صناعات الفضاء.. هدايا من السماء تنير المصانع والمختبرات والحياة اليومية

منذ فجر اكتشاف الفضاء في منتصف القرن العشرين، وضع الإنسان كامل ثقله في الكشف عن خبايا الكون، وما توارى خلف ستار الغلاف الجوي للأرض، أملا في العثور على ما يطفئ نار فضوله التي لا تخمد، فلم تتوقف الدراسات والأبحاث في سبيل تمهيد وصول الإنسان وآلته إلى الفضاء الخارجي.

وعلاوة على الأموال الطائلة التي أنفقت، ساهم العمل المشترك والفردي في تنامي التكنولوجيا المستخدمة في خدمة هذا الغرض، وعليه فإن هذه الاكتشافات والاختراعات لم تنحصر فائدتها في مجال الصناعات الفضائية فحسب، بل إنها ألقت بظلالها على الأرض وفي خدمة البشرية على مستوى الحياة اليومية.

ولطالما كانت الإدارة الوطنية للملاحة الجوية والطيران “ناسا” في طليعة مستكشفي الفضاء، فقد ساهمت بشكل فعّال في إمداد العالم اليوم بعدد من التقنيات الفرعية التي جاءت نتيجة العمل على مشروع ما في الفضاء. وبعض هذه التقنيات قد تركت بصمة ثورية في مجالات شتّى، ومنها ما هو ضمن الاستخدامات اليومية في حياتنا.

يعود الفضل في كثير من التقنيات المنتشرة بين الناس إلى التطبيقات الفضائية

لقد صبّت وكالة الفضاء الأمريكية جلّ اهتمامها في تعزيز مكانة الإنسان ودوره في استكشاف الفضاء الخارجي، وبلورة المفاهيم النظرية، وتطبيق التجارب العلمية، ولأن الفضاء يُعد بيئة مليئة بالتحديات وغير مألوف لدى الإنسان، فإنّ ذلك قد استدعى من المهندسين والعلماء الابتكار والتفكير خارج الصندوق لإيجاد الحلول العملية الفعالة، وهو ما نتجت عنه تطبيقات غير متوقعة على مستوى مجموعة واسعة من الصناعات.

ففي عام 1973 أصدرت الوكالة نسختها الأولى من المسودة السنوية بعنوان “تقرير برنامج استخدامات التكنولوجيا” بالأبيض والأسود، كاشفة عن أهم الاختراعات التي ستساهم في حياة الإنسان اليومية، ومنذ ذلك الحين، عملت الوكالة على تصدير 50 منتجا وابتكارا على الأقل في كل عام، ليفوق عدد الابتكارات ألفي منتج حتى اللحظة.

وقد سعت ناسا -رفقة بقية الوكالات الفضائية- إلى نقل مخزونها الفكري والمعرفي والتطبيقي، للاستخدام التجاري في المجالات الطبية والصحية وفي النقل وعلوم الحاسوب وغيره، ولعلّنا نجد من ضمن تلك القائمة منتجات لا تخطر على البال، كأحذية التزلج على الجليد، وسماعات الأذن، وكاميرات الهاتف وغيرها الكثير.1

تأيين المعادن.. تقنية التحلية التي تسقي رواد الفضاء

يعد برنامج الفضاء الأشهر “برنامج أبولو” في نهاية الستينيات إحدى المحطات الفارقة والمنعطفات المحورية التي غيّرت مسار السباق الفضائي بين طرفي الحرب الباردة، أمريكا والاتحاد السوفياتي، بواسطة مجموعة من الرحلات تخللها كثير من التحضير وإرسال البعثات الأولية، وما تبع ذلك من 6 رحلات حطت على سطح القمر.

