أجرام السماء.. مصابيح الدجى الراقصة في عباءة الليل

في السماء أجرام كثيرة يمكن أن ترى بالعين المجردة، وأحيانا بالوسائل البصرية ليلا في السماء، فإن حالفك الحظ وكنت في الصحراء أو في قرية بعيدا عن المدينة وأنوارها، فما عليك إلا أن تقتنص الفرصة وترفع رأسك إلى السماء، كي ترى من جميل منظر أجراما متلألئة تسطع في مشهد لا يراه أهل المدن إطلاقا، فقد حرمتهم المدنية هذا الحق، بسبب ما يسمى علميا التلوث الضوئي. قال تعالى: ﴿وَزَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَحِفْظًا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ﴾. سورة فصلت- الآية (12).

فلو سنحت لك فرصة التخييم في البر وربما ركوب البحر، أو نزول الصحراء في ليلة صيفية أو شتوية صحوة، فإنك ستتعرف على أنواع كثيرة من الأجرام التي سيبهرك منظرها، أو حركتها، وربما التقاؤها معا. فما هي تلك الأجرام التي يهوى هواة الفلك النظر إليها ولا تكلفهم سوى رفع رؤوسهم إلى السماء؟

القمر.. جار الأرض القريب وأنيسها الأبدي

القمر هو الجار الأقرب للأرض، فهو لا يبعد عنا إلا أقل من 400 ألف كيلومتر فقط. وكانت العرب تسميه وُدًّا من الوداد والأنس. وهو يرى غالبا في الليل، ويمكن أن يرى في النهار كذلك حين يكون الجزء المضاء منه هلالا سميكا أو حين يكون في طور أكبر، وذلك لسبب بسيط هو أن كمية الإضاءة التي يعكسها هذا الجزء من أشعة الشمس أقوى من ضوء النهار، ولذلك فإنه يكون مرئيا.

حين يكون القمر هلالا، يرى الجزء المعتم منه بسبب أشعة الشمس المرتدة عن الأرض والواصلة إليه

أما في أيام الهلال الأولى فإن الهلال الصغير لا يكون مرئيا إلا قرابة وقت الغروب حين يبدأ الظلال بالحلول وتخفت إضاءة النهار، وما يميز الهلال الجديد أننا يمكن أن نرى الجزء المظلم من النصف المقابل للأرض (مكمّل القرص الذي فيه الهلال)، ويعود سبب ذلك إلى ضوء الشمس المرتد إلى الأرض، فهو يضيء الجزء المظلم من قرص القمر.

والسؤال هنا هو: لماذا لا يضيء القمر الأرض كما تفعل الشمس؟

الجواب: لأنه لا يعكس كامل أشعة الشمس، بل يمتص منها ما نسبته 89%، ويعكس 11% من أشعتها فقط.

النجوم.. مصابيح السماء التي لا تنطفئ

النجوم هي تلك النقاط اللامعة المنتشرة هنا وهناك على صفحة السماء المظلمة، وكان القدماء يعتقدون أنها فتحات في السماء تطل على نار جهنم، لكننا بفضل التقدم العلمي بُعيد عام 1935 اكتشفنا بأن النجوم شموس بعيدة الآفاق، تأتي بوقودها من دمج ذرات الهيدروجين الذي يتحول إلى عنصر الهيليوم ومعه الطاقة على شكل ضوء وحرارة. وأقرب هذه النجوم إلينا على الإطلاق هو نجم الشمس الذي تدور حوله مع بقية أفراد عائلة المجموعة الشمسية.

النجوم المتلألئة.. زينة للسماء ومعالم الطريق للرحالة المسافرين

والنجوم في حقيقتها زينة للسماء، فحين ننظر إلى درب التبانة ليلا من مكان قروي أو صحراوي، فإننا سنرى نجوما لم نكن نراها من المدينة، تكتظ ضمن حيز يشكل طريقا دعته العرب درب التبانة أو نهر المجرة، وسببه تلك الأعداد الغفيرة من النجوم المصطفة خلف بعضها على قرص المجرة كما نراها ونـحن بداخلها.

