11 سبتمبر.. ذكرى مرتعشة في شاشات السينما الهوليودية

يونس مسكين

دخلت ذكرى الأحداث الدامية ليوم 11 سبتمبر/أيلول 2001 عقدها الثالث مخلفة وراءها العديد من الآلام والألغاز والمخلفات.

وإذا كان التعاطي السياسي والعسكري والاقتصادي مع تلك الأحداث قد استنفد كل أوراقه وأجوبته وأخطائه، فإن حقلا واحدا ما زال يواجه حواجز التردد والحذر كلما اقترب من ذكرى هذه الأحداث، هو حقل الصورة السينمائية.

 

فبالرغم من أن أحداث استهداف برجي مركز التجارة العالمي في نيويورك عام 2001 شكّلت مادة دسمة لعدد كبير من الأعمال السينمائية في جميع أنحاء العالم، بدءا من العام 2002، أي مباشرة بعد وقوع تلك الأحداث؛ فإن طبيعة التناول السينمائي لهذا الحدث الفارق في التاريخ الحديث للبشرية ما زالت بعيدة عن إطلاق العنان لكل من الخيال والتوثيق في معالجة جوانبه الإنسانية والسياسية.

ويكمن السبب الرئيسي في هذا الحذر الذي يتسم به التناول السينمائي لأحداث 11 سبتمبر، في التحدي الرهيب الذي رفعته تلك الأحداث في وجه صنّاع الصورة، إذ تفوّق مشهد اصطدام طائرتي الركاب ببرجي مركز التجارة العالمي وتصويره ونقله شبه المباشر في واضحة النهار، على كل ما راكمته الصناعة السينمائية الهوليودية من مهارة وتفوّق في صنع الفرجة التي تكثف المعنى وتأسر العين وتصنع المشاعر، الإيجابي منها والسلبي.

السينما سبقت.. حين يجسد الواقع خيالات هوليود

هناك من شبّه تلك اللقطة الرهيبة التي كانت الطائرات المدنية تخترق فيها برجي مركز التجارة العالمي وتحطمهما بالمشهد السينمائي، بل إن مخرجا سينمائيا كبيرا اسمه روبرت ألتمان قال إن الحدث كان لحظة تقليد للسينما، حيث تولّت الأفلام السينمائية رسم النموذج فيما أقدم منفذو تلك الأحداث على استنساخه في الواقع[1].

وعكس ما يمكن أن يعتقده البعض، لم تكن أحداث 11 سبتمبر/أيلول مفاجئة تماما للخيال والسينما الأمريكيين. فقبل وقوعها بنحو ثلاث سنوات، تطرّق فيلم “الحصار” (The Siege) إلى قصة تتعلق بخلايا إرهابية نائمة في مدينة نيويورك، تعمد إلى تنفيذ عمليات تخريبية، بينما ترد عليها القوات الأمنية الأمريكية بحزم مما يمنع هؤلاء “الإرهابيين” من تنفيذ مخططاتهم، وهي النهاية التي تكذبها أحداث مركز التجارة العالمي.

 

بل إن الأمريكيين، ومعهم العالم، تفرجوا خلال عقد التسعينيات على مشهد برجي مركز التجارة العالمي وهما ينهاران، وذلك في أفلام مثل “يوم الاستقلال” (Independence Day) و”تأثير عميق” (Deep Impact) و”هرمجدون” (Armageddon)، وهي المشاهد التي يبدو أنها ألهمت المخططين لتنفيذ تلك العملية في نهاية 2001.

الطابع السينمائي الأصلي لأحداث 11 سبتمبر، والحرص البيّن على عدم إعادة إنتاج ذلك المشهد الرهيب، جعل السينما الأمريكية تميل إلى إنتاج أعمال لا تحاكي ما جرى في الواقع بقدر ما تعمل على إعادة توجيه التفكير الجماعي للأمريكيين حولها بطريقة تؤدي إلى تجاوزها.

وجاء هذا التوجه السينمائي في شكل خلق شخصيات بطلة جديدة تمثل العنفوان الأمريكي، وتهزم ما يستشف من بين السطور أنه عدو إرهابي أجنبي أو “شرير”، دون الإشارة مباشرة إلى مرتكبي أحداث 11 سبتمبر.