في الفضاء يتم إعادة تدوير الماء أو تأيينه من العناصر الكيميائية لتوفيره للرواد هناك

وقد تكللت جميعها بالنجاح لتصعد بأولى البعثات البشرية إلى سطح الجار الصغير، فظهر عدد من الابتكارات في “برنامج أبولو”، وكان أبرزها نظام تحلية المياه باستخدام تقنية “تأيين المعادن” الذي استخدم لغرض سد حاجة رواد الفضاء لماء الشرب في أثناء رحلتهم الطويلة، فبدلا من إرسال كميات كبيرة من الماء، عمل المهندسون على تحلية المياه باستخدام المعادن مثل النحاس والفضة، لتنقية وتنظيف المياه، وذلك بسبب الخصائص التي تكتسبها تلك المعادن المضادة للميكروبات والملوثات بعد تأينها.

وبعد أن أثبتت التقنية نجاعتها في الفضاء وكفاءتها العالية على تطهير المياه ومنع نمو الطحالب والبكتيريا، انتقلت فيما بعد إلى الاستخدامات البسيطة في حمامات السباحة وفي المنازل وغيره، وقد استطاعت شركات أمريكية مثل “سنسيبل تكنولوجيز” (Sensible Technologies) تصدير هذه التقنية إلى الأسواق.2

عازل الحرارة.. تقنية فضائية تصنع الأطراف الصناعية

دفعت شراكة بين مركز “هارشبيرجر للأطراف الصناعية والتقويم” ومركز “مارشل لرحلات الفضاء”، إلى ابتكار تقنية “ماركور” (Marcore) التي حلّت بديلا لمادة الجص التقليدية الثقيلة المستخدمة في إنتاج القوالب الرئيسية للأطراف الصناعية. لقد كان هذا الاختراع نتيجة عمل وكالة ناسا على مادة عازلة، تمنع تسرّب الحرارة إلى داخل المكوك الفضائي، عند تعرضه لأشعة الشمس في الفضاء الخارجي.

تقنية “ماركور” للأطراف الصناعية

تكون هذه المادة في حالتها الطبيعية بقوام الرغوة، ثم تيبس وتتشكّل إلى قوالب حسب الاستخدام، ويُطلق عليها “الرغوة العازلة” (Insulating Foam)، كما تستخدم بكثرة في المنازل والأبنية لقدرتها العالية على عزل الحرارة وكذلك الصوت.

وقد جاءت تطبيقاتها الواسعة في صناعة الأطراف الصناعية، بسبب خفة وزنها وكفاءتها من حيث قدرة التحمل، بالإضافة إلى انخفاض تكلفتها، وهو ما جعلها حلا مثاليا لمبتوري الأطراف.3

نظام تحديد المواقع.. سلاح حربي لتوجيه حاملات الصواريخ

رغم أن نظام تحديد المواقع العالمي “جي بي إس” (GPS) متوفر في جلّ الهواتف النقالة الحديثة، لا يمكن نسبته بشكل مباشر إلى إحدى التقنيات المباشرة التي طورتها وكالة “ناسا”، بل جاء تطويره بفضل شراكة بين القوات البحرية الأمريكية ووكالة الفضاء، والحديث هنا يدور حول الدور الجوهري الذي لعبته الصناعات الفضائية في تطوير هذه التكنولوجيا.

وكالة مشاريع البحوث المتطورة الدفاعية تطور أول نظام ملاحة في الستينيات من القرن العشرين

ففي الستينيات استطاعت وكالة مشاريع البحوث المتطورة الدفاعية “داربا” تطوير أول نظام ملاحي عالمي “ترانسيت” وتوفيره على الصعيد التجاري والعسكري، وعلى نحو الخصوص لقوات البحرية الأمريكية في سبيل توجيه الغواصات حاملة الصواريخ البالستية عن بعد.

وكان مختبر الفيزياء التطبيقية في جامعة “جونز هوبكنز” المسؤول الرئيس عن تطوير وبلورة تقنية التموضع العالمي، وبواسطة مجموعة من الأقمار الصناعية مؤلفة من 36 قمرا أطلقتها “ناسا”، ظلّت هذه الشبكة تعمل مدة 28 عاما، قبل أن تقرر وزارة الدفاع استبدالها بنظام تحديد المواقع العالمي المعروف حاليا باسم “جي بي إس” (GPS).

