علم الفلك.. دليل الحضارات القديمة ومطية التطور الحديث

مع تطور وسائل الاتصالات ومع تقدم التكنولوجيات الحديثة ووفرة المصانع التي أصبحت توفر للناس أكثر حاجياتهم خاصة الإلكترونية منها كالهواتف النقالة وأجهزة الحاسب والأجهزة الإلكترونية والكهربائية المختلفة بأسعار زهيدة لما في السوق من عرض كثير ومنافسة كبيرة بين الشركات المصنعة والتي أصبحت تبث منتجاتها بجودة عالية وتنافسية قوية، وسنكتشف كيف يتوافد الناس والعرب بشكل خاص على هذه المنتجات.

لكننا إن اتجهنا إلى زاوية التكنولوجيات العلمية التي ترتقي بنا في مجالات أخرى كالفضاء والفلك والنظر إلى السماء، وجدنا بأنه من النادر أن تجد بيتا فيه تلسكوب أو منظار مزدوج العينية، وربما نجد بلدا عربيا كاملا بمؤسساته، لم يفكر ببناء قبة فلكية أو إقامة مرصد فلكي يتيح للناس فرصة النظر على السماء، ويغير فكرتهم عن هذا العالم المادي الذي اجتاحته موجة الرقميات الكاسحة، مع أن هذه الأمة هي أمة العلم التي سما بها دينها وقرآنها الذي يقول: ﴿انظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ﴾، ويحثنا على التفكر والتدبر والتأمل ﴿يَتَدَبَّرُونَ﴾، ﴿يَتَفَكَّرُونَ﴾ ﴿يَعْقِلُونَ﴾ ﴿يَهْتَدُونَ﴾، وأنها قد حازت على شرف سبق الأمم في العلوم جميعها. ﴿وكَأَيِّنْ مِنْ آيَةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأرض يَمُرُّونَ عَلَيْهَا وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُونَ﴾.

أكثر من 300 نجم في السماء تحمل أسماء عربية بأحرف لاتينية

وليس أدل على ذلك مما نجده الآن في أي أطلس فلكي لنجوم السماء، فأكثر نجومه تحمل أسماء عربية بحتة بلغت أكثر من 300 نجم كالدبران (Aldebaran) في برج الثور، والرِّجل (Rigel) في برج الجبار، والهنعة (Alhena) في برج التوأمين، والذنب (Deneb) في برج الدجاجة، والنسر الواقع (Vega) في برج اللورا، وغيرها الكثير الذي لا يمكن لأحد أن ينكره أو أن يغير فيه. فقد أضحت أسماؤنا منقوشة في السماء لا تعتريها عوامل التغيرات الجغرافية ولا السياسية، والكل يرددها بلفظها العربي علم بها أم لم يعلم.

الأسطرلاب، أداة فلكية تعادل اليوم أجهزة تحديد المواقع والساعات والبوصلة

فلماذا علينا أن ندرس علم الفلك، وما أهميته في حياتنا؟ وكيف نسخره للتوثق من الأحداث التاريخية؟

لا شك بأن علم الفلك أو ما كان يعرف قديما بعلم الهيئة والأنواء علم أفاد البشرية منذ فجر تاريخها وحتى يومنا هذا، فتطبيقاته في حياتنا لا تكاد تنتهي، بل إن له الفضل الأكبر على التكنولوجيات الحديثة التي نعيش في ظلالها الوافرة اليوم.

فما هي أهمية هذا العلم وكيف استفاد الناس منه، ولماذا سيظل علما حيا لا تنقطع السبل إليه؟ إليكم بعض تلك الفوائد.

علم العرب بالنجوم.. دليل الصحراء ومعرفة أوقات الأنواء

اختلفت وظيفة البروج بين أمة وأخرى، أما الأمم ذات الحضارات فقد كانت تستخدم النجوم آلهة تعبدها وتطلب منها الرزق والعون. وأما العرب فإن حياتهم التي كانت تتطلب منهم كثرة السفر والترحال في البادية للبحث عن الماء والكلأ، جعلت النجوم بالنسبة لهم دليل سفر وزينة سماء، لا بد من معرفة أحوالها، فكانوا بارعين في هذا الفن براعة اقتضتها حياة الصحراء.