بنات نعش الكبرى، أو الدب الأكبر.. دليل السماء إلى خريطة السماء

وقد نظرت الأقدمون إلى هذه النجوم فتخيلوها صورا على شكل أدوات أو حيوانات أو بشر، بما يحاكي بيئتهم في ذلك الزمان، فظهر برج العقرب والدب والسرطان والعذراء والجبار والإكليل والناقة والكلب، وغيرها من أسماء وأشكال موجودة في البيئة آنذاك.

عبر الزمان، رأى البشر النجوم فتخيلوها أشكالا وسمّوها بحسب بيئتهم

وللنجوم ألوان تختلف باختلاف درجة حرارة سطوحها، فالشمس صفراء بسبب درجة الحرارة التي لا تزيد عن 6000 درجة، في حين أن هناك نجوما زرقاء تفوق حرارة أسطحها 30 ألف درجة. وأما أبرد النجوم فهي الحمراء، إذ تبلغ درجة حرارة سطوحها أقل من 3000 درجة.

الكواكب.. زينة السماء الراقصة حول الشمس

تتميز الكواكب عن النجوم بثلاث خصائص، هي:

  • أنها تتحرك بين النجوم الثابتة، ولهذا فهناك كواكب ثابتة هي النجوم، وكواكب متحيرة هي الكواكب، وذلك كما عرفتها الحضارات القديمة.
  • أنها تشع بنور ثابت، في حين أن النجم يشع بنور خفاق يبدو أنه يضيء ويخفت في كل لحظة (البريق)، وسبب ذلك هو رؤيتنا له من على سطح الأرض داخل الغلاف الجوي، ولو أننا تعديناه لانتفى التلألؤ تماما.
  • وباستخدام الوسائل الرصدية كالتلسكوب، فإن الكوكب يرى قرصا، أما النجم فيظل نقطة، لكنها تبدو أشد ضياء عما هي عليه بالعين المجردة.
المنظر الأجمل في السماء.. لقاء الهلال بالزهرة وأحيانا بالمشتري ألمع كوكبين

يمكن للكواكب أن ترى بالعين المجردة، ولا سيما الكواكب المشهورة، وهي عطارد والزهرة والمريخ والمشتري وزحل. وقد حظيت أيام الأسبوع عند بعض الأمم بأسماء بعض الكواكب والشمس والقمر، فكانت كما يلي:

  • الأحد (يوم الشمس)، “صنداي” (Sunday).
  • الاثنين (يوم القمر)، “منداي” (Monday) أو لوندي (Lundi).
  • الثلاثاء (يوم المريخ)، “ماردي” (Mardi).
  • الأربعاء (يوم عطارد)، “ميركريدي” (Mercredi).
  • الخميس (يوم المشتري)، “جودي” (Jeudi).
  • الجمعة (يوم الزهرة)، “فاندريدي” (Vendredi).
  • السبت (يوم زحل)، “سامدي” (Samedi).

فقد لاحظ القدماء أن الأجرام الخمسة -إضافة إلى الشمس والقمر- هي الأجرام الوحيدة التي تتحرك في السماء، في حين تبقى البقية ثابتة لا تبرح أماكنها. وحيث إن النجوم والكواكب أماكن علية في السماء، فقد اعتقدت بعض الحضارات القديمة بأن الكواكب المتحركة تتقمص روح الآلهة، وظن آخرون أنها الآلهة ذاتها، والطريق الذي تسير فيه طريق مقدس، ويُعرف منه بعض أخبار الآلهة التي تتحدث عن حياة البشر.

الكواكب والشمس والقمر هي أسماء لأيام الأسبوع في بعض اللغات العالمية

وبهذا نشأ التنجيم الذي يؤمن بأن للنجوم والكواكب أثرا على حياة الناس، أو يمكن التنبؤ ببعض أخبار المستقبل إن نـحن عرفنا أحوال هذه الكواكب. على أية حال، فقد كان للكواكب شأن عظيم عند المنجمين ولا يزال.

