تواؤم الأرض والقمر.. خيوط الجاذبية التي صنعت الحياة على الكوكب

لا تنفك الأرض تندمج في نظام يجمع بينها وبين جارها الأقرب؛ القمر. بل إنها -كما يقول علماء الفلك- لا يمكن أن تستقر يوما لولا وجود القمر، فهو الحاكم ببقائها راسخة، مثله مثل الجبال التي خلقها الله كي تثبت صفائح الأرض السابحة فوق محيطات من الحمم البركانية، ولولا الجبال لظلت قشرة الأرض تهتز وتميد بأهلها، ولما استقرت عليها الحياة يوما.

وهكذا حال القمر أيضا، فكثيرة هي المظاهر التي يكون فيها سببا ببقاء الأرض حية، ويساعد في تجديد طاقتها يوما بعد يوم.

فكما يؤثر القمر على الأرض فيحدث المد والجزر، فإنه يضيء ليلها ويحسب لها أيامها وشهورها وسنيها، فهو الحاكم على التاريخ، وأنيس المستوحشين في ظلمة ليل المسافرين، وملهم الشعراء والمحبين. فكيف نشأ القمر وإلام سيؤول؟ وما هي مظاهر آثاره على الأرض؟

فرضية الاصطدام العملاق.. نعمة أبطأت سرعة دوران الأرض

إذا ما قبلنا فرضية الاصطدام العملاق (اصطدام كوكب بحجم المريخ بالأرض قبل 4,5 مليار سنة)، ورأيناها فرضية قوية قد ترقى يوما ما إلى نظرية إن زادت شواهدها المرصودة، فإن ثمة نتائج أخرى تترتب على تلك الفرضية، منها سرعة دوران الأرض قبل وبعد الاصطدام، ومنها ميل زاوية محورها، وهي الشواهد الأخرى التي ترتكز عليها الفرضية.

“فرضية الاصطدام العملاق” حيث كوكب بحجم المريخ اصطدم بالأرض قبل 4,5 مليار سنة فاقتطع منها القمر

فقد قدر علماء الجيولوجيا الفلكية أن الأرض قبل الاصطدام كانت تدور حول محورها مرة واحدة كل حوالي 4 ساعات، أي أنها كانت أسرع مما هي عليه اليوم بحوالي 6 مرات أو أكثر. لكنها بعد نشوء القمر، نشأت لها ذراع جديدة مكونة من القمر ومن المسافة بينه وبين الأرض، فألزمها ذلك أن تبطئ سرعة دورانها حول نفسها.

وتلك ظاهرة شهيرة نراها عادة حين تمد لاعبة التزلج ذراعيها أثناء دورانها حول نفسها، فتبطئ سرعة دورانها، فإذا ضمتهما زادت سرعة دورانها، وهو مبدأ فيزيائي شهير يدعى مبدأ “حفظ الزخم الدوراني”.

تجاذب الماء في البحار والمحيطات.. تأثيرات الشمس والقمر

تعد ظاهرة المد والجزر من أهم العوامل التي يؤثر بها القمر على الأرض، فجاذبية القمر أشد على الناحية القريبة للأرض من الناحية البعيدة، وهي تؤثر على كامل الكرة الأرضية بمائها ويابستها.

هذا التفاعل الجاذبي غير المنتظم بين الأرض والقمر، أدى عبر ملايين السنين إلى جعل القمر يدور حول الأرض بوجه واحد فقط، وذلك ما يعرف بـ”الانغلاق المداري” أو “التقييد المدِّي” (Tidal locking)، فلا نستطيع رؤية الوجه الآخر منه أبدا، وهذا ما حدث لكثير من أقمار المجموعة الشمسية مع كواكبها.

القمر يرينا وجها واحدا فقط بسبب “الانغلاق المداري” بينهما

وباستمرار الجذب المتبادل بين الأرض والقمر، إذا لم يفلت من قبضتها هاربا، فإن الأرض ستبطئ السير في يوم من الأيام، إلى أن تقف أمام القمر بوجه واحد، مثلما يفعل هو الآن، وكما هو حال نظام كوكب بلوتو وقمره تشارون، فكل منهما يدور حول الآخر ويواجهه أبدا بنفس الوجه.