تناول حذر.. اقتراب سينمائي يبتعد عن الصورة الصادمة

غلب على السينما الأمريكية التي تطرقت لأحداث 11 سبتمبر حرص كبير على عدم إعادة إنتاج تلك الصورة الصادمة التي استيقظ على وقعها الشعب الأمريكي يومها، وعدم إظهار الصروح الأمريكية وهي تنهار بتلك السهولة. وحدها الطبيعة ظلت قادرة -كما كان الحال في فيلم “اليوم الموالي” للمخرج رولاند إمريش- على تحطيم المدن الأمريكية.

وبعد فترة من الحذر الشديد استغرقت عاما كاملا تقريبا، بدأت أولى الأعمال السينمائية عن أحداث 11 سبتمبر في الظهور، وكان من أوائل هذه الأفلام “الساعة 25” (25th Hour) للمخرج سبايك لي، الذي تناول قصة شخص متهم بالاتجار بالمخدرات يقضي ليلته الأخيرة خارج السجن، مع أحد المشاهد على مقربة من مكان سقوط البرجين[2].

فإلى جانب انعكاسها السلبي على المشاعر الجماعية للأمريكيين، شكّلت أحداث 11 سبتمبر في المقابل فرصة للصناعة السينمائية لتطوير أساليبها المستخدمة في تشكيل التمثل الجماعي للأمريكيين لهويتهم وتاريخهم ومستقبلهم، إلى جانب التمثل العام للولايات المتحدة وقوتها.https://www.youtube.com/watch?v=OQJNzCchpGw

 

هكذا شحذت الآلة السينمائية الأمريكية شفرتها لتعيد تشكيل صورة أمريكا بعيدا عن الصدمة التي خلفها مشهد اصطدام الطائرات ببرجي مركز التجارة العالمي، واستعادة الثقة الجماعية للأمريكيين في طريقة عيشهم وشكل دولتهم وفي قدرتهم على الاحتفاظ بالتفوق الشامل الذي تحقق لهم على بقية العالم منذ بدايات القرن العشرين.

وقد هيمنت فكرة المأساة القومية على الأعمال السينمائية التي تناولت أحداث 11 سبتمبر، لكنها ظلت مرتبطة بفكرة القدرة المطلقة على الثأر وملاحقة الأشرار حيثما كانوا، بما في ذلك جبال أفغانستان الوعرة.

وقد وجدت هذه الفكرة ما يعضدها في الواقع، حيث سارع الجيش الأمريكي إلى الهجوم على الدولة التي آوت من يفترض أنهم المدبرون والمنفذون لتلك الأحداث، فيما تولت الأفلام السينمائية تسليط الأضواء على دور أجهزة الاستخبارات الأمريكية في الحرب الشاملة على ما يسمى الإرهاب.

إشكالية السردية.. البحث عن انتصار للكبرياء الأمريكي

تُعرف السينما الأمريكية باحترافها العمل على الأحداث التاريخية واستثمارها في صناعتها الفنية. ورغم فترة التردد والتأمل التي سادت السنوات الأولى بعد الحادث، فإنه وبدءا من 2005 توالت الإنتاجات السينمائية الكبرى عن أحداث 11 سبتمبر، منها فيلم “مركز التجارة العالمي” و”الرحلة 93″.

فقد وجدت الصناعة السينمائية الهوليودية نفسها بعد تلك الأحداث الدامية في ورطة حقيقية، حيث كان دأبها في تحطيم الخصم الشرير ومنعه من إلحاق الهزيمة بأمريكا محط اختبار حقيقي، في ظل غياب ما يعضد تلك السردية في الواقع.

دمار إرهابي شنه جورج بوش الابن وكولن باول على أفغانستان ثم خرجت منه أمريكا تجر أذيال الخيبة والهزيمة

 

ورغم تحطيم الجيش الأمريكي لدولتين إسلاميتين هما أفغانستان والعراق، فإن ذلك لم يكن كافيا لبناء قصة درامية مقنعة عن الانتصار الأمريكي السهل والسحق على العدو، خاصة أن شخصية أسامة بن لادن المسؤول المفترض عن تنفيذ تلك العمليات، بقيت خارج دائرة “العقاب” فترة طويلة.

هول الصدمة التي أصابت المجتمع الأمريكي وقتها، لم يحوّل الفاجعة إلى موضوع مركزي في السينما الأمريكية، بل تميّز التناول الفني للأحداث بكثير من التنوع والتباين، مع نقطة ارتكاز أساسية هي البحث عن الانتصار للكبرياء الأمريكي وصياغة النصر على الأعداء بطريقة مقنعة.

