“ثورة التيك توك”.. حكايات من الموقع الصيني الذي هز الولايات المتحدة

من مشروع وحلم صيني صغير، إلى واحد من أشهر مواقع العالم وأكثرها شعبية على شبكة الإنترنت. هكذا انتقل موقع “تيك توك” الصيني للفيديو من المجهول إلى الصدارة العالمية، إذ نجح في غضون سنوات معدودة فيما فشل فيه كثيرون، وهو منافسة موقع اليوتيوب، وتوفير منصة لا تشبه غيرها في سهولة استخدامها وكثرة مشتركيها، وفي تأثيرها على كل نواحي الحياة، كل هذا وما زالت قصة “تيك توك” في بدايتها فقط.

فجأة قفز موقع “تيك توك” إلى واجهة الاهتمام العالمي، بدأت شعبيته بين جيل الألفية الجديدة، ثم عبر إلى فئات عمرية أخرى، وأصبح ينافس على وقتنا الثمين والمتشتت بين مواقع الإنترنت المتعددة.

يعرض الفيلم الوثائقي “ثورة التيك توك” (TikTok, Boom) للمخرجة والناشطة الأمريكية “شاليني كانتايا”، جوانب من الظاهرة التي يمثلها الموقع الصيني، مركّزا على وقع هذا الموقع في الولايات المتحدة، سواء على صعيد الناس العاديين، أو على صعيد تأثيره على السياسة الأمريكية، فقد حرّض الرئيس الأمريكي السابق “دونالد ترامب” على حظر الموقع، بعد ضربة موجعة تلقاها الرئيس الجدليّ من مشتركين من الموقع.

“فيروزة”.. فتاة تعتز بهويتها وزيها الأفغاني

يختار الفيلم أمريكيين شبابا جلب لهم الموقع الشهرة والمال، وحدد لهم مسرات حياتهم القادمة، منهم “فيروزة” وهي فتاة أمريكية أفغانية بدأ بها الفيلم زمنه، وقد نقلت تجاربها الصعبة مع العنصرية في مدرسة يهمين عليها البيض، وتجاربها بشكل عام في أجواء ما بعد 11 من سبتمبر، والتشكيك والتخوين الذي رافق حياتها كلها.

تجد هذه الفتاة في التيك توك منصة مثالية وسهلة لقول ما تريد، فبدأت بفيديو قصير تلبس فيه بفخر زيّها الأفغاني التقليدي، وقد حصد هذا الفيديو اهتماما كبيرا، إذ تفاعلت معه أفغانيات ظهرن باللبس التقليدي من الولايات المتحدة وحول العالم.

ثم واصلت “فيروزة” فيما بعد نشر فيديوهات عدة، يدور أغلبها في فلك الاعتزاز بالهوية الأفغانية والمسلمة، وأيضا الاعتزاز بالهوية الأمريكية التي تنتمي إليها.

“لم أرتب شعري حينئذ”.. رُب صدفة موسيقية تصنع الشهرة

الشخصية الثانية في الفيلم، شاب أمريكي يُدعى “سبنسر أكس” وهو أمريكي لاتيني، ولديه موهبة إصدار الموسيقى من فمه، وهي موهبة لم تكن مقدرة أو مكتشفة.

يروي “سبسنر” أنه ابن بيئة فقيرة، وأن والديه كابدا حتى يوفرا له التعليم والأمان، وأنه عرف الأيام الصعبة عندما كان موسيقي شوارع في مدينة نيويورك، فكان يحصل أحيانا على مبلغ يقارب 20 دولارا بعد يوم عزف طويل. وكانت المصادفة المحضة وحدها هي التي قادته إلى التيك توك، ففي أحد الأيام كان يشعر بالملل، فقرر أن يصور فيديو لنفسه وهو يعزف.

يستعيد “سبنسر” ذكريات ذلك اليوم الذي سيغير حياته، قائلا: “لم أرتب شعري حينئذ”. وبعد أن نشر الفيديو ذا الإمكانيات البسيطة ذهب إلى النوم، وعندما استيقظ صُعق من المفاجأة، فقد شاهد الفيديو مئات الآلاف من البشر في وقت نومه، ثم شاهده فيما بعد ملايين آخرون، وكان بدايةً لمسيرة ناجحة كبيرة وثراء غير متوقع.

إحراج المسؤول الأمريكي.. مداخلة سياسية تفتح أبواب الشهرة

الشخصية الثالثة في الفيلم، هي “ديجا فوكس”، وهي لم تكن تخطط لدخول مجال الشهرة على الإنترنت، ولم تكن تعرف أنها ذات موهبة مميزة، لكن الشهرة تصل لها عندما تقاطع كلمة عضو في الكونغرس الأمريكي، وتلقي مداخلة شجاعة للغاية تذكّر فيها بأصلها المهاجر، وتحث السياسيين الأمريكيين على الاستماع لجيلها.