وألمع الأجرام السماوية على الإطلاق -بعد الشمس والقمر- هو كوكب الزهرة، وغالبا ما يُرى مساء وفي بعض الأحيان صباحا، وأحيانا إلى جانب القمر أو قريبا منه. ولذلك فقد أطلق عليه القدماء لقب نجم الصبح أو نجم المساء، وعرفته العرب بالعزى، وهي مؤنث الأعز.

عطارد والزهرة والمريخ والمشتري وزحل، كواكب تشاهد بالعين المجردة عبر الأزمان

ويُرى كوكب المشتري لامعا كذلك، ثم المريخ وزحل وعطارد، وكلها ترى بالعين المجردة. وقد حدث في عام 2000 أن اصطفت هذه الكواكب الخمسة على خط واحد بعيد غروب الشمس، في حادثة نادرة جدا لا تتكرر إلا كل بضعة عقود من الزمن، وكانت مرئية جميعا بالعين المجردة.

الأقمار الصناعية.. كواكب صغيرة تسبح على أطراف الأرض

تتحرك في سماء أول الليل أو آخره (العشاء والفجر) نقاط مضيئة يظنها الناظر -للوهلة الأولى- نجوما أو طائرات بعيدة، لكنها في الحقيقة أقمار صناعية تدور حول الأرض في مدارات منخفضة نسبيا على ارتفاعات من سطح الأرض تتراوح بين حوالي 200–1000 كيلومتر. ولذلك فإنها تُرى سريعة الحركة، وأكثرها يتم دورته حول الأرض في زمن قدره 90–105 دقائق فقط، وهذا يعني أنه يسير بسرعة كبيرة جدا تتراوح بين 23500–29000 كيلومتر في الساعة.

أنواع مختلفة للأقمار الصناعية، تشترك جميعا بأنها تدور حول الأرض

وتتميز الأقمار الصناعية بأنها لا ترى إلا بُعيد الغروب مدة ساعتين على الأكثر، وقبيل الشروق مدة ساعتين كذلك، وذلك لأن أشعة الشمس تنعكس عن ألواحها الشمسية، فإذا ما دخل الليل غرقت هذه الأجرام في ظل الأرض المنتشر في الفضاء، فلا تعود تعكس أشعة الشمس، وأما ما يمكن أن يرى ليلا بنفس المواصفات، فإنه سيكون طائرة على الأغلب.

كما أن لون القمر الصناعي أبيض، ولا تُرى له ألوان أخرى كما يُرى للطائرة التي تضيء بألوان مختلفة أحيانا. وللقمر الصناعي كذلك ضوء ثابت على الأغلب، وفي حالات نادرة يرى ضوؤه الأبيض متقطعا ولكن على فترات طويلة، ثم ما يلبث أن يخفت حين يدخل في منطقة ظل الأرض في الفضاء، ولا يمكث في السماء طويلا كما تفعل الطائرة، أما الطائرة فهي تضيء وتطفئ في كل لحظة وعلى الدوام. وأخيرا، فإن القمر الصناعي لا يصدر صوتا كما تفعل الطائرة وإن كانت بعيدة جدا.

محطة الفضاء الدولية، قمر صناعي كبير يدور حول الأرض على ارتفاع 400 كيلومتر

وينتمي إلى الأقمار التي ترى بالعين المجردة مساء أو فجرا جميع أقمار الاستشعار عن بعد، وأقمار التجسس العسكرية وتلسكوب الفضاء هابل ومحطة الفضاء الدولية وغيرها من الأقمار ذات الوظائف المتعددة.

وغالبا ما يرى هذا النوع متحركا إما شمالا أو جنوبا، لأنها أقمار قطبية. ومما ينبغي ذكره أن محطة الفضاء الدولية (ISS) قد أصبحت تفوق بعض الأحيان كوكب الزهرة لمعانا، بعد أن زُوّدت بألواح شمسية إضافية في عام 2012.

برمجيات فلكية (موبايلية) تعطي مواعيد ظهور الأقمار الصناعية في السماء واتجاه حركتها

وتتوفر في الإنترنت بعض البرمجيات الفلكية المجانية التي تحسب مواعيد مرور كل قمر صناعي واسمه ولمعانه، بحسب موقع الراصد على الكرة الأرضية.

