“شرر من الضواحي”.. سياسات عنصرية تتنكر لمبادئ الثورة الفرنسية

مشهد فرنسي من القرون الوسطى بعد أحداث الضواحي في فيلبي لوبال: فرنسيون يتظاهرون من أجل دعم المساواة والعدالة والحرية، واتهامات للقضاء بالتواطؤ مع الشرطة.

ثمة من يقول إن الأغنياء في فرنسا يسيطرون على كلّ شيء، ويحرمون الفقراء حقوقهم في الحياة. وهي سياسة العزل والتهميش التي تجعل اللون والجغرافيا والدين عوامل النجاح، وبخلاف ذلك، يجد المرء نفسه في درجة الحرمان والممنوعات الطبقية.

يتابع الفيلم الوثائقي “شرر من الضواحي” -الذي عُرض على قناة الجزيرة الوثائقية- المواطن الفرنسي علي السومري، ذا الأصل الأفريقي، بعد أحداث الضواحي العام 2010، ومن خلاله يتقصّى أسباب ونتائج تلك الأحداث.

علي السومري.. خطاب المبادئ الفرنسية في وجه الكراهية

علي السومري هو الناطق الرسمي باسم عوائل الضحايا، ومرشح الحزب الاشتراكي في انتخابات المجلس البلدي لمنطقة فيلبي لوبال، ويعد هذا الترشيح ردّ فعل على نتائج أحداث الضواحي، التي حرفت أسبابها ونتائجها لصالح اليمين الفرنسي.

فيلم “شرر من الضواحي”

وتشترك -بحسب الفيلم- الشرطة والقضاء الفرنسي والإعلام لتشويه القضية، وتقديمها على أنها جريمة جنائية. لكن علي السومري يتبنى ردّ فعل مغاير للعنف مخاطبا الفرنسيين بمبادئهم، وهي السلمية والمشاركة السياسية والاندماج في المجتمع، على الرغم من كل الإكراهات التي يتعرض لها المهاجرون.

وتبدأ القصة بعدم امتثال مهاجريَن يقودان دراجة نارية مسروقة للإشارات الضوئية والتصادم مع الشرطة، ثم تتطور القصة إلى خلفية جنائية، وتساهم وسائل الإعلام العالمية والفرنسية في تأجيج المشكلة، حيث يعرض التلفزيون صور السيارات المحروقة والصدامات، كأن الضواحي ساحة حرب حقيقية.

في حين يتحاشى الإعلام عرض وجهات نظر وشهادات الطرف الآخر.. ” كانت الفتنة نائمة وأوقظت”. فعندما يكون القوي هو من يمتلك الإعلام والمال، فعندئذٍ سيستطيع تزوير كلّ شيء. والأنكى هو مشاركة القضاء الفرنسي الشرطة في التزوير باعتقال بعض ناشطي منظمات المجتمع المدني.

عالم الضواحي.. مهاجرون في أحياء العنصرية والتهميش

بعد أن تطورت القضية وأصبحت مشكلة رأي عام وحقوق مدنية وعنصرية فاضحة، عُدّلت إفادات الشهود في قصر العدالة من دراجة مسروقة إلى غير مسروقة، ومن انتهاك الإشارة الضوئية إلى عدم وضع الخوذة الواقية عند قيادة الدراجات، وصولا إلى عدم جلوسهما بشكل صحيح.

الأفريقي علي سومري.. عضو المجلس البلدي بفرنسا

كأن من لديه بشرة سوداء أو مهاجر أو من خلفية غير فرنسية هو متهم دائما من طرف الشرطة واليمين المتطرف. ولا يركز الفيلم على أحداث الضواحي فحسب، إنّما يتوغل في عرض الأسباب ومعاناة الشباب المهاجرين والبيض المنحدرين من دول الاتحاد الأوروبي أيضا.

كما يستعرض معاناة سيدة أوروبية، بسبب سكنها في الضواحي المهمشة، فالجغرافيا تصير مسبّة بجانب العرق واللون والدين المغاير، مما يضطر بعض الشباب إلى تغيير عناوينهم من الضواحي إلى مدينة باريس عند تقديمهم رسائل التعيين مثلا، لكي تلبى طلباتهم.

“أن تولد في فرنسا لا يعني أن تحب فرنسا”

كشف ترشيحُ علي السومري لانتخابات المجلس البلدي طبقاتِ العداء والتعالي. يقول علي: لا يحقّ للزنجي المشاركة في السياسة، فهي حكرٌ على الفرنسيين، لهذا يدخل المهاجر منطقة محرّمة.

