“قنبلة الوقت”.. ذكريات الرعب التكنولوجي الذي خيّم على أمريكا بداية الألفية

ربما لا يعرف كثير ممن وُلدوا في نهاية الألفية وما بعدها شيئا عن الخوف الحقيقي الذي ساد العالم تحسبا من وقوع كوارث في بداية الألفية الجديدة عند تبديل توقيت أنظمة الحواسيب الرقمية بأنواعها من عهد القرن الـ20 إلى القرن الـ21، وذلك بزيادة خانتين إلى خانات التاريخ بالسنة، بعد أن ظل التاريخ السنوي يكتب من خانتين فقط، فماذا سيحدث حين تحل ساعة الصفر ليلة ميلاد السنة الجديدة 2000، هل سيعود بنا التاريخ إلى سنة 1900 وربما المدنيّة كذلك؟

فقد كان يُخشى أن النظام الإلكتروني كله لن ينجح في تخطي هذه المشكلة، مع أنها تبدو هيّنة اليوم، وما كان سيعنيه ذلك من توقف الخدمات في المجالات التي تعتمد على الأنظمة الالكترونية.

نستعرض ذكريات تلك السنوات القليلة التي سبقت الألفية، في هذا الوثائقي الأمريكي “قنبلة الوقت.. العام 2000” (Time Bomb Y2K)، وهو من إخراج “برايان بيكر” و”مارلي ماكدونالد”، وقد أُنتج عام 2023، ورُشح لجائزة أفضل فيلم وثائقي في مهرجان ناشفيل السينمائي، ومهرجان رايفر ران السينمائي الدولي.

يستعيد الفيلم الخوف الذي ساد العالم سنوات قليلة، وكبّد حكوماته مئات الملايين من الدولارات، لمواجهة مشكلة لم يكن يُحسب لها حساب في عصر بناء النظم الإلكترونية لأجهزة الحواسيب، وظهرت فجأة مع اقترابنا من نهاية الألفية الثانية.

شبكة الإنترنت.. أرشيف من افتتاح العالم الذي نعرفه اليوم

يمهد الفيلم لموضوعه الأساسي بمشاهد أرشيفية لدخول الإنترنت الفعلي في حياتنا، مع بدايات عقد التسعينيات، وتظهر في تلك المشاهد شخصيات لعبت أدوارا مهمة للغاية في تشذيب العالم التكنولوجي الذي نعيشه اليوم، منهم “ستيف جوبز” مؤسس شركة “أبل”، و”بيل غيتس” مؤسس شركة “مايكروسوفت”، و”جيف بيزوس” مالك شركة “أمازون” اليوم.

الرئيس الأمريكي بيل كلينتون ونائبه آل غور يدشنان مكالمة فيديو في إحدى مدارس كاليفونيا

ويظهر في مشهد أرشيفي ممتع الرئيس الأمريكي السابق “بيل كلينتون” ونائبه “آل غور”، وهما يزوران مدرسة ابتدائية في ولاية كاليفورنيا الأمريكية ترتبط أول مرة بالإنترنت، ويشرف الرئيس على مكالمة فيديو بالإنترنت مع مدرسة أخرى، وتلك سابقة في ذلك الوقت على النظام التعليمي الأمريكي.

يكشف الرئيس الأمريكي في ذاك المشهد، عن أن مكالمات الفيديو عبر الإنترنت كانت متاحة حتى ذلك الوقت للجيش الأمريكي حصرا، وأنه أجرى بعض المكالمات مع قادة الجيش، وأنه سعيد وفخور للغاية بأنها ستكون متوفرة للجميع.

انهيار العالم الإلكتروني.. رعب يملأ نشرات التلفاز

بدون تعليق صوتي أو استعانة بأي مشاهد حديثة، يغوص الفيلم الوثائقي في مئات من الساعات الأرشيفية، فينتقي منها مادته التي تعكس علاقة العالم الحذرة بالإنترنت، وتتحول بعض المشاهد في مواضع أخرى إلى متاهات من الصور، تنقل أجزاء داخلية من النظم الإلكترونية، فتشبه أحيانا قلب العالم التكنولوجي الذي نعرفه، ويمكن أن يصيبه العطب ويتوقف، شأنه شأن قلب الإنسان.

الأمريكي “بيتر دي ياغر” الذي تحول الى وجه الأزمة

لم يشأ الفيلم أن يشرح أو يبسط الأزمة التي يقاربها لمشاهديه، بل بقي أمينا للأسلوب الذي اختاره، وترك المجال لشخصيات ونشرات أخبار تلفزيونية من نهاية التسعينيات، لتصف المشكلة وتلامسها، كل بأسلوبه وحسب المعلومات المتوفرة وقتها عن القضية.

يبرز من تلك المشاهد الافتتاحية خبير تكنولوجي أمريكي يدعى “بيتر دي ياغر”، وكان وجه هذه الأزمة في الولايات المتحدة، وأصبح شخصية إشكاليّة، لا سيما بعدما ظهر أنه كان يريد الانتفاع من الأزمة وتلميع اسمه والثراء منها، وذلك حين بدأ بيع منتجات تذكارية ذات علاقة بالموضوع.

