في جلباب أبيض فضفاض، متلفعا بشملة مزركشة مغطى الرأس بطاقية بيضاء، جبهته عالية بصورة بارزة، وأنفه طويل شامخ، أما لحيته فبيضاء مسدلة على الرقبة وتلامس أعلى الصدر. إن جانبا من نفسي يتعقب جدي بالانتقام، وإن حبي له ليس خالصا تماما، وإنني لا أريد أن أنسى مأساة والدي”.

يرى كثير من النقاد أن شخصية الجدّ رمزية تشير إلى الذات الإلهية أو المقدس الديني، ويُسقِطون جزئية غضبه على جعفر وطرده من قصره على غضب الله سبحانه على آدم وطرده من الجنة. بل إن الاسم في حد ذاته “السيد الراوي” يرمز إلى المتحكِّم في شؤون العالم والمنعِم عليه بأهم ضروريات الحياة؛ الماء.

مروانة وهدى.. صرخة العاطفة ونداء العقل

قرر جعفر الزواج من راعية الغنم مروانة، وهو زواج سرعان ما يثبت فشله، ليلتقي بعدها بسيدة المجتمع هدى صديق التي تقوده صحبتها إلى تأليف نظرية اجتماعية تتسبب بسجنه في نهاية المطاف. كانت مروانة تمثل الغريزة والشهوة التي تفتحت عند المراهق جعفر الراوي، بينما كانت هدى صدّيق تمثل مرحلة النضج والعقل والمعرفة.

يتقلب بطل الرواية بين زاوجين زواج حب ومتعة وزواج حكمة ومعرفة

 

يقول عن مروانة: “كانت فاتنة بفطرتها كلسان من اللهب، ومعتزة بنفسها وقومها، حتى حياؤها الأنثوي كان غشاءً شفافا لا ضعفا متأصلا أو رخاوة طبيعية، ومنذ اللحظة الأولى شعرت بأنني حيال أنثى قوية، تتدفق منها الفتنة والسحر والتحدي، وأنني أستسلم في رحابها، كاشفا عن ضعفي بقوةٍ وعنف”.

ويصف هدى قائلا: “صادفت سيدة جميلة كريمة الأصل، مثقفة عاقلة رصينة، واعدة بمعاشرة سعيدة، فملت إليها كما ينبغي لي، وأحببت فكرة الارتباط بها”.

ويربط بعض النقاد بين شخصية هدى التي في الفيلم وشخصية هدى شعراوي رائدة التحرر والتنوير في المجتمع النسائي المصري.

نبي الهداية.. نرجسية إجرامية تقود إلى السجن

كانت النقلة النوعية في حياة جعفر الراوي عندما تعرف على هدى صديق، فدخل أجواء المعرفة والمجالس الثقافية التي كانت تعقد في قصر زوجته هدى، والشخصيات الهامة التي قابلها هناك، مثل شخصية المحامي اليساري سعد الكبير وكثير من المثقفين والأدباء، وصار يقرأ كثيرا حتى يجاريهم في جلساتهم، لكنه بدل ذلك آثر العزلة وانكفأ على نفسه.

الصالون الثقافي الذي كانت تعقده زوجة البطل الثانية هدى صدّيق للمثقفين

 

بدأ جعفر يكتب في عزلته رسالة مطولة في هداية البشرية، فقد كان يرى نفسه نبيا مصلحا، لكن رؤيته تلك ووجهت بالرفض عند أول طرحٍ لها، الأمر الذي دفعه لارتكاب جريمة قتل راح ضحيتها سعد المحامي، ليدخل جعفر السجن حتى حين، وكأنه نال عقاب ارتكابه لخطايا عدة خلال حياته، وقد كانت تجربة السجن بداية حقيقية لرحلة البحث عن الذات.

اكتشاف الحرية.. باب مفتوح من التمرد على المذاهب والشرائع

قرأ بعض النقاد من الرواية أنها عظّمت من قيمة الحرية والاختيار، وكانت أولى خطوات الحرية هذه يوم تحرر جعفر من سلطان جده، وآخرها عندما اكتشف الحرية الحقيقية بخروجه من عتمة السجن إلى نور الحياة. لكنه ما يزال يتخبط في المتناقضات، وتتقطع ذاته بين مغريات الغريزة ونداء الحكمة، بين هيجان العاطفة واتزان العقل، وبين ظلمة الجهل ونور المعرفة.

فيلم “قلب الليل” المنتج عن رواية نجيب محفوظ يلاقي قبولا كبيرا لدى النقاد

 

بينما يتساءل آخرون: إلى أين يريدنا نجيب محفوظ أن نصل معه في رحلة البحث عن الذات تلك؟ لقد جرّب كل المذاهب والنماذج الحياتية وتمرَّد عليها، بدءا من الدين والشريعة ومرورا بكل المذاهب الأرضية، فماذا بعد؟ لقد ترك جعفر هائما على وجهه في قلب هذا الليل الحالك، حتى وصل إلى مرحلة الجنون والانفصام في نهاية الرواية.

ما تزال الأسئلة التي طرحها نجيب محفوظ في روايته، وعبّر عنها عاطف الطيب في فيلمه، وتقلّب جعفر بينها في رحلته، تنتظر الإجابات، علّها ترشد الباحثين عنها في قلب الليل والشك.