وقد برز بشكل خاص فيلم “فارس الظلام” للمخرج كريستوفر نولان، والذي وظف شخصية “باتمان” الشهيرة وصدر في سلسلة ثلاثية، وحاول أن يقدم أجوبة عميقة عن الكيفية التي ينبغي للديمقراطيات أن تواجه بها التهديدات الخارجية، وما إذا كان انتهاك الحقوق والخصوصيات مبررا في مثل هذا السياق.

أعمال كبرى.. عقدة لسان السينما تنفك تدريجيا

في الفترة الأولى عقب تلك الأحداث، برزت ثلاثة أعمال سينمائية كبرى، وهي كل من فيلم “مركز التجارة العالمي” للمخرج أوليفيي ستون، ويتناول قصة حقيقية لمجموعة من ضباط الشرطة خلال الأحداث حوصروا تحت أنقاض مركز التجارة العالمي، ومحاولاتهم للنجاة بحياتهم، وهو من بطولة نيكولاس كيدج وماريا بيلو ومايكل بينا، وحصل على تقييمات جيدة من الجمهور والنقاد[3].

 

كان فيلم أوليفيي ستون منتظرا في الأوساط الفنية والسياسية منذ أقدم صاحبه على التصريح غداة الأحداث الدامية قائلا إنه إذا ما أنتج فيلما عن الموضوع فسيعكس وجهة نظر الطرفين الضحايا والإرهابيين. في النهاية جاء الفيلم ميالا إلى الخيال والتجريد ومبتعدا عن السياسة وألغامها، فلم يخلف ما كان البعض يخشاه من سجال سياسي[4].

وفيلم “الرحلة 93” للمخرج بول غرينغراس المتعلق بالرحلة الجوية التي انتهى بها الأمر محطمة فوق بنسلفانيا. فمنفذو هجمات 11 سبتمبر قاموا باختطاف أربع طائرات مدنية، ثلاث منها تمكنت من إصابة أهدافها (برجي مركز التجارة العالمي ومقر البنتاغون)، وفشلت الطائرة الرابعة في مهمتها وتحطمت بعدما تمكن ركابها من السيطرة على الخاطفين ومنعهم من إتمام مخططهم، حيث تتضارب التخمينات إزاء الهدف الذي كان محددا لهذه الطائرة. والعملان الفنيان معا لم يلقيا نجاحا كبيرا لقربهما الزمني الكبير من تلك الأحداث.

أما فيلم “بصوت عال للغاية وقريب بشكل لا يصدق”، (Extremely Loud and Incredibly Close)، فقد حاز بعض النجاح في نظر النقاد دون أن يحتفي به الجمهور بشكل استثنائي. ويحكي الفيلم قصة الطفل أوسكار الذي فقد والده خلال أحداث 11 سبتمبر، ويقوم كل يوم بتتبع المسارات التي خطا فيها الأب قبل الحادثة، مع استعادة علاقتهما عبر الفلاش باك[5].

 

حاول فيلم “بصوت عال للغاية وقريب بشكل لا يصدق” أن يتطرّق إلى مأساة ما يقارب 3 آلاف طفل فقدوا آباءهم أو أمهاتهم في تلك الأحداث الدامية، وذلك عبر شخصية البطل أوسكار ذي التسع سنوات والذي فقد والده “توماس” في ذلك اليوم الأسود.

جانب إنساني آخر من مخلفات تلك الأحداث تطرق إليه فيلم “سيطر علي” (Reign Over Me)، ويحكي قصة “تشارلي” الذي فقد زوجته وبناته الثلاث بسبب انهيار أحد برجي مركز التجارة العالمي، وفقد معهم وظيفته، ليلتقي بعد خمس سنوات بأحد أصدقاء دراسته الذي يحاول مساعدته في استعادة استقراره النفسي واستئناف مسار حياته[6].

وتُجمع الكتابات النقدية على اعتبار فيلمي “الرحلة 93″ السينمائي و”فهرنهايت” الوثائقي، من أفضل وأشهر ما أنتج من أعمال عن تلك الأحداث، حيث يروي الأول قصة محاولة ركاب إحدى الطائرات التي اختطفها منفذو العملية لاستعادة السيطرة على الطائرة ومنع الخاطفين من إتمام مخططهم، بينما يتعرض الفيلم الوثائقي إلى طريقة تعاطي إدارة جورج بوش الابن الجمهورية مع تلك الكارثة[7].