حصد فيديو مداخلة “ديجا” مشاهدات كثيرة على الإنترنت، فمهد لها ذلك لدخول عالم مواقع التواصل الاجتماعي، ولا سيما التيك توك، فحظيت فيه بشعبية كبيرة، مع أنه من غير الواضح تماما طبيعة ما تقدمه، فهي تكتفي بعرض مفاتنها أحيانا، وما زالت في نفس الوقت مهتمة بالسياسة والقضايا الاجتماعية، حتى أنها انضمت للفريق الانتخابي للسياسية “كامالا ديفي هاريس” في حملتها للحصول على منصب نائبة الرئيس الأمريكي.

ديجا فوكس ناشطة سياسية واحد مشاهير التيك توك في الولايات المتحدة

وتشبه “ديجا” الشخصيتين الأخريين في أصلها المهاجر ورغبتها في تغيير المجتمع من حولها، إذ يهمين عليه عرق واحد ووجهات نظر متشابهة حول النجاح. كما تشبهما في تقديرها لوسائل التواصل الاجتماعية، فقد أعطت صوتا لمن لم يكن له صوت.

ضغط النجاح.. حاضر منعّم ومستقبل غامض

يتنقل الفيلم بين قصص شخصياته الثلاث، وبين حوارات مع خبراء ومختصين عن ظاهرة التيك توك، فتضيء أحاديثهم جوانب عدة من هذه الظاهرة، ومنها ما هو غير معروف كالأثمان التي دفعها المشتركون فيه من حياتهم وصحتهم النفسية.

تعترف “ديجا” أنها تحت ضغط دائم، فعليها أن تقدم محتوى جذابا حتى تواصل جني الأموال من الموقع، بعد أن أصبح مصدر دخلها الأكبر، ومنه تساعد أمّها التي عاشت حياة صعبة بين الفقر والإدمان على المخدرات.

تفتح “ديجا” قلبها للفيلم، فتنقل هواجسها عما يمكن أن تشعر به بعد سنوات من الآن، وتتحدث عن بعض الفيديوهات التي كانت تظهر فيها بحمام السباحة، فتعترف برواجها قائلة: “نعم الفيديوهات التي تُظهر جسدي تنال عدد المشاهدات الأعلى”.

أما “سبنسر” فيبدو وكأنه يعيش الأحلام، فقد انتقل من شقته الفقيرة إلى منزل فارهٍ، والشركات الكبيرة لا تتوقف عن إرسال بضائعها لكي يعلن عنها في فيديوهاته، حتى أن بعض نجوم الغناء التفتوا إلى شعبيته المتزايدة، فرغبوا في نيل حصة منها، فظهروا معه في فيديوهات مشتركة، وهذا ما مهّد لسيرة مهنية له في هوليود، فأطلق قبل عامين فيديو غنائيا له.

عنصرية التيك توك.. سياسات تلامس المزاج الصيني

يقارب الفيلم الوثائقي عنصرية التيك توك وخضوعه لسياسة تتبع السياسة الصينية، وقد كانت “فيروزة” ضحية لهذه العنصرية، فقد حذف مقطع فيديو كانت قد نشرته، للتذكير بمحنة الصينيين المسلمين (يعرفون باسم الأويغور)، وأن الحكومة الصينية وضعتهم في معسكرات اعتقال جماعية في الصين.

لكن “فيروزة” فتاة عنيدة تريد أن تقف بوجه المظلوم، ولن تتوقف عند هذا الحد، فتحايلت فترةً على قوانين التيك توك، فكانت تبدأ مقاطعها بالحديث عن الزينة للفتيات، ثم تنتقل إلى قضية الصينيين المسلمين، وقد خدع ذلك خوارزميات التيك توك فترة، ثم فطن الموقع للأمر، وأوقف صفحة الفتاة نهائيا.

فيروزة واجهت العنصرية في مدرستها

وقد هيّج إيقاف صفحة الفتاة الأفغانية الأصل غضب واستهجان وسائل إعلام تقليدية معروفة حول العالم، منها قناة الجزيرة الإنكليزية التي حاورت الفتاة، بل إن الأمر يصل إلى وزير خارجية الصين، لكنه نفى معرفته بقصة الفتاة عندما سئل في مؤتمر صحفي.

لا تقتصر قصة العنصرية على المسلمين وقضاياهم، فالفيلم يركز على مشكلة أمريكيين سود مع الموقع الصيني، فقد كانت صفحاتهم لا تظهر في صفحة اقتراحات الموقع، مع أنها تحظى بشعبية كبيرة عندما تظهر.

كما شكا أمريكيون آخرون من أن الفيديوهات التي تحمل هاشتاغ يخص قضايا السود مثل: “حياة السود مهمة”، أو “جورج فلويد” (وهو أمريكي أسود قتلته الشرطة الأمريكية)، لم تكن تظهر في الصفحات الرئيسية للمشتركين الأمريكيين.