الجدُيّ هو نجم القطب الذي كان يستخدمه أهل البادية للاستدلال في أسفارهم

يقول ابن قتيبة الدينوري في كتابه “الأنواء في مواسم العرب” عن أهمية النجوم لدى العرب في الجزيرة العربية:

“صحبني رجل من الأعراب في فلاة (صحراء) ليلا، فأقبلت أسأله عن محالّ (بيوت وخيام) قوم من العرب ومياههم، فجعل يدلني على كل محلّة بنجم، وعلى كل ضياء (نار) بنجم، فربما أشار إلى النجم وسمّاه، وربما قال لي: تراه؟ وربما قال لي: ولّ وجهك نجم كذا، أي اجعل مسيرك بين نجم كذا حتى تأتيهم. فرأيت النجوم تقودهم كما تقود مهايع الطريق (الواسعة) سالك العمارات.

الأخنان وبيت الإبرة، أداة كان البحارة العرب يسافرون بها بين البلدان

ويتحدث عن أهميتها في الترحال والمعاش قائلا: وإني رأيت علم العرب بالنجوم هو العلم الظاهر للعيان، الصادق عند الامتحان، النافع لنازل البر وراكب البحر وابن السبيل، يقول الله عز وجل: ﴿وَهُوَ الذِي جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ لِتَهْتَدُوا بِهَا فِي ظُلُمَاتِ البَرِّ وَالبَحْرِ)، فكم من قوم حاد بهم الليل عن سواء السبيل في لجج البحار، وفي المَهامه والقفار، حتى أشرفوا على الهلاك، ثم أحياهم الله بنجم أمّوه أو بريح استنشوها. ولحاجتهم إلى التقلب في البلاد والتصرف إلى المعاش وعِلمهم ألا تقلّب ولا تصرّف في الفلوات إلا بالنجوم، عُنوا بمعرفة مناظرها. ولحاجاتهم إلى الانتقال عن محاضرهم إلى المياه وعلمهم أن لا نقلة إلا لوقت صحيح يوثق فيه بالغيث والكلأ، عنوا بمطالعها ومساقطها.

الأقمار الصناعية.. برمجيات تضع علم الفلك بين يديك

في عصرنا الحاضر، وُجدت التطبيقات الفلكية والبرمجيات والأجهزة والأقمار الصناعية، لتحل محل تلك المهارات الفلكية القديمة، مع أنها لم تنتهِ ولم تندثر. فأقمار تحديد المواقع “جي بي إس” أغنت عن “ذات السدس” و”ذات الثمن” و”بيت الإبرة” و”الأخنان” –وهي تسميات التقسيمات العربية لاتجاهات البوصلة- التي كان البحارة يستعملونها في رحلاتهم في المحيط الهندي وبحر العرب.

وبها استغنى أيضا رحالة الصحراء في البادية عن مطالع نجومهم التي كانت دليلهم في حلهم وترحالهم، فهم يثبّتون لواقطها فوق سياراتهم، فيتصلون بالأقمار الصناعية مباشرة، فلا يضلون بها طريقا.

أما برمجيات الفلك على الهواتف، فقد حلت محل خريطة النجوم (شبكة العنكبوت) على سطح الأسطرلاب التي كانت تعطيهم الوقت ومواعيد ظهور النجوم وغروبها وطلوع الفجر وأوقات الصلوات والاتجاهات وغيرها، فأصبحت تتعرف على نجوم السماء من دون الحاجة إلى أن يخبرك أحد به أو يدلك فلكي عليه، فحين ترفع هاتفك في أي اتجاه يضيء لك النجم أو الكوكب، فتعرف اسمه وتقرأ خصائصه ومتى يشرق ويغيب.

برمجية فلكية موبايلية تحاكي نجوم السماء

وكذا بقية أجرام السماء، حتى الغائب منها تحت الأفق، فهو يريك إياها من دون الحاجة لأن تكون السماء صافية أو معتمة أو حتى موجودة أصلا، فمن داخل بيتك وفي غرفتك يمكنك رؤية هذه الأجرام، فهي تطبيقات تحاكي الواقع كما لو كان مرئيا حقا.

ثعبان الفراعنة.. آثار معرفية تحفظها الأهرامات

أثبتت الدراسات الأثرية المصرية بأن في الهرم الأكبر خوفو فتحتين، تشير إحداهما إلى النجم القطبي، وكان آنذاك نجم الثعبان (Thuban)، وأخرى تشير إلى نجم الشعرى اليمانية (Sirius)، وهو ألمع نجوم السماء وقد ذُكر في القرآن بقول الله تعالى: ﴿وَأَنَّهُ هُوَ رَبُّ الشِّعْرَىٰ﴾ سورة النجم/ آية49.