الإرهاب.. تكريس صورة نمطية عن المسلمين

تعاني صورة المسلم والعربي من صور نمطية سلبية في الشاشة الكبرى لهوليود، سواء قبل أو بعد أحداث 11 سبتمبر. فقد قام فيلم “الحصار” (The Siege) الذي صدر عام 1998، بتقديم العرب والمسلمين في أمريكا بوصفهم إرهابيين، حيث يفجرون أماكن عامة ويقتلون مئات الأبرياء بسبب اعتقال شخصية عربية تتهمها المخابرات الاتحادية بتفجير ثكنة عسكرية. ويطرح الفيلم فكرة أن قتل الأبرياء عند المسلم أمر طبيعي، وأنه مصدر الإرهاب العالمي الذي تقاتل أمريكا من أجل القضاء عليه[8].

 

وتعزز هذا المنحى في أعقاب أحداث 11 سبتمبر/أيلول 2001، حيث صدرت عدة أفلام سينمائية مثل “سيريانا” (Syriana) الذي قام ببطولته جورج كلوني، والفيلم الأمريكي الكندي المشترك “واجب مدني” (Civic Duty)، حيث يجسّد الفنان المصري خالد أبو النجا دور طالب جامعي عربي في الولايات المتحدة يجد نفسه ضحية معاناته مع جاره المسكون بفكرة إرهاب العرب والمسلمين[9].

ثم جاء فيلم “ميونخ” (Munich) في سنة 2005، ليقدم المسلمين والعرب كإرهابيين ينفذون جرائم، وقد أظهر المخرج “ستيفن سبيلبرغ” -المعروف بتعاطفه مع دولة الاحتلال الإسرائيلي- الفلسطينيين أشرارا يقتلون رياضيين إسرائيليين في أولمبياد ميونخ سنة 1972[10].

رغم الطوفان.. أعمال سينمائية منصفة

لم يقتصر تأثير أحداث 11 سبتمبر على عموم الشعب الأمريكي، بل كانت بعض الفئات عرضة لانعكاسات خاصة، خاصة منها الجالية المسلمة أو المنحدرة من أصول مسلمة. وقد جرى تناول هذا الموضوع في فيلم “الأصولي المتردد” (The Reluctant Fundamentalist) المقتبس من رواية بالاسم ذاته للكاتب محسن حم، وهو من إخراج ميرا ناير وإنتاج عام 2012.

 

ويتناول الفيلم أثر الهجمات الإرهابية على شخص باكستاني يقيم في الولايات المتحدة ويعمل في “وول ستريت” (Wall Street)، لكنه يفقد عمله والنجاح الذي حققه بعد الأحداث بسبب التمييز العنصري ضده، وبسبب لكنته ولون بشرته التي جعلته محطا للشبهات[11].

ورغم السمة العامة الغالبة على السينما الغربية والمتمثلة في تشويه صورة المسلمين والعرب، فإن بعض الأعمال تُشكّل نقاط ضوء واستثناءات داخل هذه القاعدة، مثل فيلم “مملكة السماء” (Kingdom of Heaven) الذي صدر عام 2005 للمخرج “ريدلي سكوت”، ويتناول ما فعلته الحملات الصليبية بالمسلمين، وقد قدم صلاح الدين الأيوبي شخصا نبيلا وذكيا ومتسامحا حتى مع أعدائه[12].

 

وفي فيلم “مختبئ” (Caché) قدم النمساوي “مايكل هانيكي” سنة 2005 صورة موضوعية للعرب ضحايا الاستعمار، وبالأخص فرنسا التي استعمرت الجزائر قرابة قرن ونصف، ويقدم الإرهابي الذي يخشاه المجتمع الغربي كنتيجة طبيعية لما فعله الاستعمار من تمزيق لثروات تلك المجتمعات، ومجازر جماعية لن يمحوها الزمن، ولا تزال عالقة في الذاكرة الجمعية للشعوب.