ارتفاع الماء وانحساره.. آثار دوران الأرض وجاذبية القمر

تعد حركة المد والجزر إحدى الظواهر الطبيعية التي تحدث في البحار والمحيطات على سطح الكرة الأرضية. فالمد هو ارتفاع الماء في الأحواض المكونة للبحار والمحيطات، والجزر هو العكس، أي انحسار الماء. ومدى المد هو المسافة الرأسية في مستوى الماء بين أقصى مد وأدنى جزر.

وهناك قوتان أساسيتان مسؤولتان عن حدوث المد والجزر، هما: قوة الطرد المركزي للأرض نتيجة لدورانها حول محورها، وقوة الجذب المتبادلة بين الأرض والقمر من ناحية، وبين الأرض والقمر والشمس من ناحية أخرى.

أثر المد والجزر على مستوى الماء في جزيرة “فندي” بمقاطعة “كيبيك” الكندية

فأثناء دوران الأرض حول محورها، تتولد على سطحها قوة طرد للأشياء، وبما أن الماء مائع مرن، فهو يستجيب لتلك القوة، وتحرّك قوى المد كتل المياه الشديدة الضخامة. فعلى سبيل المثال، حين بحث العلماء ظاهرة المد والجزر في خليج فندي بمقاطعة كيبيك الكندية، وجدوا أن حوالي 100 مليون طن من المياه تتحرك يوميا، وتتأثر بقوى المد والجزر.

ومن الضروري أن نعلم بأن أثر الشمس في المد والجزر يختلف عن أثر القمر فيهما، فنسبة تأثير الشمس لا تبلغ إلا 30% فقط، في حين أن نسبة تأثير القمر تبلغ 70%.

المد والجزر.. رقص متناغم مع إيقاع الأطوار القمرية

بما أن القمر يدور حول الأرض مرة كل شهر، فإنه يجتمع بها وبالشمس مرتين، ليتشكل المد الأعظم، والمد العالي (Spring Tide).

فحين يكون القمر محاقا في بداية الشهر القمري، يكون القمر في نفس اتجاه الشمس، فتتحد قوى المد بتداخل قوتي القمر والشمس ليشكلا “المد الأعظم”. وبعد 14 يوما يصبح القمر بدرا في الناحية الأخرى من الأرض مقابلا للشمس، وحينها يحدث “المد العالي”، وهو أقل قوة من المد الأعظم.

الماء يتحرك منجذبا بسبب جاذبية القمر صانعا انبعاجا قريبا، وبسبب دورانها حول نفسها تترك الأرض خلفها انبعاجا بعيدا

وأما الجزر (Neap Tide)، ففيه تكون الأرض والشمس على خط واحد، ولكن القمر يكون عموديا على الأرض، أي أنه يشكل زاوية قائمة مع الأرض، ويحدث ذلك بداية الأسبوع الثاني وبداية الأسبوع الرابع من الشهر العربي، ويقل ارتفاع الماء بسبب تشتت القوى.

وبسبب المد وحركة الأرض حول نفسها، يحدث احتكاك مستمر بين الماء وسطح الأرض، فيتأخر دوران الأرض كل قرن بمقدار واحد ونصف ملي ثانية (جزء ونصف الجزء من الألف من الثانية كل 100 سنة)، ويُطرد القمر بعيدا في مداره حول الأرض لمسافة 3.8 سنتمترات كل سنة.

ميل محور الأرض.. سر تعاقب الفصول الأربعة وتفاوت الطقس

أما النتيجة الثانية المهمة فهي ميل محور الأرض، فاصطدام الكوكب “ثي يا” -حسب الفرضية- أدى إلى إمالة محور الأرض، حتى أصبح على ما هو عليه الآن، أي بزاوية 23.5 درجة.

وكانت هذه النتيجة خيرا على كوكبنا الأرضي، من حيث نشوء الفصول الأربعة وتعاقبها عليها، ولولا ذلك لبقي القطبان الشمالي والجنوبي متجمدين دوما، وباردين إلى ما دون الصفر المئوي بعشرات الدرجات.

بسبب ميلان محور الأرض بزاوية 23,5، درجة فإن الفصول تتعاقب على الأرض أثناء دورانها حول الشمس

ولولا ذلك لبقي خط الاستواء شديد الحرارة على الدوام، ولما انقلب الطقس في المنطقة الواحدة أبدا، ولكان مناخ الكرة الأرضية ثابتا، ولتكدس الناس عند خطوط العرض المتوسطة، ولما سكن أحد من البشر الشمال أو خط الاستواء.