“منتجات ما بعد الكارثة”.. هاجس العودة لما قبل التكنولوجيا

تتضح الصورة تدريجيا حول أبعاد المشكلة التي يتناولها الفيلم، وهي تبدو هينة أو تافهة، لكن حين يتكلم الخبراء عنها تكتسب جدية كبيرة، وأحيانا خطورة وآنية. ويشرح مذيع تلفزيوني أمريكي بإثارة مبالغ فيها الآثار التي يمكن أن يسببها توقف خدمات مثل الكهرباء والماء والطيران، ثم يعود ويختصر كل شيء بأن هذا يعني أننا سنرجع إلى عصر ما قبل التكنولوجيا.

استعدادا لاستقبال كارثة العام 2000، الناس يقبلون على شراء حاجياتهم بنهم

عصر ما قبل التكنولوجيا هو ما اختاره أمريكيون دفعهم الفزع من الكارثة المحتملة إلى تغيير طرق حياتهم قبل أن يقع المحظور، وقد نقل الفيلم ذلك من تقارير تلفزيونية من تلك السنوات، فظهر أمريكيون انتقلوا إلى مناطق نائية، وبدؤوا تعلم مهارات جديدة من عصور ما قبل التكنولوجيا، ونقل بعضهم عوائلهم إلى تلك المناطق البعيدة، ليكونوا مستعدين للقادم الغامض.

وهناك أيضا من أراد الانتفاع من هذا الوضع الغريب، فقد بدأت شركات أمريكية ببيع منتجات وأجهزة يمكن أن تعين البشر على البقاء في ظروف صعبة بعد انقطاع الماء والكهرباء، وتوقف طرق توزيع الغذاء والدواء. وتظهر مشاهد أرشيفية أمريكيين يقبلون على أسواق تبيع ما يسمى “منتجات ما بعد الكارثة”.

تغطية التلفزيون.. رصد قضية تغلغلت في الحياة اليومية

يأخذ الفيلم خطا زمنيا تصاعديا باتجاه اليوم الأخير من عام 1999، ويضع يده على عشرات الفيديوهات الأرشيفية، لكنه وجد طريقة جديدة لزيادة إثارتها، وذلك بوضع عداد زمني يحسب الأيام الباقية عن اليوم الأخير من الألفية الثانية.

عُرض بعض هذه الفيديوهات أثناء التغطيات التلفزيونية للقضية، وبعضها عرض أثناء برامج تخص هذه المشكلة، وقد بدأت تتغلغل ببطء إلى وعي الناس العاديين في الشارع.

أمريكيون يشاركون شبكات التلفزة بآرائهم بشأن الكارثة المحتملة

وفي مونتاج سريع، ينتقل الفيلم بين شهادات أمريكيين يتناولون هذه الكارثة المحتملة، وتبين شهاداتهم مدى تغلغل القضية في حياة الناس اليومية، فقد عبر بعضهم عن غضبه من تقصير الحكومات في التنبه للمشكلة مبكرا، وتناول آخرون الآثار المترتبة عن توقف النظم التكنولوجية أمريكيا.

وقد مرَّ المونتاج بسرعة على مشاهير وهم يتناولون خطورة القضية بجدية وأحيانا بسخرية، منهم النجم السينمائي “مات ديمون”، وكان قلقا جدا مما قد يحدث، ودعا إلى معالجة جديّة فورية.

إشاعة الخوف من التكنولوجيا.. لعبة أجّجها الإعلام

يبرز الفيلم سردية علاقة الإنسان المعقدة مع التكنولوجيا، وهي ما تنفك تلازم أي تواصل أو انقطاع بين البشرية والتكنولوجيا في القرنين الماضين. ويختار الفيلم في هذا المجال حوارات مع مختصين وفلاسفة، يعودون إلى بدايات التصادم مع التكنولوجيا، عندما بدأت تزاحم الإنسان في مجالات العمل قبل قرنين، ومع بداية الثورة الصناعية في العالم الغربي.

وقد سعى بعض المتحدثين في المواد الأرشيفية إلى تفسير تعقيد هذه العلاقة، وأن كثيرين يستشعرون كل التغييرات والتحديات في علاقة الإنسان بالتكنولوجيا، لتأكيد مخاوفهم النمطية من التكنولوجيا، وأن مشكلة تغيير التاريخ للألفية الجديدة مثلت فرصة مثالية للبعض لإشاعة الخوف من التكنولوجيا، وأن الحل الوحيد هو الهرب منها أو تحديد علاقتنا بها.

إشاعات كارثة نهاية الألفية الثانية.. هل تتوقف الكرة الأرضية عن الدوران؟

ترافق مشاهد أرشيفية خبيرا تكنولوجيا أمريكيا، اختار الانعزال مع زوجته في منطقة صحراوية، تحسبا لانهيار الحضارة، وقد أحاط بيته بأسلاك شائكة عالية، ووضع لافتة كبيرة بأن أهل البيت مسلحون، لإخافة الغرباء، ولم يفصح الخبير عن الأسباب الذي جعلته يضع حياته المهنية وخبراته جانبا، ويختار حلا جذريا بالانعزال.