وفي السياق ذاته، جاء فيلم “واجب مدني” عام 2006 ليقدم رؤية مغايرة لأحداث 11 سبتمبر، فقد عكس حالة التوتر التي اجتاحت الغرب والمجتمع الأمريكي خصوصا، وقدم نظرة منطقية للعرب الذين يعيشون في أمريكا[13].

تحت المجهر.. تجاوزات أمريكية بدعوى الإرهاب

رغم الحذر والاحتياط الشديدين اللذين اتسم بهما التناول السينمائي لأحداث 11 سبتمبر، فإن الإنتاجات الأمريكية لم تخل من تناول نقدي. ومن بين النماذج في هذا الإطار، نجد فيلم “التقرير” (The Report) الذي تدور قصته حول التحقيق الذي قام به الكونغرس الأمريكي بشأن التجاوزات التي ارتكبتها السلطات الأمريكية ضد المعتقلين في قضايا الإرهاب، وعمليات التعذيب التي خضعوا لها، ثم محاولات وكالات المخابرات الأمريكية طمس الحقائق المتعلقة بتلك التجاوزات.

 

وإلى جانب الاعتبارات “الإنسانية”، لم يخل التناول السينمائي لأحداث 11 سبتمبر من محاذير وخطوط حمراء سياسية، أبرزها ملف التجاوزات التي ارتكبتها السلطات الأمريكية في حق أسرى حربها على أفغانستان ومن تتهمهم بالإرهاب.

موضوع سجن “غوانتانامو” الشهير، والمقام فوق جزيرة غير خاضعة للقوانين الأمريكية، لم تصله سوى أضواء خافتة من جانب المخرجين والمنتجين السينمائيين. ويعتبر فيلم “الموريتاني” للمخرج البريطاني كيفن ماكدونالد، من أهم ما أنتج في هذا المجال، استنادا إلى كتاب مذكرات أحد أسرى هذا المعتقل الأمريكي، وهو الموريتاني محمدو ولد صلاحي.

يستهل المخرج هذا العمل السينمائي -الذي صدر بعد عشرين عاما من أحداث 11 سبتمبر- بلقطة يظهر فيها حفل زواج بسيط منظم في إحدى القرى الموريتانية الصغيرة، لتنقلب الأجواء فجأة حين حضر عناصر أمن يطلبون من شاب يافع مرافقتهم بدعوى أن محققين أمريكيين يريدون الحديث إليه، ليختفي يومها ويستمر غيابه أكثر من 14 عاما، قضى جلها في معتقل غوانتانامو بشبهة موالاة تنظيم القاعدة والمشاركة في التخطيط لعملية تحطيم برجي مركز التجارة العالمي[14].

 

تروي باقي مشاهد الفيلم قصة افتضاح أمر السلطات الأمريكية في ملف هذا الشاب الموريتاني، حين دخلت محامية شهيرة على الخط واستنكرت مضي الإدارة الامريكية في اتجاه إدانته وإعدامه دون أن يكون في ملفه ما يستوجب سجنه أصلا. وبصرف النظر عن الجوانب الفنية للعمل، فقد تحول “الموريتاني” إلى وثيقة إدانة في وجه الإدارات الأمريكية التي تعاقبت منذ افتتاح هذا المعتقل، ودليلا على ارتكاب السلطات الأمريكية تجاوزات مقصودة وممنهجة بحق كثير من ضحايا حربها العمياء ضد ما تسميه الإرهاب.

فيلم آخر تطرق إلى تجاوزات الجيش الأمريكي في حق آلاف الضحايا المسلمين، يحمل عنوان “قتل جيّد”، صدر عام 2015 للمخرج أندرو نيكول. هذا الأخير طرق بابا آخر من محظورات المعالجة السينمائية لما بعد أحداث 11 سبتمبر، وهو القتل الأعمى لكثير من الضحايا المسلمين بدعوى الاشتباه في انتمائهم للقاعدة أو حملهم أفكارا متطرفة. واختار المخرج لهذا الموضوع زاوية أقرب إلى قلوب الأمريكيين، وهي الانعكاسات النفسية التي خلفتها عمليات القتل هذه لدى كثير من الجنود الأمريكيين. ويسلّط الفيلم الضوء على هذا الموضوع من خلال شخصية “توماس أيغان” الرائد في قوات سلاح الجو الأمريكي الذي يعاني نفسيا جراء اضطراره الى قتل أشخاص أبرياء في دول إسلامية بطلب من وكالات استخباراتية[15].

