الدورة القمرية.. تأثيرات مصباح السماء على أجساد الكائنات الحية

من موروث الحكايات الشعبية التي سادت في القرون الوسطى في أوروبا، أنّ أناسا كانوا ينفردون بأنفسهم على قمم الجبال، فتدفعهم -إما لعنة ما أو بمحض إرادتهم- إلى التحوّل من هيئتهم البشرية إلى أجساد ذئاب، وقد أطلق عليهم لقب “المستذئبين” كما هي التسمية الشائعة.

ووفقا للأسطورة، فإنّ التحوّل يحدث في يوم الانقلاب الشتوي المعروف بـ”عيد منتصف الشتاء”، إذ يصادف أقصر مدة للنهار وأطول مدة لليل خلال العام، أو يحدث في الحالات الأكثر شيوعا، وهي عندما تكتمل مرحلة نمو القمر ويصبح بدرا في السماء، أي في منتصف الشهر القمري. وما إن يقترب موعد اكتمال القمر حتى تقرع أجراس الإنذار، ليترقّب البسطاء قدوم المستذئبين من سفوح الجبال بحثا عن طعامهم وضحاياهم.

في الأساطير، ينقلب بعض الرجال ذئابا حين يصبح القمر بدرا يوم الانقلاب الشتوي

ومع أسطورة المستذئبين باطلة لا تقوم عليها أي أدلة أو شواهد، فإن سردية هذا الموروث الشعبي تقف وراءها حقيقة يؤمن العلماء بأصل وجودها، وهو وجود اضطراب عقلي يُدعى “لايكانثروبي” (Lycanthropy)، وهو أن يتصور المصاب نفسَه ذئبا أو أيّ كائن حي آخر غير البشر، فيحاكي المريض سلوك الحيوانات دون الاضطرار إلى التحوّل جسديا.1

الجنون القمري.. سلوك عدواني ليلة يكتمل البدر

وعلى مدار عقود وقرون طويلة، لا سيما في القرن الخامس عشر، كانت دراسة تأثير القمر على سلوك الإنسان محلّ اهتمام العلماء والباحثين القدامى.

فقد شوهِد أو تراءى للأقدمين بأنّ ثمّة علاقة وطيدة بين أطوار القمر والسلوك العدواني لدى البشر، في أنه يشتد أو ينخفض اعتمادا على منزلة القمر. ومما يدل على ذلك كلمة “لوناسي” (Lunacy) المشتقة من اللفظ اللاتيني للقمر (Luna)، وتعني بالإنجليزية “الجنون”، كما هو في اللغة الدارجة اليوم.

القدماء اعتقدوا بأن ثمّة علاقة وطيدة بين أطوار القمر والسلوك العدواني لدى البشر

وفي التاريخ الحديث، ومع النفي القاطع من قبل المجتمع العلمي بما يتعلّق بتأثير الأجرام السماوية على كوكب الأرض وحياة الكائنات الحية، يرى ثلّة من العلماء بأنّ ثمة تأثيرا مباشرا من حركة القمر المستمرة على سلوك وحالة المخلوقات الحية.

والأمر يشبه تأثير جاذبية القمر على المحيطات والبحار الموجودة على الأرض في ظاهرتي المد والجزر، إذ يحدث انخفاض وارتفاع مؤقت تدرجي في منسوب المياه، وفقا لموقع القمر من الأرض خلال اليوم.

“المد والجزر البيولوجي”.. تأثيرات القمر على سوائل الإنسان

مع إدراكنا بأنّ السوائل تشكّل النسبة الأكبر في جسم الكائن الحي، يرى مجموعة من العلماء بأنّ ثمة علاقة مشابهة لعلاقة القمر بالمحيطات، ويمكن البناء عليها في دراسة أثر القمر على الجانب الصحي والعقلي، وربّما أثره على قدرة البشر على التكاثر والإنجاب كذلك.