وهناك نوع آخر من الأقمار الصناعية، هي الأقمار المتزامنة مع حركة الأرض (Geostationary)، وهي أقمار تتم دورتها حول الأرض في نفس مدة دوران الأرض حول نفسها، وهي أقمار الاتصالات والبث التلفزيوني وأقمار الطقس والحالة الجوية.

القمر الصناعي المتزامن، قمر يدور حول الأرض مرة كل يوم، فيظهر وكأنه واقف بين نجوم السماء

ولهذا فإن الصحن الهوائي -أو ما يعرف بالدش- يوجه دائما باتجاه واحد، هو اتجاه هذه الأقمار الصناعية الثابتة، مثل سهيل سات وعرب سات ونايل سات وهوت بيرد وغيرها، إضافة إلى أقمار إندسات وأقمار الطقس الكثيرة. وجميعها لا ترى بالعين المجردة، وتحتاج إلى تقنية التصوير الطويل مع تلسكوب لرصدها.

وتوجد لرصد هذه الأقمار الصناعية برمجيات وتطبيقات هاتفية وحاسوبية تعطي مواعيد ظهورها في السماء، وعلى الراصد أن يعلم ثلاث معلومات فقط هي: وقت الظهور، وارتفاع القمر الصناعي عن الأفق، والزاوية السمتية له، أي اتجاهه.

الكويكبات.. جبال تائهة في السماء قد تهدد الأرض

الكويكبات هي أجرام صخرية تدور في حزام بين كوكبي المريخ والمشتري، ويبلغ تعدادها مئات الألوف أو أكثر، منها الصغير كالحجارة، ومنها الكبير كالجبال، وربما بلغ قطر بعضها عدة مئات من الكيلومترات، مثل كويكب سيريس (Ceres) الذي يعد أكبر هذه الكويكبات، ويبلغ قطره 940 كم، وقد صُنف عام 2006 واحدا من الكواكب القزمة.

في المجموعة الشمسية حزامان كوكبيان، واحد بين المريخ والمشتري، والآخر وراء كوكب نبتون

وهناك حزام كويكبات آخر موجود بعد مدار كوكب نبتون يدعى حزام “كايبر”، يمتد إلى حدود المجموعة الشمسية، ليتصل بما يعرف بسحابة “أورت” التي يرى العلماء بأن جميع المذنبات تأتي منها.

وتعد دراسة الكويكبات إحدى الدراسات المهمة، إذ إن فلتان كويكب من مداره واقترابه من الأرض سيشكل خطرا كبيرا على الأرض، فاصطدام أي جرم منها يمكن أن يؤدي إلى دمار كبير على الأرض، وإذا ما زاد قطر الكويكب عن عشرة كيلومترات، فإن الدمار الذي سيلحقه بالأرض سيكون دمارا شاملا يتسبب بإبادة الحياة عليها.

الكويكبات (التائهة) يمكن أن تكون خطرا محدقا على الأرض

من أجل ذلك وضع العلماء أكثر من برنامج مراقبة للأجسام المقتربة من الأرض لدراسة احتمال اصطدامها بها وتجنب حدوث ذلك ما أمكن، وهي عبارة عن تلسكوبات مسح شامل للسماء مرة كل بضعة أيام، لرؤية ما يتحرك فيها من أجرام غير الكواكب، من أجل حساب مداراتها واتجاه حركتها.

المذنبات.. راقصات خفيفة الظل تتباهى بجر ذيولها

المذنبات هي جبال من الصخر والجليد والتراب، غير منتظمة الشكل في غالبها، يبلغ قطر الواحد منها عدة كيلومترات، لكنها لا تزيد عادة عن 20 كيلومترا. وتدور في مدارات شديدة التفلطح، إذ تبتعد مسافات طويلة، ثم تقترب مسافة كافية من الشمس، في فترات تتراوح بين بضع سنين وألوف السنين، بحسب مدار المذنب.

