“ألف لهب”.. عندما يتصبب عرق الفقراء في جيوب الكهنة والمنجمين

تدور أحداث هذا الفيلم في بلدة “داهات بين” في ميانمار، وتحكي قصة عائلة فقيرة، تعمل على استخراج النفط من آبار محلية بدائية، يحفرها أهل القرية بمحركات حفر صغيرة، ومضخات بسيطة تدار بالوقود.

وقد شاركت في إنتاج الفيلم الجزيرة الوثائقية، وعرضته على شاشتها تحت عنوان “ألف لهب”، وهو يرصد صراع أجيال، تدور رحاه بين جيل الآباء الذين يكدحون ويجدّون، لتحصيل قوت عائلاتهم بالوسائل القديمة المتاحة، من زراعة واستخراج نفط وبعض التجارات اليسيرة، وبين جيل الأبناء الذين يريدون الكسب السريع والوفير، مقابل بذل أقل مجهود.

يسلط الفيلم الضوء على طبقة أخرى مختلفة من هذا المجتمع البوذي، وهم طبقة الرهبان ورجال الدين والكهنة والمنجّمون، فهم يكسبون أموالا وفيرة باسم “بوذا”، وبدعوى طرد الأرواح الشريرة، وشفاء الأمراض، والتنبؤ بالمستقبل، وتوجيه العامّة إلى ما يجلب لهم الحظّ الوافر وحسن الطالع.

استخراج النفط

يستخرج “ثين شوي” كمية ضئيلة من النفط الخام، وتساعده زوجته “هوي تين” في تصفيتها بطرق بدائية من المياه والأتربة والشوائب العالقة بها، ثم يعبئونها في براميل معدنية ودنان بلاستيكية، ويبيعونها في المدينة عن طريق الوكلاء، ويحتفظ الوكلاء لأنفسهم بمعظم الأرباح، ثم يرمون بالفتات لهذه العائلات الكادحة.

بطرق يدوية بدائية يستخرج سكان قرية “داهات بين” في ميانمار النفط بكميات ضئيلة

ولا يخلو هذا العمل من الخطر الجسيم أحيانا، فقد تشبّ حرائق في القرية بين الفينة والأخرى، لسوء احتياطات السلامة شبه المنعدمة أو تدنيها في عملية الاستخراج المحفوفة بالخطر هذه، وتُطفى بطرق بدائية كذلك بالماء والتراب، فليست في القرية محطات إطفاء محترفة، بل إنها بعيدة عنها تماما.

بيوت بسيطة جدا من قش وأخشاب يسكنها مستخرجو النفط الفقراء

ومنازل القرية مبنية من أغصان الأشجار وجذوعها، ومسقوفة بأغطية بالية من البلاستيك وقطع القماش، وتتشارك العائلة هذه المساحة الضيقة بكبارها وأطفالها وحيواناتها ومعدات الحفر والضخ وبئر النفط، وعندما تعدو عليها مياه الفيضان أو الأمطار الغزيرة، فإنها لا تخلف سوى الدمار والكثير من المآسي.

حديث مع كاهن البلدة

في أغلب الأحيان لا يتسنى للعائلة إلّا استخراج القليل من النفط يوميا، فكثيرا ما تتعطل آلات الحفر والضخ، وحينها يضطرون للتوقف عن العمل يوما أو يومين، ريثما يصلح رب الأسرة الآلة، وهو لا يسلم أبدا من تذمّر زوجته المتطلبة دائما، فتعايره بأن الجيران لديهم آلات حديثة، ويستخرجون أضعاف كميات النفط التي يستخرجها هو.

الراهب يطمئن الرجل وزوجته بأن تجارتهما ستزدهر يوما

كان لا بد حينها من الذهاب إلى أحد الكهّان في البلدة، علّه يرشدهما إلى أنجع الطرق لتحسين أدائهم ودخلهم، فقال للزوجة إنّ لديها حظا وفيرا في تجارة النفط، ولكن عليها أن تبذل مزيدا من الجهد للنجاح، كيف لا، وهي صاحبة القرار، والآمرة الناهية في الأسرة.