اقتراب القمر.. خيال شاعري يحمل دمار الكوكب

قد يظن الشعراء الهائمون بجمال القمر وسطوع ضوئه ليلة البدر، أنه سيكون أكثر أُنسا ورومانسية لو كان أقرب قليلا، بل إن كثيرا من هواة الفلك يتمنون ذلك، فما أجمل أن تسافر ليلا على ضوء القمر، وأن تغني له وتسامره.

وما أجمل أن ترى تضاريس القمر من غير حاجة إلى تلسكوب، وما أجمل أن ترى تلك الفوهات التي أحدثتها نيازك جمة ارتطمت بسطحه قبل مئات الملايين من السنين، فتركت وراءها معالم في غاية الهدوء، تملأ وجهه المقابل لنا والبعيد، فأصبحت كأنها حقول زراعية دائرية.

لو اقترب القمر من الأرض أكثر، فإن جاذبيته ستغرق جميع المدن الساحلية بسبب التسونامي الهائل

لكن الحقيقة خلف هذه الأمنيات لن تكون أجمل مما هي عليه الآن، بل إن ذكرياته ستكون مؤلمة حزينة، فالقمر عالم قاحل لا حياة عليه ولا هواء ولا ماء، وقد ظن القدماء أن سهوله داكنة اللون بسبب الماء الذي يشكل البحار.

ولم ندرك خلاف ذلك إلا بعد اختراع التلسكوب، فرأينا الصحاري تلو الصحاري، والجبال الصماء تلو الجبال، لكننا لم ندرك الحكمة وراء كونه بعيدا أو صغيرا أو ربما قاحلا إلا في عصر متأخر، فماذا لو اقترب القمر؟

سؤال غريب، لكنه مخيف؛ فلو اقترب القمر أكثر مما هو عليه الآن (384 ألف كيلومترا)، لارتفعت مياه البحار كثيرا بسبب المد، ولتسبب ذلك في غرق جميع المدن الساحلية، بل لن تكون هناك مدن ساحلية أصلا، لأننا أتينا إلى الأرض بعد أن استقرت الحياة لنا، وهنئت بالماء والخضرة والغلاف الجوي والحرارة المناسبة.

عواصف الرياح والتفتت النيزكي.. نهاية مأساوية

لو اقترب القمر من الأرض لحدث أمر مخيف آخر، وهو أن الأرض ستسرع في دورانها حول محورها، ولن تعود تلك المركبة الرفيقة، بل إن الرياح ستعصف في كل مكان بسبب سرعتها، ذلك أن القمر والأرض يشكلان نظاما ثنائيا، فهما مرتبطان جاذبيا بسبب كتلتيهما، فإذا اقترب القمر منها اضطرها إلى أن تسرع في الدوران حول محورها.

مفهوم الزخم الدوراني ينطبق على سرعة دوران الأرض وبعد القمر عنها

ثم إن القمر في الحقيقة لا يقترب أبدا، بل إنه يبتعد يوما بعد يوم، فهو يهرب في مداره حول الأرض كل سنة لمسافة قدرها 3.8 سم، وبعد مليار سنة سيبتعد مداره عن الأرض 100 ألف كيلومتر أخرى، لكنه سيفلت في يوم ما من قبضتها إلى غير رجعة، لتعيش الأرض بعده بدون قمر. ولن يعود أحد يرى البدر بعد ذلك، إن بقي أحد.

كما أن اقتراب القمر إلى “حدّ روش” (على مسافة 3100 كيلومتر من سطح الأرض)، سيؤدي به إلى دمار تام، وتفتّت لا نهاية لعدد قطعه النيزكية، التي ستتخذ حول الأرض مدارا كحلقات زحل، وتدك الأرض بعدها دكا دكا.

باقتراب القمر 3100 كم أعلى سطح الأرض، سيبدأ بالتفتت قطعا بسبب جاذبية الأرض

فعند تلك المسافة (حد روش) تتغلب جاذبية الأرض على جاذبية القمر التي تعمل على تماسك شكله الكروي لتمزقه إربا إربا. فهل ترغب بعد ذلك في أن يقترب منا القمر؟