ويشمل عزلُ المهاجرين الوظيفةَ والمشاركة السياسية والعيش الكريم. وتعاني الضواحي -وهي مناطق عزل حقيقية- من التهميش العمراني حتى، فهي تختلف جماليا عن باريس التي عجزت عن استقبال المهاجرين الأوائل، فسكنوا الضواحي في مجموعات بشرية متشابهة عرقيا ومصيريا، إذ تمتلك الضواحي أسواقها الخاصّة ومؤسساتها ونظامها الاجتماعي المختلف عن المدن الفرنسية الحضرية.

الشابان المهاجران اللذان قُتلا على يد الشرطة الفرنسية بسبب مخالفة مرورية

وتتباين الأفكار باختلاف مستوى المعيشة، فالغني لا يفكر بهواجس الفقير، حتى أن فرنسيا أبيض يعترض على ترشيح علي السومري من دون ذكر الأسباب، فالفرنسية بنظره هي الولاء لا غير: “أن تولد في فرنسا، لا يعني أن تحب فرنسا” فالفرنسية إذا، بحسب هذا التفكير غير المواطنة.

دعاية الساسة.. عودة فرنسا إلى العصور الوسطى

الولاء مفهوم أيديولوجي شوفيني يعنى الانتماء العمودي من دون الاعتراض على سياسة البلد، أي الخضوع الكامل. أما المواطنة فهي المشاركة في الوطن والانتساب إليه وإلى الآخر أفقيا، وهي تتوّسع باستمرار شاملة قضايا عدة منها: المحافظة على النظام، صون كرامة البلد ومواطنيه والعمل معا، ويقتنص اليمين فرصة ترشيح علي السومري، ليدّقق في خلفيته الجنائية معتبرا ترشيحه محسوبية.

كما يعد اليمين الفرنسي كلّ مجرم -وإن كان مولودا في فرنسا- غير فرنسيّ. فالتفكير الملائكي بالعرق واللون والدين، المُعادي لتعاليم الجمهورية الفرنسية، يعيدها إلى العصور الوسطى. ويستعمل اليسار الفرنسي المهاجرين دعاية انتخابية أيضا، فلديه أحيانا العنصرية والنظرة الأمنية المتطرفة، لكن بدرجات متفاوتة.

وبخصوص تصريح وزير الداخلية الفرنسي بطرد كلّ من يهدّد فرنسا دفاعا عن الإسلام، فبناء على ذلك ينقسم أمن الوطن فرنسا إلى ديني مسيحي وإسلامي ويهودي، وليس إلى أمن وطني مشترك، يصونه الجميع بغض النظر عن خلفياتهم.

عنف الأزمات.. حسرة على وضع الجمهورية

يستعمل الفيلم شهادات متنوعة مع المهاجرين أو ضدّهم وصورا من التلفزيون الفرنسي، إضافة إلى لقطات من الندوات السياسية والحياة العامّة، متابعا كدح علي السومري في حملته الانتخابية، ويتجلّى التضامن معه فرنسيا بعيدا من العرق والدين، تضامن المواطنة، لا الانتماء العقَدي.

ويتحسّر بعض الفرنسيين على وضع الجمهورية في القرن الحادي والعشرين، إذ يتعارض مع قيم الحرية والمساواة والتشاركية. يقول “فولتير”: التسامح هو النتيجة الحتمية لإدراكنا أننا لسنا معصومين من الخطأ.

جماهير في الشوارع اعتراضا على تهديد الرئيس ساركوزي بسحب الجنسيات من المهاجرين الذين يتعرضون للشرطة

ويعترف علي السومري بوجود الخطأ في كلا الطرفين، فالكل يساهم من جانبه في التطرف والعنف عندما تشتّد المشكلة بدل احتوائها، مما يعني أن مدنية الإنسان ناقصة، وتحتاج مزيدا من التسامح والقبول.

معضلة الضواحي.. خلل اجتماعي يفضح السياسة الفرنسية

يُلخص التعليق في فيلم “شرر من الضواحي” المشكلةَ للمُشاهد، عارضا وجهات النظر المتباينة من دون محاباة، ومتعاونا مع السيناريو المكتوب بعناية وبحث جيد غير مهتم بالتأويل، بل بالدخول إلى المأساة تفصيليا وبالاستقصاء ميدانيا من جهة المهاجرين، أو من الجانب الفرنسي المتمثّل بالمواطن والسياسي.

ويشعر المتابع أن مشكلة الضواحي ساهمت في كشف سياسات اليمين بشكل عام والسياسة الرسمية الفرنسية ضدّ الهجرة في حكومة “ساركوزي” بشكل خاص، في بلورة سقوطها مع عوامل أخرى ومجيء حكومة يسارية.

وهكذا تتحوّل معادلة التهميش إلى شراكة وتقرير مصير مشترك. شراكة مصير، لا يُستغنى عنها. ويحقّق فوز علي السومري بانتخابات المجلس البلدي حلم مهاجر مهمّش. إذ لا بدّ أن يتحقّق حلم الإنسان، سواء في الحلم ذاته، أم في واقع الكدّ والتفاني.