ثم قال موجها كلامه لها: لا تغضبي، وحاولي السيطرة على ردود أفعالك.

ثم قال للزوج “ثين شوي”: عليك أن تتحكم بعقلك، وتهتم بدينك، ولا تغضب، أكثر من الصلاة والعطايا للرب، وسوف تحلّ عليك بركته.

يحملان برميل النفط ليبيعانه في السوق بثمن بخس

واشتكت الزوجة “تين” من أن الآلات تتعطل كثيرا، أما زوجها فقد أمّن على كلام الكاهن، وأخبره أنه يصلي صباح مساء، ويحرص على تقديم الماء قربانا لبوذا، وأنه يحسن الظن دائما بالآخرين، ولكنهم كثيرا ما يعاملونه معاملة سيئة.

مستقبل مشرق ينتظر ابنا عديم الفائدة

بينما كان الزوجان عند الكاهن، تذكّر الزوج ابنه الأصغر “زين كو وانغ”، وقال للكاهن إنه يتمنى أن يشتري له درّاجة نارية، ولكن الولد لا يساعد أبويه في عملهما الشاقّ، ولا يبدي أي اهتمام يُذكر بالدراسة والتحصيل العلمي، بل جلّ اهتمامه منصبّ على الرياضة وكرة القدم، ويحلم دائما أن يحترف في ناد مشهور، ويجني الكثير من المال.

لا يحب الابن إلا كرة القدم، ولا يساعد والديه في عملهما في النفط

فطمأنه الكاهن أنه سوف يجد درّاجة نارية أو سيارة في هذا العام، وأن ابنه ربما يكون له دور في العناية بوالديه، وإغنائهما في المستقبل. وكل ما عليه فعله الآن أن يبذل مزيدا من الجهد في العمل، ولا يدع الإحباط يتسرب إلى نفسه، ثم عليه أن لا يكون جشعا طماعا، وكل شيء سيكون على ما يرام.

عوائد قليلة يجنيها الفقراء باستخراجهم النفط في مقابل أرباح كبيرة للسماسرة

لم يستخرج “تين” وزوجته أمس إلا 3 غالونات فقط، وقد استخرج بعض الجيران أكثر، فلديهم معدات جيدة ويحفرون بعمق أكبر. ففي هذا الشهر باع “تين” 4 براميل فقط، ولكنه لم يجد ثمنها كاملا، وأما ابنهما “زين” فهو لا يقدم أي مساعدة لوالديه، وهو مشغول بكرة القدم فقط.

حرقة في وداع ابن اختطفته الرياضة

استسلم الوالد للأمر بعد لأي، وقرر مساعدة ابنه الصغير في البحث عن ناد يضمه إلى صفوفه، ولكن الولد خبير بكواليس الرياضة، فأخبر أباه أن مكتشفي المواهب هم الذين يزورون القرى والبلدات، ويكتشفون اللاعبين الموهوبين، الذين يستحقون الانتقال إلى النوادي في المدينة، وطلب من أبيه أن يريح نفسه من هذا العناء، وأنه سيبذل قصارى جهده ليلفت نظر هؤلاء المكتشفين.

سيغيب الابن عن والديه سنة كاملة بسبب اختياره اللعب في فريق المدينة

وقد اختير الشاب “زين كو وانغ” ضمن لاعبين سيسافرون إلى البلدة المجاورة لاختبارات اللياقة، تحت إشراف مدرب كرة القدم في نادي “راخين”، وستنطلق الحافلة من ماغواي في الخامسة صباحا، وسيرافقه والداه لتسلميه للمدرب والاطمئنان عليه.

وقد خاطبهم المدرب جميعا بلهجة صارمة: اقطع علاقتك بعائلتك، وركّز على تحقيق هدفك، وأنتم لا تقلقوا بشأنه، نحن سنهتم به، ودّع عائلتك والتحق بالأولاد، هم سيساعدونك.

وبذا ترك المدرب الوالدين المشفقين يودعان ابنهما بحرقة ولوعة، فسوف يغيب عنهما عاما كاملا، لا يريانه فيه.