وقد طوّرت ناسا عمل هذه التقنية بإضافة الساعات الذرية، بدلا من ساعات الكوارتز، لأنها أكثر استقرارا ودقّة في عمليات الحسابات الدقيقة لتحديد المواقع، فلو أخذنا على سبيل المثال أفضل ساعة كوارتز في العالم من حيث الدقة، فإنّ ذبذباتها من الممكن أن تتأخر بمقدار نانوثانية واحدة بعد ساعة، وبعد 6 أسابيع ستتأخر ملّي ثانية كاملة، وهو ما يعادل خطأ في تحديد الموقع بمسافة تتجاوز 300 كم، وهي مسافة كبيرة للغاية.

يعمل نظام الملاحة “جي بي إس” بتزامن 12 قمرا تدور حول الأرض

أما الساعات الذرية فهي أكثر صلابة ودقة، فالتأخر الوارد فيها يعادل نانوثانية واحدة بعد 4 أيام، وأقل من مايكروثانية واحدة بعد 10 سنوات. وبمقياس آخر، فإنّ حدوث تأخير في الساعة الذرية بمقدار ثانية كاملة سيستغرق مدة زمنية تبلغ أكثر من 10 ملايين سنة.4

ويُعد اختلاف مُضي الوقت أو مروره أحد الدلائل على صحة قوانين النسبية في معادلات “أينشتاين”، إذ يشير إلى أن الوقت نسبي، وأنه يسير بشكل مختلف من مكان إلى آخر، والجاذبية هي إحدى العوامل المؤثرة على معدّل سيره، فكلما زادت الجاذبية تباطأ الزمن، والعكس صحيح. لذا فالوقت بالنسبة للأقمار الصناعية يمضي بشكل أسرع مما هو على الأرض، ولكن بنسب تصعب ملاحظتها حسيا بشكل مباشر.

شاشات اللمس.. حل عملي يناسب قمرة رواد الفضاء

كانت “ناسا” أحد الأعضاء الفاعلين في عملية تطوير شاشات اللمس في أوائل السبعينيات، إذ كانت تبحث وكالة الفضاء عن آلية لتحسين واجهة المستخدم في شاشات مكوك الفضاء، فقد كانت الطريقة التقليدية للعمل على الحواسيب هي باستخدام الفأرة ولوحة المفاتيح، وهو ما يعد غير مثالي في قمرة ضيقة المساحة. فضلا عن احتمالية الضغط بالخطأ على أي من المفاتيح، فيتسبب بكارثة غير متوقعة.

في عام 1973 منحت “ناسا” عقدا لمؤسسة “زيروكس” لتطوير شاشات اللمس في مركبات الفضاء

وسريعا ما اختيرت لوحات اللمس التي كانت في مراحل نشأتها الأولى، لتكون البديل الأمثل بالنسبة لرواد الفضاء، ففي عام 1973 منحت “ناسا” عقدا لمؤسسة “زيروكس” (Xerox Corporation)، فعملت على تطوير شاشات اللمس التكاثفية (Capacitive Touchscreen)‏ المستندة في عملها على فرق الكُمُون “الجهد الكهربائي” بين سطح الشاشة وإصبع المستخدم، لتوليد تيار كهربائي، مستفيدة من الشحنات الكهربائية التي يحملها جسم الإنسان.

لقد كان نموذج “زيروكس” ناجحا للغاية واعتمدته الوكالة في مكوكها الفضائي عام 1979، ليساهم لاحقا في تمهيد الطريق لتبنّي هذه التكنولوجيا على نطاق واسع. ورغم ظهورها المبكر، لم تصلنا شاشات اللمس في الاستخدام التجاري إلا بعد نحو 25 عاما، وعاما بعد عام، بات الاعتماد البشري على شاشات اللمس الموجودة في أغلب الأجهزة أمرا لا يمكن إنكاره أبدا.

