“مطاردة اللجوء”.. كاميرا خفية تكشف فظائع أستراليا ضد المهاجرين

“مطاردة اللجوء” (Chasing Asylum) هو فيلم وثائقي لا تريدك الحكومة الأسترالية أن تشاهده، لأنه يعبر عن مضمونه بدقة. ففيلم المخرجة “أيفا أورنير” هو بحق فضيحة وكشف لانتهاكات السلطات الأسترالية الصارخة ضد طالبي اللجوء عندها، وما تسجله كاميرتها الخفية من وقائع لحياتهم في معسكرات معزولة من العالم، لا ترغب أي سلطة -مهما بلغت من قسوة- أن يطلّع العالم عليها ويعرف ما يجري فيها.

حصل منجز المخرجة “أورنير” حتى الآن على جائزتي “أيمي” و”حقوق الإنسان الأسترالية”، وقد وضع دولتها أمام أسئلة صعبة شككت بقيَمها الإنسانية وصدق التزامها بالأعراف والقوانين الدولية المنظمة للعلاقة بين طالب اللجوء، وبين البلد الواصل إليه مجبرا، وفي الغالب بطرق غير شرعية.

وهو تعبير صار العالم يعرف -من خلال موجات الهجرة الجماعية- شكليته وإمكانية تجاوز مضامينه، لكن السلطات الأسترالية تصرّ على التشبث به وترسل عبره رسائل واضحة لمن يحلمون بالوصول إليها، بأن لا فرصة لهم فيها، وإذا ما وصلوا إليها عبر المحيط الهائج، فلن يبيتوا ليلة واحدة فوق أراضيها الشاسعة، بل إنهم سيُرحّلون إلى دول أخرى أو جزر نائية معزولة عن العالم، تذكرنا فظاعات الحياة فيها بفيلم “فراشة” (Papillon) لـ”فرانكلين شافنَر”، بل إنه أكثر فظاعة منه، لكون ما نشاهده واقعا وليس خياليا.

معسكرات اللاجئين.. كاميرا خفية تسجل الفظائع

تنطلق المخرجة الأسترالية لتسجل ما يمنع تسجيله، من حقيقة عدم وصول أي قارب للمهاجرين إلى السواحل الأسترالية خلال السنوات الثلاث الأخيرة، ومن أن الواصلين إليها قبل ذلك التاريخ قد نقلوا إلى جزيرتي مانوس ونادورو التابعتين لجمهورية بابوا غينا الجديدة وسط المحيط الهادئ.

ولأن القوانين الأخيرة عَرّضت كل من يحاول تسريب معلومات أو يصور داخل المعسكرات للمحاسبة القانونية والسجن لمدة سنتين في حالة إدانته، فقد لجأت إلى التصوير بكاميرا فيديو صغيرة أخفتها عن أنظار الحراس، وبالتالي فإننا نتحدث عن عمل استقصائي بامتياز لا مجال فيه لإظهار براعة تصويرية أو إخراجية، بقدر التركيز على عرض الحقائق بصدق، وبأكبر قدر من الوضوح والثبات، طبعا باستثناء المشاهد التي صورت خارج أستراليا.

أقيمت على أرض معسكر ناورو المسيّج بالحديد خيامٌ تفتقد لأبسط شروط العيش الآدمي، ويمنع على طالبي اللجوء مغادرته، ففي داخله يمكث البشر سنوات، أما مكانه الرطب المتاخم لمياه المحيط، فكل ما فيه يوحي بأنه ثكنة عسكرية، لا مكان لا لإيواء لاجئين.

يتم حجز المهاجرين إلى أستراليا على أرض معسكر ناورو المسيّج بالحديد حيث الخيام التي تفتقد لأبسط شروط العيش الآدمي

ولتقصي الحقائق ومعرفة ما يجري داخله، حاولت صانعة الفيلم إقناع بعض العاملين فيه بالحديث معها، دون الكشف عن كاميراتها، وكان بينهم شباب تطوعوا بروح طيبة، ولم يتصوروا قبل مجيئهم أن الأمر بذلك السوء الذي وجدوه.

وثقت أحاديثهم وشهاداتهم واقعا حاولت السلطات الأسترالية التستر عليه من خلال عقدها اتفاقات مع دول أجنبية أغوت قادتها بالمال لاستقبالهم على أراضيها وأبقت مسؤولية مراقبتهم عليها، بينما كان مسؤولوها يمتدحون إجراءاتهم العملية لحماية المهاجرين من خلال منع وصول قواربهم إلى سواحل بلادهم، تجنبا لموتهم وسط البحر، كما يكررون ويظهر في التسجيلات المصورة.