في عام 1997، ظهر في سماء الأرض مذنب لمع لأكثر من شهر وشوهد جليا من المدينة

وحين يقترب المذنب من الشمس تأخذ غازاته بالتسامي (التحول من الحالة الصلبة إلى الغازية دون المرور بالحالة السائلة)، فتتكون حوله هالة كبيرة يبلغ قطرها في بعض الأحيان مليون كيلومتر، ثم مع اقتراب المذنب أكثر فأكثر من الشمس يبدأ الذيل بالتشكل، ليمتد خلف المذنب لعدة ملايين من الكيلومترات، حاملا معه الكثير من الغازات والأتربة المتفلّتة عن سطح المذنب، وهي ستبقى سابحة في الفضاء حتى بعد ابتعاد المذنب وعودته في مداره إلى العالم السحيق.

للمذنب مدار شديد التفلطح، وحين يقترب المذنب من الشمس، يظهر ذيله

وأما سبب تشكل ذيل المذنب فهو عائد إلى الرياح الشمسية التي تعمل على طرد مخلفات المذنب في اتجاه مخالف لاتجاه الشمس. ويمكن أن يرى للمذنب ذيلان، أحدهما غباري أبيض يُرى عادة مائلا بسبب حركة المذنب حول الشمس، وآخر غازي أزرق سببه الأيونات المرتبطة بالمجال الشمسي المغناطيسي، ولهذا يرى مستقيما.

الشهب.. حفلة الألعاب النارية في الغلاف الجوي

تعد الشهب في أغلب أحوالها من مخلفات المذنبات، فهي حُبيبات ترابية لا تزيد قطرا عن حبة الحمص أو الفاصولياء في أحسن أحوالها، لكنها في وضعها الطبيعي لا تزيد عن حبيبة التراب الصغيرة السابحة في الفضاء في نفس مدار المذنب.

الشهب حبيبات تراب تدخل الغلاف الجوي فتتفاعل مع عناصره بألوان وأحجام وسرعات مختلفة

وحين تلتقي بالأرض وتدخل غلافها الجوي، يعمل الاحتكاك بينها وبين جزئيات الهواء -بسبب سرعتها العظيمة- إلى تأيين الهواء فيظهر الخيط الضوئي المسمى الشهاب.

ومجازا، يمكن القول إن حُبيبة التراب “تحترق” أثناء دخولها الغلاف الجوي، فترينا هذا الضوء الخيطي اللامع، وإذا ما زاد حجم الحبيبة إلى حبة العدس أو حبة الحمص، فيدعى الشهاب وقتئذ بالكرة النارية. والشهب ظاهرة جوية بحتة لا تحدث إلا بدخول حبيبات التراب إلى الغلاف الجوي.

حين تمر الأرض بمدار مذنب راحل، تدخل مخلفات ذلك المذنب غلافنا الجوي على شكل زخات شهب

يمكن للشهب أن تدخل من أي مكان وفي أي اتجاه ووقت، فجميعها تحترق عاليا في الجو دون أن يصل منها إلى الأرض سوى الرماد الذي لا يرى، وتدخل أجواء الأرض في كل يوم عشرات ألوف الشهب التي غالبا لا ترى، لأنها إما أن تدخل فوق البحار، أو تدخل في النهار. ويشترط لرؤية الشهاب أن يكون الراصد ناظرا إلى السماء، إذ الشهاب سريع الظهور والاختفاء ولا يمكث طويلا.

زخات شهب شهيرة تتسبب بها بقايا مذنبات زارت الأرض، يمكن رصدها في مواعيد محددة كل سنة

وفي أيام محددة من السنة، تُرى الشهب على شكل زخات، إذ تتقاطع الأرض يومها مع مخلفات أحد المذنبات التي دارت يوما حول الشمس، فتدخل عشرات الشهب وربما المئات منها في بضع ساعات، وهذه الزخات معلومة الأوقات، ومن أشهرها زخة شهب البرشاويات نسبة إلى كوكبة برشاوس، والتوأميات نسبة إلى التوأمين، والأسديات نسبة إلى الأسد، وغيرها من الزخات.