“شرير” أمريكا.. تأخر قتله وصعوبة انتصار الأمل

على عكس ما دأبت عليه الأفلام السينمائية الهوليودية، لم تفلح القوات العسكرية والاستخباراتية الأمريكية في العثور على من يفترض أنه أسامة بن لادن وقتله إلا بعد عشر سنوات من أحداث 11 سبتمبر، وذلك في سياق ما يعرف بثورات الربيع العربي التي شهدها عدد من دول العالم العربي في سنة 2011. ودون تأخير، دخلت آلة الإنتاج السينمائي على خط عملية الاغتيال هذه، حسب ما أعلنته إدارة الرئيس باراك أوباما وقتها، حيث صدر فيلم “30 دقيقة بعد منتصف الليل” (Zero Dark Thirty)  للمخرجة كاثرين بيغلو.

حظي الفيلم -الذي يروي الجهود المضنية التي بذلتها المؤسسات العسكرية والاستخباراتية الأمريكية للعثور على بن لادن وقتله- على إشادة واسعة من جانب النقاد والمختصين، كما رُشح لخمس جوائز أوسكار، حصل منها على جائزة أفضل توضيب صوتي برسم العام 2012. ولم يسلم العمل من انتقادات وجّهها إليه البعض بسبب ما اعتبروه معلومات غير دقيقة، فيما استنكر البعض الآخر مشاهد التعذيب المؤلمة التي تضمنها الفيلم.

 

ويُجمع النقاد والدارسون على أن الشكل الذي هيمن على الأعمال السينمائية التي تناولت أحداث مركز التجارة العالمي هو ما يعرف بـ”أفلام الرعب”، كما يتفقون على أن هناك ما قبل وما بعد 11 سبتمبر/أيلول 2001 في هذا المجال.

ويكمن الاختلاف الأهم في كون أفلام الرعب قبل 11 سبتمبر 2001 كانت تنتهي غالبا بالانفتاح على الأمل، بينما بات ذلك يتعذر بعد تلك الأحداث بالنظر إلى نهايتها المأساوية. كما كانت أعمال أفلام الرعب قبل الأحداث تسمح بالعثور على طريقة -ولو كانت خيالا علميا- للتغلب على الشر وهزمه، بينما لم يعد ذلك ممكنا بعد 2001[16].

 

المصادر

[1] https://theconversation.com/how-9-11-changed-cinema-167323
[2] https://www.aljazeera.net/news/arts/2021/9/11/بعد-مرور-20-عشرين-عامًا-هكذا-رأت-السينما
[3] https://www.aljazeera.net/news/arts/2021/9/11/بعد-مرور-20-عشرين-عامًا-هكذا-رأت-السينما
[4] https://www.leparisien.fr/politique/un-film-pour-pleurer-sur-le-11-septembre-10-08-2006-2007233625.php
[5] https://www.aljazeera.net/news/arts/2021/9/11/بعد-مرور-20-عشرين-عامًا-هكذا-رأت-السينما
[6] https://www.cfr.org/blog/seven-movies-worth-watching-about-911
[7] https://www.bloomsburycollections.com/book/post-9-11-horror-in-american-cinema/introduction
[8] https://alkhaleejonline.net/ثقافة-وفن/صورة-العربي-والمسلم-في-السينما-الأمريكية-بين-الإرهاب-والهمجية
[9] https://hafryat.com/ar/blog/كيف-قدّمت-هوليوود-العرب-والمسلمين؟
[10] https://alkhaleejonline.net/ثقافة-وفن/صورة-العربي-والمسلم-في-السينما-الأمريكية-بين-الإرهاب-والهمجية
[11] https://www.aljazeera.net/news/arts/2021/9/11/بعد-مرور-20-عشرين-عامًا-هكذا-رأت-السينما
[12] /تقارير/عرب-هوليود-مائة-عام-من-التخلف-والإرهاب/
[13] https://alkhaleejonline.net/ثقافة-وفن/صورة-العربي-والمسلم-في-السينما-الأمريكية-بين-الإرهاب-والهمجية
[14] https://actu.fr/occitanie/toulouse_31555/au-cinema-designe-coupable-une-affaire-judiciaire-symbolique-apres-les-attentats-du-11-septembre_43867243.html
[15]
[16] https://www.bloomsburycollections.com/book/post-9-11-horror-in-american-cinema/introduction