الرغوة المرنة.. من الفضاء إلى الأسرّة الطبية ووسائد النوم

كان من تبعات رحلات الفضاء في الستينيات إنتاج رغوة البولي يوريثان، ويُطلق عليها تجاريا “الرغوة المرنة” (Memory Foam)، وكان الهدف منها الوصول إلى مادة قادرة على التشكل، وفقا لطبيعة أجسام رواد الفضاء الفيزيائية في رحلة طويلة وشاقة، وذلك بسبب التفاوت الكبير بين أجسام الروّاد.

الرغوة المرنة هي مادة قادرة على التشكل وفقا لطبيعة أجسام

تتكون الرغوة المرنة من “البولي يورثين”، وهي مادة شبه مطاطية، بالإضافة إلى مواد أخرى للحصول على خاصية القدرة على التشكل، وتعد الرغوة ذات حساسية عالية إزاء الحرارة والضغط، فعندما تتعرض المادة لضغطٍ ما، فإنها تتخذ شكل الجسم، وحين يُزاح الضغط عنها فإنها تعود إلى شكلها الطبيعي.

لاقت التقنية رواجا كبيرا لاحقا على المستوى الطبي في صناعة الكراسي المتحركة وأسرّة المرضى، ومع مرور الوقت دخلت عالم المفروشات، محققة نجاحا مبهرا على مستوى صناعة الوسائد وغيرها، بسبب قدرة المادة على تحديد ملامح الجسم، وتبديد نقاط الضغط، فتمنح جودة وراحة أعلى أثناء النوم.5

بطانيات الفضاء.. عاكس الحرارة ورفيق الملاجئ والإسعافات

شهدت بطانيات الطوارئ أو بطانيات “مايلر” (تسميتها الأولى بطانيات الفضاء) أول ظهور لها في الفضاء لغرض عزل رواد الفضاء وعددهم عن الحرارة. وترتكز تكنولوجيا بطانيات الفضاء في استخدام مادة رقيقة عاكسة مصنوع من “المايلر” وفيلم بوليستر مغطّى بطبقة معدنية، وعادة ما تكون من الألمنيوم. وتعكس هذه الطبقة أو “الطلاء المعدني” الحرارة القادمة من الخارج وفي ذات الحين تساعد في الحفاظ على درجة حرارة الجسم عن طريق منع تسرب الطاقة الحرارية.

بطانيات الفضاء عاكس الحرارة ورفيق الملاجئ والإسعافات

وبعد نجاح استخدامها في بعثات الفضاء، دخلت البطانيات السوق التجاري من أوسع أبوابه في مختلف المجالات، فأصبح تستخدم بطانيات للطوارئ وللناجين من الكوارث، وحتى على صعيد الهواة والرحّالة، بالنظر إلى صغر حجمها وخفة وزنها وكفاءتها العالية في العزل الحراري.

وكثيرا ما تُدرج اليوم ضمن حقيبة الإسعافات الأولية ومعدات أطقم البحث والإنقاذ في مواقع الكوارث. ويعد استعمالها اليوم مرنا للغاية، إذ يمكن لفها حول الجسم أو فرشها على الأرض، ويمكن استخدامها في الملاجئ المؤقتة أيضا.6

طلاء البلاستيك.. مضاد الأشعة وخدوش النظارات الشمسية

عانى رواد الفضاء في بادئ الأمر من حساسية معداتهم أمام وحش الفضاء الهائج في ظروف قاسية، وكان لخوذ الروّاد نصيب كبير من الاهتمام، فقد أجرى مركز الأبحاث “أيميس” (AMES) التابع لوكالة ناسا بعض الأبحاث والدراسات في الثمانينيات، لتطوير أنواع من الطلاء المتين، لإضفائه على البلاستيك المقوّى في الواجهة، وقد كان الهدف من ذلك تعزيز مقاومة الخدش، وتصفية الأشعة فوق البنفسجية الضارة، وتحسين تباين الألوان.7

طلاء خاص للخوذ لتعزيز مقاومة الخدش وتصفية الأشعة فوق البنفسجية الضارة

وبعد أن عزز العلماء استخدام خوذ الفضاء بطلائهم المكتشف، ما لبث أن انتقل سريعا إلى مختلف الأسواق التجارية بتطبيقات مختلفة، فقد دمجت الطلاءات المقاومة للخدش في النظارات الشمسية ونظارات التزلج وكذلك في أقنعة اللحام، وهو ما جعلها أكثر مقاومة للتآكل والتلف اليومي.