يعتقد الباحثون بأن ثمة فتحة في الهرم الأكبر خوفو كانت تشير إلى النجم القطبي (الثعبان) أيام الفراعنة

وبالعودة في التاريخ وعبر البرمجيات الفلكية إلى عصر الفراعنة، أي حوالي 5 آلاف سنة من اليوم، فإننا نجد بأن الثعبان كان نجم القطب حقا، وبذلك يكون خبر علاقة الفراعنة الوطيدة بعلم الفلك صحيحا. إضافة إلى كثير من الإثباتات التي تدل على علاقتهم بهذا العلم، كفيضان النيل الذي ارتبط بنجم الشعرى اليمانية. وترتيب الأهرام الذي يتصور أنه يشابه ترتيب نجوم مجموعة الجوزاء/ الصياد (Orion)، لكنه غير مثبت حتى اليوم.

تاريخ مصر القديمة يذكر أن نجم القطب كان “الثعبان”، وهو ما أثبتت صحته البرمجيات الفلكية الحديثة

“كسفت الشمس لموت إبراهيم”.. حادثة في العهد النبوي الشريف

في الصحيحين (البخاري ومسلم) وغيرهما، عن جابر رضي الله عنه قال: كسفت الشمس على عهد رسول الله ﷺ يوم مات إبراهيم (ابن نبينا محمد ﷺ)، فقال الناس: كسفت الشمس لموت إبراهيم، فقال رسول الله ﷺ: إن الشمس والقمر لا ينكسفان لموت أحد ولا لحياته، فإذا رأيتموهما فادعوا الله وصلوا حتى ينجلي.

البرمجيات الفلكية تثبت حدوث كسوف شمسي في زمن النبي صلى الله عليه وسلم

وبالعودة إلى التاريخ المذكور في السيرة، وهو يوم 29 شوال من السنة 10 للهجرة، نجد أن كسوفا حلقيا يشاهد من المدينة المنورة، تحقيقا وتأكيدا لما جاءت به الأخبار. والكسوف الحلقي لا يغطي كامل الشمس، بل يحجب جزءا كثيرا من أشعتها، ولا يلاحظ ذلك إلا من كان تحت الشمس وقت الكسوف، فيشعر بأن إضاءتها قد خفتت.

ولأن الأحكام الشرعية لا تعلل، فلا يمكننا الجزم بالحكمة التي طلب لأجلها النبي ﷺ من الناس الصلاة أثناء الكسوف والإطالة فيها، لكننا يمكن أن نفهم من ذلك –عدا العبادة ذاتها- المصلحة الصحية للناس والحفاظ على بصرهم، فلو نظر الناس بأعينهم إلى الشمس أثناء كسوفها وحدّقوا فيها مليا، لأدى طول النظر إلى إيذاء أعينهم، وربما يفقدهم البصر أو بعضا منه.

كسوف الشمس الحلقي ( السودان 2005) شبيه الكسوف الذي كما شوهد من المدينة المنورة سنة 10 للهجرة

لذلك، طور العلماء وسائل بصرية آمنة أثناء الكسوف تعرف بالنظارات الكسوفية، لتجنيب العين أذى أشعة الشمس الحارقة. وثمة طرق مختلفة يمكن بها مشاهدة كسوف الشمس، من دون الحاجة للنظر إلى الشمس مباشرة، كطريقة الإسقاط والعكس عن مرآة والنظر عبر القُمرة المظلمة.

علوم الفلك.. مطية التقدم العلمي والتقني المعاصر

مما لا شك فيه أن علوم الفضاء والفلك كان لها الفضل -بعد الله- في التقدم العلمي والتقني الهائل الذي نعيشه في أيامنا هذه، وهو من ثمار الحرب الباردة أو ما يعرف بحرب النجوم، فقد أدت إلى تطوير علم الاتصالات والإنترنت والأقمار الصناعية.

ولكن بعد سقوط النظام الشيوعي وانهدام منظومته وتفكك ما عُرف سابقا بالاتحاد السوفياتي، لم تعد تكنولوجيا الفضاء مقصورة على العسكر، بل أتيحت لعموم الناس، فظهر الإنترنت وتطبيقاته، والأقمار الصناعية الخاصة بالاتصالات والجغرافيا والخرائط وغيرها من التطبيقات.

طرق مختلفة للاستمتاع برؤية كسوف الشمس دون النظر إليها وأذية العين

ولهذا فقد رأينا –في فترة ما- انتشار الصحون الفضائية التي تلتقط البث الفضائي من الأقمار الصناعية، فتعددت الفضائيات، وانفتح العالم على بعضه ليصبح قرية صغيرة، ولا سيما بعد تفعيل الاتصالات الهاتفية الخلوية ووسائط الاتصال الاجتماعي المتعددة.