بضاعة المنجّمين

مضت بضعة أسابيع، ثم توجّه الوالدان إلى منجّم آخر، يريدان أن يطمئنا على مستقبل ابنهما، فبادرهما قائلا: لا تقلقا، يبدو طالعه جيدا، ولكنه لن يكمل دراسته، وسوف يتزوج قريبا.

يتساءل الوالد: ولكن ماذا سيعمل؟ وما هو العمل الذي سينجح فيه وهو ابن 18 عاما؟

قرابين وتمائم يدفع ثمنها الفقراء للكهنة في المعبد

فقال المنجم: مهما كان عمله فسوف ينجح فيه، إنه مولود يوم الثلاثاء، لكن اسمه غير متوافق مع يوم مولده، ربما عليك أن تغيّر اسمه.

فسأل الوالد: هل سينجح في مجال الرياضة؟ عائلتنا زراعية ولكنه لا يحب الزراعة، ولا أي عمل فيه مشقة، لأنه يريد كسبا سريعا بأشياء سهلة، ولقد أرسلناه إلى نادي “راخين” لكرة القدم، وسوف يمكث عاما هناك.

أمام شموع المعبد تجلس عائلة “تين” للصلاة لولدهم

وهنا تحين فرصة المنجم لاستدرار عطفهما على ابنهما، وكسب ما يريد من المال، فيقول: عليكما أن تصنعا له تميمة ليتحقق له النجاح، وأنا سوف أصنعها لكما، وأنت يا “تين” عليك أن تشعلي له شمعة في المعبد، وتصلي من أجله.

قباب وتماثيل مذهبة بعرق الفقراء

هكذا إذن تستغلّ المعابد البوذية جهل الناس وحاجتهم، لتحقيق أحلامهم الصغيرة، من أجل جمع المزيد من الأموال والقرابين المادية.

معابد مشيدة بجوار قرى بائسة فقيرة

وبينما نرى المعابد الشامخة، وقبابها المذهبة، وتماثيل بوذا الضخمة الذهبية، يعيش معظم الفلّاحين في القرى الزراعية فقرا مدقعا، وتتفشى فيهم الأمراض المعدية، ولا يكادون يجدون قوتهم.

فهذا يوم عيدهم الكبير، والأطفال يزينون وجوههم بالرسومات الزاهية، ويلبسون الملابس البيضاء الموشّاة بالخيوط الذهبية، ويلبس الرجال والنساء ثيابا دينية، يغلب عليها اللونان الأحمر والأصفر، ويتوجه الجميع صغارا وكبارا ورجالا ونساء إلى المعابد، وهناك يحلق الرهبان رؤوس الأطفال ويلبسونهم ملابس دينية، ويؤدون طقوس الولاء والإخلاص لبوذا، بتوجيهات من كبار الرهبان.

ضربة الفيضانات والعواصف

يستذكر “تين هوي” معاناتهم اليومية لاستخراج النفط في الماضي، فقد كانت الحكومات تمنعهم من الحفر والضخ، وكانت الشرطة ورجال الإطفاء يلاحقونهم، فيجمعون أدواتهم اليسيرة ويهربون. يتذكر كل هذا، وقد عطلت الأمطار الغزيرة والفيضانات والعواصف مولّد العائلة الكهربائي الصغير، وعليه الآن أن يشتري مولدا جديدا.

زينة الأطفال في الأعياد البوذية في ميانمار

عاد “تين” للتو من المركز الصحي، وكان يعالج جرحا غائرا في ساقه، ويشكو للطبيبة أنه -مع جرحه- لا بد أن يعمل كل شيء بنفسه. وفي المنزل أرشدته زوجته إلى المرهم الذي ينبغي أن يستخدمه، حتى لا يلتهب الجرح.

أما ابنتهم فهي تهمّ بمغادرة المنزل مع زوجها وابنتها الصغيرة، لتترك والديها وحيدين في البيت، ينتظران أحدا من الأولاد يطرق عليهما الباب من جديد.


إعلان