أبحاث السرطان.. قفزة طبية بإلهام الصناعة الفضائية

ثمة عدد من التقنيات على الصعيد الطبي ساهمت فيها صناعات الفضاء، وتعد المساهمات في أبحاث السرطان وعلاجه الأكثر محورية. فالتطوّر الذي وصلت إليه ناسا في مجال التصوير وعلم المواد منح بريقا من الأمل في اكتشاف السرطان وتشخيصه مبكرا وعلاجه أيضا، وتتجلى تلك المساهمات في عدّة مستويات، وهي على النحو الآتي:

التصوير الشعاعي الرقمي للثدي: لقد ساهمت الأبحاث والدراسات حول تقنيات معالجة الصور وتحسين صور الأجرام السماوية بشكل مباشر على التصوير الشعاعي الرقمي، فباستخدام ذات الخوارزميات المستخدمة في كشف المناطق الباهتة والغامضة في الفضاء، يمكن الحصول على صور دقيقة بالأشعة السينية لتشخيص سرطان الثدي.

تقنيات معالجة الصور وتحسين صور الأجرام السماوية تساعد بشكل مباشر في نوعية التصوير الشعاعي الرقمي

وتشير الدراسات إلى أن الخلايا السرطانية تفرز أوكسيد النيتريك، وهو ما يؤدي إلى تغيرات في تدفق الدم ودرجة الحرارة في الأنسجة المحيطة، وعليه فإننا باستخدام التصوير الرقمي للكشف عن الأشعة تحت الحمراء المنبعثة، قد نصل إلى نتائج دقيقة للغاية.8

التحليل ثلاثي الأبعاد: من الحالات التي استدعت الدراسة من قبل معهد “ليرنر” للأبحاث بالشراكة مع مركز الأبحاث ” إيميس”، دراسة الفرضية القائلة إن تشكّل الأوعية الدموية وتغيرها يؤثران بالضرورة على فقدان الكتلة العضلية والعظام.

وللتحقق من ذلك أجريت دراسات مكثفة لمقاطع عرضية لمجموعة من الفئران صعدوا إلى الفضاء، وقد كانت عملية دراسة وفحص جميع الصور ثنائية الأبعاد لمجموعة من الأوعية مجهدا للغاية، ومهما بلغت كفاءة الأطباء، فإن حدوث الخطأ وارد في عملية طويلة كهذه.

لذا عمد المعهد إلى استخدام التحليل الحاسوبي لمعالجة الأمر، وبواسطة برنامج “إيماج آي كيو” (ImageIQ) وعبر خوارزمية مطوّرة استطاع فريق البحث رسم صورة ثلاثية الأبعاد من المقاطع العرضية. وباستخدام ذات التقنية، فإن تحديد مواقع وأحجام وكيفية نمو الأورام الخبيثة بات أمرا ممكنا.9

أشعة الفضاء: أدت الأبحاث التي تمولها “ناسا” إلى تطوير نظام التحليل “أونكو ميت” (OncoMate MSI Dx)، وهو اختبار تشخيصي يحسّن علاج السرطان، ففي ظل ارتفاع وتيرة الأشعة في الفضاء بسبب غياب الغلاف الجوّي، يتعرض رواد الفضاء لمستويات عالية من الإشعاع، خلال المهام الفضائية طويلة الأمد، والأخطار المحتملة لا تزال محل دراسة مستمرة.