النيازك.. خطر سماوي يقتحم أسوار الكوكب

القطع -أو الكِسَف- التي تدخل الغلاف الجوي من السماء ولا تحترق احتراقا كليا على شكل شهب، بل تصل إلى الأرض وترتطم بها؛ تدعى نيازك. وهي على أشكال كالمعادن والحجارة والخلائط، ولا تسقط في غالب الأحيان على الأماكن المأهولة إلا أن يشاء الله، وهي حالات نادرة جدا في التاريخ.

وتكمن أهمية النيازك في أنها تحمل بصمات الخلق خارج الأرض، لذا فإنه من الممكن أن نتعرف منها على شيء من دلائل الخلق الأولى.

في عام 2013، دخل سماء روسيا نيزك كبير شوهد من أماكن كثيرة، ووقع في الجليد بعيدا عن البشر

ويعتقد بعض العلماء المسلمين بأن الحجارة التي أسقطت على قوم سيدنا لوط كانت نيازك مشتعلة سقطت في أخطر وقت تتقاطع فيه الأرض مع الفضاء وهو وقت الشروق، كما هي نتائج الأرصاد العلمية لزخات الشهب وشدتها. وهو نفس النص القرآني الذي وصف دخول الحجارة فوق القرى المعذبة على شكل مطر وقت الشروق، لكن الشيء المهم في ذلك أنها دخلت بإذن الله. قال تعالى: ﴿وَيُمْسِكُ السَّمَاءَ أَن تَقَعَ عَلَى الْأَرْضِ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾. سورة الحج، الآية (65). إذ الأرض محفوظة، فلم يسجل التاريخ المأهول كارثة على البشر بسبب نيزك أو مذنب.

السدم والمجرات.. أنهار وزخارف مضيئة تزين عباءة الليل

في ليلة صافية غاب فيها القمر بعيدا عن المدينة، تظهر مجرة درب التبانة على شكل نهر يقطع السماء، وكما أسلفنا فإن المجرة هي نجوم مكتظة تتراص خلف بعضها، لكن كثرتها وبعدها قد طمس بعضه ضوء بعض، لذا ترى كسحابة باهتة في السماء.

السدم غازات باردة تملأ الكون، وهي محاضن ولادة النجوم، وبقاياها التي تخلّفها بعد انتهاء أعمارها

ولكن، لو دققنا النظر في هذه السحابة فإننا سنرى بعض مواضعها لامعا على شكل لطخات سحابية، هي في حقيقتها إما عنقود من النجوم، أو تكتل غازات يعرف بالسديم، والسديم هو موضع تولّد النجوم أو هو بقايا انفجاراتها.

وفي بعض الأحيان يمكن أن نرى مجرة الصوفي، أو ما يعرف بمجرة المرأة المسلسلة (الأندروميدا)، وتظهر على شكل لطخة سحابية قرب نجوم مربع الفرس الأعظم في فصل الخريف. أما المنظر الحقيقي لها فإنها مجرة تفوق مجرتنا عظما وعدد نجوم، لكنها تبعد حوالي 2.5 مليون سنة ضوئية، أي أن الضوء الذي نراه لها اليوم قد صدر منها قبل 2.5 مليون سنة، فنحن بذلك ننظر إلى ماضيها السحيق، حتى قبل مجيء الإنسان إلى الأرض بهذا القدر من الزمان إلا قليلا.

في ليلة صحوة ومعتمة خارج المدينة، تظهر مجرة درب التبانة كغيم يقطع السماء، أو كنهر يجري بين النجوم

ويمكن لسكان الجزء الجنوبي من الكرة الأرضية أن يشاهدوا سحابتين أخريين تدعيان سحابتي “ماجلان” الكبرى والصغرى، وهما لا تشاهدان من البلدان العربية ولا أوروبا أو أمريكا لانخفاضهما تحت الأفق الجنوبي بالنسبة لنا.

وإذا ما أتيحت لنا فرصة النظر إلى هذه السدم أو تلك المجرات بواسطة أدوات الرصد الفلكي كالمنظار والتلسكوب، فإننا سنرى عجبا وجمالا أخاذا وضعه الله تعالى في خلقه الآخر من غير البشر وخارج الأرض.