منفى المهاجرين.. رحلة بالحافلات تحت جنح الظلام

بين الواقع المسجل بكاميرا الفيديو وبين خطب المسؤولين تتجلى الحقيقة، وتضاف لتوضيحها معطيات وأرقام منحت الفيلم طابعا معلوماتيا إلى جانب العنصر الاستقصائي فيه، فحتى المتطوعون لم تقدم لهم أي معلومات عن أوضاع اللاجئين، وطولبوا بالتكتُّم على كل ما يشاهدونه، فأصبحوا في حيرة من أمرهم ومضوا إلى مكاتبهم.

ومن أغرب الحقائق أن السلطات الأسترالية لا تخبر اللاجئين الواصلين إليها بحقيقة نقلهم للإقامة في جزر تابعة لدول أخرى، مما يصيب كثيرا منهم بصدمة شديدة عند اكتشافهم أمر ترحيلهم القسري، إذ ينقلون في حافلات مشددة الحراسة وسط ظلام الليل، ليجدوا أنفسهم فجرا محاطين بالمياه.

يتم ترحيل المهاجرين في حافلات مشددة الحراسة وسط ظلام الليل إلى جزر خارج أستراليا

وكل تصوراتهم أنهم في أستراليا، ولكن الحقيقة أنهم خارجها ولن يتمكنوا من الخروج منها إلا إلى بلدانهم، أو المكوث في الجزر دون تحديد زمن لترحيلهم منها.

وقد كان استخدام القسوة والصرامة جزءا من تكتيكات الحكومة لمنع المهاجرين من التفكير في الوصول بالقوارب إلى أستراليا، ولكن ثمن هذه السياسة دفعه بعض عاثري الحظ، فوجدوا أنفسهم في مستنقع قارّي يتهددهم المرض والكآبة فيه.

حالات انتحار ورسوم أطفال صارخة.. آلام المعسكر

لا مفر من الواقع، فهذا عنوان كل تصرفات السلطات الأسترالية مع المهاجرين، ومع الوقت ترسخت في ذهن المهاجرين هذه الحقيقة المرة، لكنهم كانوا يُعبّرون أول الأمر عن رفضهم لها بطرق ليّنة، ويُصبّرون أنفسهم باحتمال تجاوزها في أقرب وقت.

ولكن مع طول الإقامة ظهرت تعابير احتجاجية أكثر شدة، مثل رفع شعارات ولافتات تطالب بإطلاق سراحهم، ومنحهم الحرية التي خرجوا من بلدانهم في سبيلها، بينما كانت رسومات الأطفال تصرخ بصوت خافت وجد النفسانيون فيها تعبيرات غير مريحة تشير إلى تأزمّهم النفسي.

بوستر فيلم “مطاردة اللجوء”

ولمعرفة المزيد عنها راح الوثائقي ينبش تحت السطح ليكشف عن محاولات انتحار كثيرة بين المراهقين تفشيا لحالة الكآبة بينهم، حتى أن أحد الأطباء أعلن عن نيته ترك العمل وعدم السكوت على ما يراه أمام عينيه، لكنه تراجع بعد أن هدده حراس المعسكر بالقتل، وقد سجلت الكاميرا الخفية التهديدات دون علمهم.

وقد أعلن الوثائقي أن أستراليا هي الدولة الغربية الثقافة الوحيدة التي تجيز احتجاز الأطفال القادمين مع أولياء أمورهم المهاجرين في السجون والمعسكرات وتمنعهم حق التعليم.

ومن بين أهم الفرص التي توفرت للوثائقي لتصوير الوقائع، تلك اللحظة التي خرج فيها “المعتقلون” للتظاهر احتجاجا على الأوضاع المتردية في معسكرهم، لكنهم جوبهوا برد عنيف من الحراس، فقد شرعوا بإطلاق النار عليهم، وأدى ذلك إلى موت أحدهم.

سجن الأطفال واغتصاب النساء.. فظائع مسكوت عنها

في معسكر جزيرة مانوس لم يكن الأمر أفضل عليه مما كان في جزيرة نادورو، فالسكن سيئ جدا، والمهاجرون يعيشون في مخازن حديدية من بقايا الحرب العالمية الثانية تابعة للجيش، ورغم الرطوبة الشديدة والحر، كان عليهم تحمل جوها الخانق.