وللتنبؤ بأخطارها وتقييمها أجرت وكالة الفضاء دعما للأبحاث في مجال “البيدوسمتري”، وهو مجال دراسة التغييرات التي تطرأ على الفرد عن طريق الإشعاع المؤين لتقدير آثار الجرعة في العلاج الإشعاعي. وقد توصلت إحدى الدراسات إلى أن استخدام أجزاء محددة من الحمض النووي “المايكروساتلايت” (Microsatellites) كمؤشر للضرر الناجم من الإشعاع يُعد حلا مطروحا، فمع زيادة الجرعة الإشعاعية تزيد ترددات التحوّر في المايكروساتلايت أيضا، وهذا يمنح الأطباء تصورا عن مدى فعالية العلاج.10

الجراحة الروبوتية: لقد مهدت التطوراتُ التي حققتها “ناسا” في تكنولوجيا الروبوتات لبعثات الفضاء الطريقَ أمام العمليات الجراحية المعقدة التي تتطلب دقة متناهية، في أماكن يصعب التوغّل فيها بسهولة، لاستئصال الخلايا المسرطنة في الجسم، كما يمكن للجراحين التحكم بحركة الكاميرا، بواسطة برامج حاسوبية، من دون الحاجة إلى التدخل المباشر في العملية الجراحية.

علم المواد: وعلى مستوى الأجهزة القابلة للزرع المستخدمة في علاج السرطان، يُنظر اليوم إلى المواد خفيفة الوزن ذات التوافقية الحيوية، وهي ذاتها المواد المبتكرة والمصممة مسبقا في رحلات الفضاء.

العلاج عن بعد: بما أن بعثات الفضاء تنقطع فيزيائيا عن الأرض، وتبقى سبل الاتصال اللاسلكي هي الوحيدة في عملية التواصل، فإنّ علاج رواد الفضاء عن بُعد أُخِذ على محمل الجد في عمليات التشخيص والاستشارات الطبية، ويعود ذات الأمر على العلاج عن بُعد على مستوى المناطق النائية والريفية التي يتعسر عليها الوصول الدائم أو المباشر، وحتى في عملية مراقبة المرضى الذين يكابدون عناء السفر والتنقل.

مضخة القلب الدوارة.. قلب صناعي يحاكي محركات الصواريخ

يعد عدد القلوب المتاحة للزراعة محدودا للغاية بالمقارنة مع الأشخاص الذين يعانون من مشاكل في القلب، ويبلغ عددهم حوالي مليون مريض حول العالم، إذ تجرى أقل من 3 آلاف عملية زراعة قلب في الولايات المتحدة سنويا فقط، وهو عدد لا يرقى لتطلعات الأطباء بأي شكل من الأشكال.

مضخة قلب تعمل كجهاز حيوي مساعد للبطين لتوفير ضخ الدم إلى جميع الأجزاء

ولحسن الحظ، فقد أسفر التعاون الفريد بين “ناسا” وشركة “مايكروميد” (MicroMed) عن صناعة قلب صناعي -أو مضخة قلب إن صح التعبير- تعمل كجهاز حيوي مساعد للبطين، ويوفر ضخ الدم إلى جميع الأجزاء في وتيرة مضبوطة إلى حين توفر قلب طبيعي للمريض.

نشأت فكرة المضخة المصغّرة في محادثات سابقة في “مركز جونسون للفضاء”، برفقة أشهر جراحي القلب في العالم د. “مايكل ديباكي” ود. “جورج نون”. ولعلاج مرضى القصور القلبي المزمن، صمم المركز عدة نماذج من المضخة استنادا إلى المعايير المقدمة من قبل الطاقم الطبي.

وخلال التطوير الأوّلي لمضخة القلب الدوارة المزروعة، واجه المهندسون مخاوف رئيسية، فبسبب الاحتكاك تعرضت خلايا الدم للتلف، نظرا لأن الجهاز يخلق تدفقات قوية عبر أجزاء المضخة. كما أن ثمّة مناطق ساكنة -لا يتدفق فيها الدم- في المضخة قد تؤدي إلى تجلط الدم.

ولعلاج المشكلة استُعين بخبرة المهندسين والعلماء في “ناسا” بقسم تطبيقات الحوسبة المتقدمة التابع لمركز الأبحاث “أيميس”، ذلك لأن الخبرة التي يمتلكها المركز في محاكاة تدفق السوائل في محركات الصواريخ لا يضاهيها أي مركز أبحاث على كوكب الأرض. ورغم أنّ سرعة تدفق السوائل عبر محركات الصاروخ أسرع بكثير من تدفق الدم في جسم الإنسان، فإن ثمة تشابها كبيرا في عدة أوجه.