يلعب القمر دورا كبيرا في حياة بعض الكائنات البحرية خاصة، إذ تضع بيوضها وقت المد

وقد كان طبيب الأمراض العقلية “أرنولد ليبر” أوّل من استحدث مصطلح “المد والجزر البيولوجي”، ليقرن بين تأثير جاذبية القمر على البحار والإنسان على حد سواء، لكن هذا الادعاء لم تثبت صحته، لأن كمية السوائل في جسم الإنسان أقل كتلة من أن تتأثر بجاذبية القمر، ناهيك عن أن الدورة الدموية وعملية ضخ الدم أقوى مئات المرات من تأثير أي جاذبية على الدم.

ولا بد من الإشارة إلى أنّ مدار القمر حاله كحال معظم مدارات الأجرام السماوية، إذ يكون بيضاوي الشكل بدلا من أن يكون دائريا. وهذا يعني أنّ للقمر نقطتين؛ نقطة الحضيض ويكون فيها القمر أقرب إلى الأرض، وفيها يصل تأثير جاذبية القمر ذروته، والعكس صحيح حينما يصل إلى نقطة الأوج، حيث يكون فيها القمر عند أبعد مسافة عن الأرض.

وقياسا على ما سبق من معطيات يدرس الباحثون مدى التأثير الموجود على الإنسان، وصحة الادعاءات التي تتناول هذا الأثر.

اقتراب القمر.. حدث يدفع الرجال إلى الجنون

في المسرحية التراجيدية الشهيرة “عطيل” (Othello)، يذكر الأديب الإنجليزي “ويليام شكسبير” بأنّ الخادمة “إميليا” قدمت إلى بطل المسرحية “عطيل”، وأخبرته بأنّ القمر قد اقترب ودنا كثيرا من الأرض، وأنّ ذلك دفع الرجال إلى الجنون.

ولا ريب في أنّ شكسبير كان يتحدث بلسان المعتقدات السائدة حينئذ، لكنّ الواقع والفحص المخبري الحديث لم يثبت حتى الآن وجود علاقة واضحة بين الجنون والقمر، ففي عام 1985 أظهر تحليل تلوي (Meta-analysis) غياب أيّ أدلة على وجود علاقة بين أطوار القمر وأيام التقديم إلى المصحات العقلية.2

في مسرحية “عطيل” لشكسبير، يتسبب القمر البدر في جنون بطل المسرحية

وفي 2019 أُجريت دراسة على قرابة 18 ألف شخص سعوا إلى الحصول على رعاية صحية عقلية في إحدى المستشفيات السويسرية، ولم تظهر النتائج أيّ علاقة تجمع بين موعد التقديم ومرحلة التعافي والخروج من المستشفى، وبين رزنامة الشهر القمري.3

ولكن في 2018 أجريت دراسة على عينة صغيرة من المرضى المصابين باضطراب ثنائي القطب من مجموعة تتكوّن من 17 مريضا، وقد لاحظ الباحثون بأنّ التقلبات المزاجية السريعة في الاكتئاب لم تكن تتخذ نمطا عشوائيا، بل كانت على تزامن واضح مع الدورة القمرية.

ومع أن الباحثين عاجزون عن الوصول إلى إجابات مقنعة في هذه الدراسة، فإنّهم يرجحون السبب أنه ناجم عن اضطراب في إيقاع الساعة البيولوجية واختلال في برنامج النوم والاستيقاظ.4

الساعة البيولوجية.. عوامل داخلية وخارجية تصنع المزاج

تشير دراسة صدرت عام 2017 إلى أنّ نحو 80% من أطباء ومعالجي الأمراض العقلية يؤمنون بأنّ علاقة ما تجمع بين الأمراض البشرية واكتمال القمر، ويبدو أنّ هذه الشريحة الكبيرة لا تستند على أرضية صلبة، مع وجود بعض الدوافع والأدلة العينية.5

فما ندركه عن الكائنات الحيّة هو أنّ لها دورات بيولوجية طبيعية تساعدها على تنظيم حياتها، فمنها الساعة البيولوجية التي تساهم في تنظيم ساعات النوم والاستيقاظ خلال اليوم، وكذلك الدورة الشهرية لدى الإناث، ودورة الاضطرابات العاطفية الموسمية “ساد” (SAD).