حرب المعلومات.. غموض كبير وشكوك بالتجسس

يضع الفيلم التيك توك تحت مجهر التحليل، ويحاول أن يصل إلى حقائق هذا الموقع الذي نافس المواقع العالمية الغربية الهوية (الفيسبوك، يوتيوب، توتير وغيرها)، وبدأ منافسة ربما تنتهي بهيمنة الصين على مجالات وسائل التواصل الاجتماعي، وهو أمر توقعه خبير أمريكي.

يحيط سياسة التيك توك غموض وشكوك كبيران، فلا نعرف مثلا علاقة الحكومة الصينية به، وكمية ونوعية المعلومات التي يأخذها الموقع من المشتركين فيه، وماذا يفعل بهذه المعلومات في مناخات حرب الاستحواذ على المعلومات التي يعيشها العالم اليوم.

وقد أبدى عدد من الخبراء الغربيين شكوكا كبيرة حول سياسة التيك توك الداخلية، فما بدا من هذه السياسة مقلق جدا، بل مثير للتقزز أحيانا، مثل التسريب من الشركة بالتوجيه بوضع الفيديوهات التي تظهر أشخاصا معوقين أو غير وسيمين في مرتبة متأخرة في صفحة الاقتراحات بالموقع، وهذا ما أكده عاملون سابقون في الموقع، فأدى ذلك إلى فصلهم من عملهم، بسبب اعتراضهم على هذه السياسة وغيرها.

 

تدفع الانتقادات الإعلامية والرسمية الغربية المتصاعدة حكومات دول غربية إلى توجيه موظفيها بعدم تحميل الموقع على هواتف عملهم، بل منعه على أجهزة حواسيب الموظفين الرسميين، بسبب الخوف من تسرب المعلومات إلى جهات خارجية، ولا سيما الصين تحديدا.

حرب على الرئيس الأمريكي.. لعبة تهدد الموقع

وصل تأثير التيك توك سريعا إلى السياسة الأمريكية، ولا سيما مع الحملة الانتخابية الثانية للرئيس “دونالد ترامب”، يلتقي الفيلم كوميدية أمريكية شابة أطلقت ما يمكن أن يسمى بالحرب على الرئيس الأمريكي، فقد وضعت فيديو على صفحتها يحث متابعيها على حجز تذاكر في القاعات التي كان يلتقي فيها “ترامب” الناس أثناء حملاته الانتخابية، ثم الغياب عن هذه التجمعات أثناء انعقادها.

انتشرت هذه الدعوة في دوائر المعارضين لـ”ترامب”، وأدى ذلك إلى فراغ عشرات الآلاف من المقاعد في أي مكان يحل فيه “ترامب” في حملته الانتخابية، فأغضبه ذلك غضبا شديدا، يظهر في فيديو عرضه الفيلم، إذ قال إنه سينظر في حظر الموقع الصيني من الولايات المتحدة، وهو أمر تغاضى عنه الرئيس الحالي “جو بايدن”، وبذلك زال الخطر عن الموقع في الولايات المتحدة.

مستقبل الموقع.. محاولات لمسايرة هوى الغرب

يتميز الفيلم بوفرة المعلومات التي يمر عليها ويناقشها، وهي تصل أحيانا إلى درجة كبيرة من الاكتظاظ، بحيث يغدو صعبا تتبع جميع ما يرد في سياقات الفيلم، فتكون الحوارات التي يجريها مع شخصياته الثلاث فرصة لالتقاط الأنفاس، ثم يعود مجددا إلى القضايا المتعددة الأبعاد التي يناقشها، ولها علاقة أحيانا بجيل الألفية الجديد الذي يمثل السواد الأعظم لجمهور التيك توك، وأيضا الجيل الذي سيرسم معالم مستقبل يتأثر كثيرا بما يوضع على مواقع التواصل العالمية.

 

يُبين الفيلم أن الموقع نفسه مرَّ بمراحل عدة في سنوات قليلة فقط، وأنه يحاول الاستجابة للرغبات الغربية وقوانين الغرب، فنرى في نهايته مديرة الموقع في الولايات المتحدة، وهي أمريكية كانت تدافع بشدة عن فرع الموقع في بلدها، في حين أعاد الموقع صفحة الفتاة الأفغانية بعد حملة إعلامية عالمية، ويحاول اليوم أن يكون حذرا أكثر، وينتبه إلى الحساسية الثقافية لكل بلد يوجد فيه.

يتقرب فيلم “ثورة التيك توك” على صعيد الأسلوب الشكلي من عوالم موقع التيك توك، فنرى حجم إطار الفيلم يتغير أحيانا، ليحاكي حجم شاشة الهواتف الذكية، وهي الوسيط الأكثر شعبية لمشاهدة الموقع حسب الإحصائيات. كما ينقل الفيلم روح وطاقة موقع التيك توك إلى الفيلم، عبر المونتاج السريع وعرض فيديوهات مختارة من الموقع.