وباستخدام حواسيب “ناسا” الفائقة وتقنية الديناميكا الحوسبية للسوائل (Computational Fluid Dynamics)، استطاع العلماء نمذجة تدفق الدم من خلال مضخة القلب التي تعمل بالبطاريات، واستنادا إلى النتائج جاءت تحسينات جوهرية في التصاميم الأوّلية للنموذج، وقد ساهمت بشكل كبير في تقليص تلف خلايا الدم الحمراء إلى مستوى يتجاوز حدود القبول، كما تغيّرت حركة الدم داخل المضخة عن طريق القضاء على المناطق الساكنة، مما ساهم في إلغاء خطر تجلط الدم.11

غرسات القوقعة.. مهندس مثابر يتجاوز إخفاقات الطب

يعزى اختراع “غرسات القوقعة” إلى أحد مهندسي “ناسا” المثابرين، وهو “آدم كيسيا” الذي كان يعمل في “مركز كينيدي للفضاء”، وقد كان يعاني من ضعف في السمع، وبعد فشل ثلاث جراحات لأذنه بدأ في التفكير جديا بعلاج مشكلته بنفسه، مستعينا بخبرته الهندسية وفهمه لآلية السمع. وخلال 3 سنوات استطاع “كيسيا” إهداء العالم معجزة طبية لمن يعاني من ضعف شديد إلى فقدان تام للسمع.

“زرعة القوقعة” جهاز يقوم بتحديد إشارات الكلام وتحويلها إلى نبضات كهربائية

فعلى نقيض السماعات التقليدية التي تكتفي بتضخيم الصوت فقط، اخترع “كيسيا” جهازا يُزرع جراحيا في الأذن وأطلق عليه “زرعة القوقعة”، ويعمل الجهاز بتحديد إشارات الكلام وتحويلها إلى نبضات كهربائية تُرسل إلى أذن المريض. ورغم أنّ الزرعة لا تحول الصوت كاملا بشكله الطبيعي، تبقى هذه الوسيلة آلية تأهيلية ممتازة لمتضرري السمع من عوامل مختلفة.

وبمساعدة “ناسا” حصل “كيسيا” على براءة اختراع لزرعة القوقعة في عام 1977، وباع حقوق التكنولوجيا لشركة “بيوستيم” (BIOSTIM). وفي عام 2003 نُصِب في قاعة مشاهير تكنولوجيا الفضاء الأمريكية التابعة لمؤسسة الفضاء، وقد أثرت زرعات القوقعة بشكل كبير في الصناعات الطبية بعد أن بلغت قيمتها السوقية 1.65 مليار دولار.12

التجفيف بالتجميد.. تقنية مبتكرة لتخزين الطعام في الفضاء

في مطلع رحلات الفضاء المأهولة، كانت عملية إرسال الطعام برفقة الرواد لا تشغل حيزا كبيرا من اهتمام العلماء، لأن الرحلات على أي حال تستمر لفترات قصيرة نسبيا مثل مشروع “ميركوري” و”جيميني” في بداية ومنتصف الستينيات، فقد كان الطعام يشبه قوام المعجون، ويُعبأ داخل أنابيب قابلة للضغط، ولم يكن المذاق بأفضل أحواله. ولكن مع التخطيط لمهمات على فترات زمنية أطول مثل مشروع “أبولو” الذي يستغرق قرابة 13 يوما متواصلة، أخذت وكالة الفضاء على عاتقها التفكير بجدية في إيجاد حل طويل الأمد، يتضمن توفير وجبات طعام لذيذة ذات قيمة غذائية عالية وسهلة التحضير وخفيفة الوزن.