ترتبط الساعة البيولوجية بمادة الميلاتونين التي تُفرز في الليل دون النهار

وجميع تلك الدورات تساهم فيها عوامل داخلية وخارجية، منها الساعة البيولوجية التي تخضع لمتغيرات كثيرة، من أهمها البيئة النشطة ليلا، فوجود الإضاءة الصناعية أو ضوء القمر الساطع يؤثر سلبا على جدولة ساعات النوم.

ويتضح ذلك في دراسة أجريت عام 2021 على مجموعة من سكان الريف في الأرجنتين، وعلى مجموعة أخرى من طلاب جامعيين في أمريكا، وبصرف النظر عن الموقع الجغرافي ومدى توفر الكهرباء، فقد لوحظ بأنّ جميع المشاركين كانوا يصرفون وقتا أقل في النوم في الأيام التي تسبق اكتمال القمر.

وقد علل الباحثون ذلك بأنّه دليل على أن البشر لديهم تكيّف فطري ناشئ من أسلافهم الذين كانوا ينشطون في الليل، عندما تتوفّر إضاءة طبيعية قادمة من القمر، وذلك يؤثر ذلك على موعد الخلود إلى النوم.6

وثمة دراسة أخرى تعود إلى 2013 خلص الباحثون فيها إلى أنه بحلول ليلة البدر يقضي الناس وقتا أقل بنسبة 30% في النوم العميق (NREM)، وينامون مدة 20 دقيقة أقل مما هم معتادون عليه في الأيام الأخرى، وترتبط هذه التقلبات على نحو مثير بانخفاض مستويات هرمون الميلاتونين.7

ويعد الميلاتونين أحد الهرمونات التي تطلق بشكل طبيعي في الليل، لتهدئة الجسم وتهيئته للنوم، وعندما ترتفع مستويات الميلاتونين ينخفض السيروتونين، وهو هرمون الشعور بالسعادة، ويلعب دورا أساسيا في التحكم في المزاج والحالة النفسية.

تأثر وظيفة القلب والأوعية الدموية.. زيادة الكفاءة البدنية

يمثّل الماء ما يتراوح بين 55-78% من جسم الإنسان، وكما أسلفنا سابقا فإنّ بعض الباحثين يرون أنّ ثمة تشابها بين تأثير جاذبية القمر على المحيطات والبحار وعلى الموائع داخل جسم الإنسان، وتظهر دراسة أجريت عام 2013 أنّ باحثين قاموا بقياس أنظمة القلب والأوعية الدموية لمجموعة من الطلاب خلال دورة القمر، فوجدوا أن ضغط الدم قد انخفض بنحو 5 ملم زئبقي خلال طوري الهلال والبدر.

هل يرتفع ضعط دم الإنسان يوم اكتمال القمر بدرا؟

وقد أظهرت الدراسة بأنّ معدل ضربات القلب وضغط الدم تصل إلى أقل المستويات عند اكتمال القمر وعند ليلة ولادته، كما لاحظ الباحثون بأنّ معدلات ضربات القلب كانت تعود إلى مستوياتها الطبيعية بشكل أسرع بعد هذه الفترة مقارنة بأيّ فترة أخرى. وقد خلصت الدراسة إلى أنّ تأثير جاذبية القمر على الجهاز القلبي الوعائي كان جليّا، وبسبب هذه التغيرات، تزيد الكفاءة البدنية للبشر.8

في حين تُناقض دراساتٌ أخرى وجودَ علاقة واضحة، بعد دراسة أجسام رياضيين في أثناء أدائهم النشاط الرياضي، فلم تستخلص الدراسة وجود فوارق واضحة خلال الفترة الزمنية لأطوار القمر.