وفي ذات الوقت، سهلت الأقمار الصناعية دراسة الموارد الطبيعية، والتبليغ عن الكوارث قبل وقوعها كالفيضانات والأعاصير، فهي التي تصور المواقع العسكرية والمواقع الطبيعية على السواء، وما تطبيق خرائط (غوغل إيرث وغوغل ماب وغيرهما) إلا واحدا من الإنجازات المتقدمة لعلوم الفضاء.

محطة الفضاء الدولية قمر صناعي ضخم تقام على متنه بحوث لخير البشرية ومستقبلها

وبتسارع عظيم تغير وجه التاريخ، حتى أن أشكال الهواتف المحمولة سيتغير، فبعد أن كان متصلا ببرج اتصال، سيصبح بعضه متصلا بالقمر الصناعي مباشرة (أقمار إيلون ماسك)، ثم نراه الآن جهاز حاسوب بقدر حجم الكف، ويعمل باللمس، وربما بالإشارة فقط.

إذن، فقد ساهم علم الفلك والفضاء في تسهيل حياة الناس وأصبح كثير من تطبيقاته في متناول الجميع، وبأسعار معقولة جدا.

أسئلة الوجود.. أهداف خفية يتنكر لها علماء الفلك

لماذا نـحن هنا، ومن أين أتينا، وكيف جاء هذا الكون، وإلام سينتهي؟ هي أسئلة يلح على طرحها العلماء كي يجدوا لها إجابات شافية، ومن أجل ذلك يطلقون مركبات الفضاء، وينفقون المليارات على البحوث في المراكز العلمية، وإن كانوا لا يصرحون بتلك الأهداف علانية، لأنهم منقسمون بين مؤمن وملحد وغير آبه بمعرفة الحقيقة.

وإذا كان البعض ما يزال لا يدرك هذا النهج، فإنها الحقيقة التي يماري فيها كثيرون ممن يؤمنون بقوة السبب وبضرورة تحكيم قوانين الفيزياء وإخضاع كل شيء إلى قوانين الفيزياء والقياس، بما فيها الخالق عز وجل.

المفكر والفيلسوف الأمريكي “روبرت جاسترو” وكتابه “الله والفلكيون” والذي يتنبأ فيه بخيبة أمل العلماء الملحدين

وبما أن الخالق تعالى لا يخضع للقياس (سبحانه)، فهو واضع النواميس، فإن بعضا من العلماء لا يزالون يؤمنون بوجوده، لكنهم يؤمنون بجزيئيات المادة ومكوناتها تحت الذرية كالنيوترينو والكواركات وغيرهما مما لا يمكن رؤيته، لأنه قابل للقياس، ويؤمنون بنظرية الأوتار الفائقة والأكوان المتوازية التي هي رياضيات بحتة لا دليل عليها، لأنها قابلة للتنبؤ فحسب.

وهو الأمر الذي جعل المفكر الفيزيائي الأمريكي “روبرت جاسترو” يقول في ختام كتابه “الله والفلكيون” (God and the Astronomers) مقولته المشهورة:

“إلى ذلك العالِم الذي عاش مؤمنا بقوة السبب، فإن القصة تنتهي كحلم سيئ، فقد عاش يرتقي جبالا من التجاهل (بوجود الخالق)، وها هو على وشك أن يرتقي أعلى صخرة في القمة، ليُحيّى من قبل ثلة من النظريين (المؤمنين)، الذين يجلسون هناك منذ قرون”.

“لم أجد حاجة لمثل هذه الفرضية”.. حوار حول الخالق

يُروى أن الرياضي الفرنسي المشهور “بيير لابلاس (1749- 1827) زار يوما “نابليون” وأهداه كتابه “ميكانيكا الأجرام السماوية” (Mécanique Céleste)، وكان أحدهم قد أخبر “نابليون” بأن الكتاب لا يحتوي على ذكر للخالق، وكان “نابليون” يحب طرح الاسئلة المحرجة، وأما “لابلاس” -فعلى الرغم من ليونته السياسية- فقد كان عنيدا في العلم ولا يُمارى، فجرت محاورة سريعة بينه وبين “نابليون”:

الرياضي الفرنسي لابلاس يبرّر لنابليون عدم ذكره لله في كتابه عن الفلك

نابليون: يقولون إنك كتبت هذا الكتاب الكبير عن نظام الكون، ولم تذكر الخالق، وكان “نيوتن” يعتقد بوجود الله في كل مكان.

لابلاس: صحيح يا سيدي، فأنا لم أجد حاجة لمثل هذه الفرضية.

فيا ويح أمه.. هل تراه وجدها؟