وجبات طعام تقنية التجفيف بالتجميد المبتكرة ترسل إلى رواد الفضاء

فظهرت من العدم تقنية التجفيف بالتجميد المبتكرة، إذ يُستخرج الماء من الأطعمة المطهوة حديثا عن طريق التجفيف بدرجات حرارة منخفضة جدا، ثم يُغلّف الطعام داخل أكياس بإحكام لمنع تسرب الرطوبة والأوكسجين، وهما العاملان الأساسيان في سبب تعفن الطعام. وهذه العملية تتيح فرصة تخزين الطعام لفترات طويلة من دون الحاجة إلى تبريده.

واستطاعت شركة “أكشن برودكتس إنترناشونال” (Action Products International, Inc.) تطوير التقنية ونقلها إلى السوق، وقدمت أول مثلجات (آيس كريم) مجمدة بالتجفيف. واليوم تقدم الشركة عدة أنواع من الوجبات المجففة كالزبادي والبطاطس المقلية والبيتزا وغيرها.

يطهى الطعام جيدا قبل تجميده سريعا عند درجة حرارة 40 تحت الصفر، وتزال الرطوبة عندما تتحول البلورات الجليدية الناتجة من عملية التجميد إلى بخار بالتسخين البطيء في حجرة فراغية (Vacuum Chamber)، وأخيرا يحتفظ المنتج النهائي بنسبة 98% من قيمته الغذائية في حين يزن فقط 20% من وزنه الأصلي.13

فيما سبق نبذة بسيطة عن أبرز الاختراعات الجانبية التي لم تنحصر فائدتها في مجال الصناعات الفضائية فحسب، بل ساهمت بشكل مباشر في خدمة البشرية على مستوى الحياة اليومية، وطالما بقي العمل في صناعات الفضاء، فإنّ هذا النوع من الاختراعات لن يتوقف.

 

المصادر:

[1] ماكفيدن، كريستوفر (2018). 23 من ابتكارات ناسا الجانبية العظيمة. تم الاسترداد من: https://interestingengineering.com/science/23-great-nasa-spin-off-technologies

[2] محررو الموقع (1992). تقرير: تحلية المياه. تم الاسترداد من: https://ntrs.nasa.gov/api/citations/20020083175/downloads/20020083175.pdf

[3] محررو الموقع (1995). تقرير: مادة الأطراف الاصطناعية. تم الاسترداد من: https://ntrs.nasa.gov/api/citations/20020078353/downloads/20020078353.pdf

[4] نيلسون، جون (2019). ما هي الساعة الذرية؟. تم الاسترداد من: https://www.nasa.gov/feature/jpl/what-is-an-atomic-clock

[5] بريان، ويليام (2017). الرغوة المرنة. تم الاسترداد من: https://www.nasa.gov/offices/oct/40-years-of-nasa-spinoff/memory-foam

[6] محررو الموقع (2006). التفكير في فوائد الفضاء: مثال ساطع. تم الاسترداد من: https://spinoff.nasa.gov/Spinoff2006/ch_9.html

[7] محررو الموقع (1996). عدسات مقاومة للخدش. الاسترداد من: https://spinoff.nasa.gov/spinoff1996/43.html

[8] محررو الموقع (2000). الكشف عن سرطان الثدي. الاسترداد من: https://spinoff.nasa.gov/spinoff2000/hm3.htm

[9] محررو الموقع (2019). برنامج تحليل الصور يرى السرطان في صورة ثلاثية الأبعاد. الاسترداد من: https://spinoff.nasa.gov/Spinoff2019/hm_4.html

[10] محررو الموقع (2022). أبحاث إشعاع الفضاء تحارب السرطان على الأرض. الاسترداد من: https://spinoff.nasa.gov/Space-Radiation-Research-Fights-Cancer-on-Earth

[11] محررو الموقع (2023). إبقاء القلب حيا. الاسترداد من: https://spinoff.nasa.gov/spinoff2002/hm_3.html

[12] محررو الموقع (2003). السمع حقيقة. الاسترداد من: https://spinoff.nasa.gov/spinoff2003/hm_3.html

[13] محررو الموقع (1994). غذاء الفضاء. الاسترداد من: https://ntrs.nasa.gov/citations/20020080087