تزايد الولادة ليلة اكتمال القمر.. دراسة على الإنسان

تنسجم حياة بعض الكائنات الحيّة في نشاطها وطقوسها الغذائية وهجرتها وتكاثرها مع دورة القمر الشهرية البالغة نحو 27 يوما، وهي الفترة الزمنية التي يتم فيها القمر دورة كاملة حول الأرض. وتشير الأبحاث إلى أن عددا من الأسماك والحيوانات المائية تعد نمط حياتها بالتناسق مع الدورة القمرية، فعلى سبيل المثال فإن دورة الإنجاب لدى الشعاب المرجانية الاستوائية تحدث أثناء ليالي اكتمال القمر، وكذا الأمر بالنسبة للديدان الحلقية.

أنواع كثيرة من الكائنات البحرية تعتمد في تكاثرها على وقت المد والجزر

وحينما أراد الباحثون إسقاط هذه الشواهد على الإنسان، وجدوا صعوبة كبيرة في إيجاد نمط حقيقي مرتبط بدورة القمر، لكنّ دراسة أجريت عام 2021 لمجموعة بيانات كبيرة شملت 38.7 مليون ولادة في فرنسا، وجدت أنّ ثمّة اختلافات ضئيلة، ولكنها مهمة في أنماط المواليد المتعلقة بمراحل تكوّن القمر، إذ تزداد حالات الولادة خلال ليلة اكتمال القمر، وهو ما يتماشى مع المعتقدات والموروثات الشعبية، من دون معرفة الأسباب الحقيقية.9

إنّ التناقض الحاصل فيما يتعلّق بتأثير القمر على سلوك البشر والكائنات الحيّة ما زال محيّرا حتى اليوم، سواء كان ذلك التأثير ناجما عن تغيّر جاذبية القمر، أو ناجما عن سطوعه واختلاف أطواره على مدار الشهر، فكثير من الأدلة والأبحاث يناقض بعضها بعضا، مع حاجة ملحة إلى إجراء المزيد من الدراسات التي ستساهم بلا شك في معرفة مسببات بعض السلوكيات والأنشطة، وربّما فهم أسباب اختلال النوم وغيره من المشاكل الصحية.

 

المصادر:

[1] محررو الموقع (التاريخ غير معروف). اللايكانثروبي. الاسترداد من: https://www.britannica.com/science/lycanthropy

[2] ج.، روتن وآخرون (1985) ورقة بحثية: الكثير من اللغط حول اكتمال القمر: تحليل تلوي لأبحاث جنون القمر. الاسترداد من: https://psycnet.apa.org/record/1985-19152-001

[3] غوبتا، راهول (2019). ورقة بحثية: هل هو القمر؟ آثار الدورة القمرية على الإقبال على مصحات الأمراض العقلية والمغادرة ومدة الإقامة. الاسترداد من: https://smw.ch/index.php/smw/article/view/2616

[4] ويهر، تا (2018). ورقة بحثية: دورات المزاج ثنائي القطب ودورات المد والجزر القمرية. الاسترداد من: https://www.ncbi.nlm.nih.gov/pmc/articles/PMC5524624/

[5] فرانسيس، عمر وآخرون (2017). العروض النفسية خلال جميع المراحل الأربع من الدورة القمرية. الاسترداد من: https://pubmed.ncbi.nlm.nih.gov/28841578/

[6] كاسيراغي، لياندرو وآخرون (2021). نوم مع القمر: تزامن نوم الإنسان مع دورة القمر في ظل الظروف الميدانية. الاسترداد من: https://www.science.org/doi/10.1126/sciadv.abe0465

[7] كاجوشين، كريستيان (2013). دليل على أن الدورة القمرية تؤثر على نوم الإنسان. الاسترداد من: https://pubmed.ncbi.nlm.nih.gov/23891110/

[8] تشاكرابورتي، أوجوال، وغوش، توشاركانتي (2013). دراسة مؤشر اللياقة البدنية ومعدل ضربات القلب وضغط الدم في مراحل مختلفة من الشهر القمري على البشر الذكور. الاسترداد من: https://pubmed.ncbi.nlm.nih.gov/23161271/

[9] شامبات، فريديريك (2021). حالات ولادة أكثر في ليلة اكتمال القمر. الاسترداد من: https://comptes-rendus.academie-sciences.fr/mathematique/item/CRMATH_2021__359_7_805_0/