أما الإعلام الأمريكي نفسه، فقد كانت بعض مؤسساته تبحث عن الإثارة، فبدا متورطا بصب الوقود على الخوف المشتعل في المجتمع، وقد نقل الفيلم تغطيات مبالغة في إثارتها، وغير مسؤولة في تناولها للتحدي الذي كان ينتظر الولايات المتحدة، وأحيانا تعمّد الإعلام المسّ بعصب الخوف الحساس من التكنولوجيا عند بعض الناس، وردّد عبارات مثل الكارثة القادمة، والفشل التقني سيشل العالم.

“لن أركب أي طائرةٍ الأيامَ القادمة”

يهتم الجزء الختامي من الفيلم باليوم الأخير من الألفية الثانية، وكان يوما استثنائيا على كل حال، بعيدا عن الخوف من الكارثة التكنولوجية، ويعرض الفيلم مادة أرشيفية شيقة عن انتظار اليوم الأول من الألفية، فنرى أناسا يستعدون للاحتفال بيوم السنة الأخير في بيوتهم، ولكن القلق حاضر في مناخ تلك الاحتفالات.

احتفالات ليلة رأس السنة الميلادية من ساحة “تايم سكوير” الشهيرة

يقول أمريكي في منتصف العمر لإحدى المحطات الإخبارية: “لن أركب أي طائرةٍ الأيامَ القادمة”. في حين فضل آخرون ملازمة البيوت تحسبا لأي ظروف مستجدة، ويصبح “تايم سكوير” في مدينة نيويورك قلب الولايات المتحدة وقلب الفيلم أيضا، إذ سيكون التجمع هناك للاحتفال بنهاية الألفية.

يعرض الفيلم مشاهد مختلفة من ساحة “تايم سكوير” الشهيرة، بموازاة تغطيات تلفزيونية متواصلة، تعيد التذكير بما ينتظر العالم خلال ساعات، فقد جاء كثير من الذين كانوا في الساحة من مدن أمريكية بعيدة، ولم يمنعهم القلق والبرد من الاحتفال وترقب العام الجديد.

دروس الحدث التاريخي

اتجهت الأنظار في الدقائق الأخيرة من زمن الفيلم إلى عقارب الساعة، فكانت تواصل الدوران حول العالم باتجاه بداية ألفية جديدة، وينقل الفيلم أن العالم حبس أنفاسه مع حلول أولى دقائق العام الجديد في نيوزيلندا، وهي الدولة الأولى التي استقبلت الألفية الجديدة، بحكم موقعها الجغرافي.

يخاطب مذيع أمريكي مشاهديه بارتياح ظاهر، فيقول: “لا شيء حدث في نيوزيلندا”. وكذلك شأن دول أخرى منها أستراليا ودول كثيرة، وكلما تغير موقع الكرة الأرضية ودخلت دول جديدة في الألفية الثالثة.

غلاف مجلة التايم الأمريكية يتحدث عن نهاية العالم سنة 2000

أما قلب أمريكا النابض في ساحة “تايمز سكوير”، فقد بدا غير مكترث بما يحدث، فكانت الجموع تحتفل بحماس واضح تحت سطوة البرد والإجراءات الأمنية المشددة، والتغطيات الإعلامية الأمريكية التي حذرت من أعمال إرهابية داخلية وخارجية، يُمكن أن تصيب قلب الولايات المتحدة الذي مثلته الساحة تلك الليلة.

وقد شكلت الدقائق الأخيرة ذروة وتحولا عاطفيا على صعيد السرد في الفيلم، وكان في معظمه حتى ذلك الحين يميل إلى استخدام المادة الأرشيفية لاستعادة أحداث تلك السنوات، لكن الدقائق الأخيرة تجنح للبحث عن عبرة أخلاقية في الحدث التاريخي.

تحذيرات جادة من كارثة الألفية الجديدة على شركات التكنولوجيا

فقضية الكارثة التكنولوجية المنتظرة، قرّبتنا من بعضنا نحن البشر، فانشغلنا بالبحث عن حل جماعي لمشكلة كونية، كما دفعنا التهديد المحتمل للتفكير بعلاقتنا ببعضنا وبالعالم وبالكرة الأرضية.

ويمكن القول إن هذا الوثائقي ينتمي لفئة الأفلام التي تتألف مادتها من الأرشيف، ويكمن تحدي صانعي هذه الأفلام في إيجاد البناء النفسي والتاريخي والدرامي من هذه المادة، وهو أمر ربما يشكل صعوبة لدى بعض السينمائيين، لكنه فرصة لآخرين للنبش في المادة الأرشيفية وفهمها العميق، وإعادة إنتاجها بطزاجة وآنية، مثلما فعل مخرجا الفيلم الوثائقي “قنبلة الوقت.. العام 2000”.