أما الأطفال فأحوالهم مزرية، فهم يمرضون كثيرا بسبب تغذيتهم السيئة، وقد سجل الوثائقي على لسان طبيب راقب حالاتهم بأن نمو الأطفال حديثي الولادة سيئ وأوزانهم أقل من المعدلات العادية، أما أمهاتهم فقد غزت الكآبة أرواحهن، بينما الآباء يراقبون كل ما يجري أمامهم بحزن وندم على الساعة التي وصلوا فيها إلى أستراليا، أو في الحقيقة إلى جزر لم يعرفوا أسماءها من قبل.

أطفال يعانون من الججز الجبري في مخيمات نائية عن البشر ومن سوء التغذية وقلة الدواء

تشير المعلومات إلى تعرض كثير من النساء “الأسيرات” إلى اعتداءات جنسية وحالات اغتصاب امتنعن عن إعلانها خوفا من تصفيتهن على أيدي حراس المعسكر أو الشرطة المحلية، حتى أصبحت الصورة المكونة عن اللاجئين تذكّر بصورة سجناء “غوانتانامو”، كما علق الوثائقي.

وقد بلغت قسوة السلطات الرسمية أوجها حين أبلغت اللاجئين بضرورة قبولهم الواقع أو العودة من حيث أتوا، ليواجه كُثر منهم مصيرا أسود، وحتى يجدوا سبيلا لتنفيذ سياستهم، فقد أقنعوا دولا آسيوية فقيرة بقبول العائدين طوعا منهم، مقابل حصولها على مبالغ كبيرة من المال.

وفاة الشاب الأبتر.. فضيحة تحرك الماء الراكد

أدت محاصرة وتضييق الخناق على البشر المختنقين أصلا بالوجع والألم إلى خروجهم بمظاهرات تطالب بتخفيف الضغط عنهم، لكن كالعادة كان الصمت إزاءها جاهزا لولا حادثة موت شاب إيراني، بعد إصابته بمرض انتشر بين المهاجرين لشدة قذارة المكان، إذ لم تفلح عملية بتر ساقه في إنقاذه من موته، لأن الورم كان قد وصل إلى أجزاء أخرى من جسده.

فتح موت الشاب الإيراني ملف اللاجئين المبعدين، فتحرك الوثائقي سريعا وذهب إلى طهران لمقابلة عائلته، وهناك سجل حزنهم ومطالبتهم بإجراء تحقيق في أسباب موته.

المحتجزون يطالبون بحريتهم وبإعادتهم إلى بلدانهم

أجبر الضغط الإعلامي الحكومة الأسترالية على فتح أبواب المعسكرات والسماح للمقيمين فيها بالخروج والتمشي بالقرب منها، ومعها ظهرت مشاكل مع سكان الجزر الذين لم يألفوا وجودهم، فنشبت صدامات ومعارك خسر فيها المهاجرون كثيرا.

شبح الهجرة.. تيار محافظ يغلق الأبواب الأسترالية

فتح موضوع الهجرة الباب واسعا أمام الوثائقي، فقابل رئيس وزراء سابق قرر فتح باب الهجرة إبان سبعينيات القرن الماضي أمام الفيتناميين الهاربين من حرب أشعلها الأمريكيون وآزرتهم فيها أستراليا، ولم يشعر المسؤول بالندم على قراره، لأن المهاجرين الجدد سرعان ما اندمجوا مع المجتمع وأضفوا تنوعا عرقيا إيجابيا له، مما يشير إلى وجود موقف سياسي محافظ معادٍ للمهاجرين في الوقت الحاضر، فهو يصور الهجرة على أنها “شبح” يخيف به الناس، بينما تفتح بلدان أوروبية أبوابها للمحتاجين حمايتها ورعايتها.

لا سبيل لك أيها المهاجر للوصول إلى أستراليا بدون فيزا، فاستراليا لن تكون أرضك

وللدلالة على تلك الحقيقة، يراجع الوثائقي موقف السلطات الأسترالية الرافض لاستقبال الهاربين من شعب الروهينغا المسلم، بعد تعرضهم لمهاجمة مجاميع عرقية أخرى في بلدهم بورما، وكانت مشاهد انتظارهم بعد رحلات العذاب وسط البحار تمزق القلب، وتشعر مُشاهدها بقساوة قلوب قادة يتبجحون بحقوق الإنسان.

هذه نتيجة توصل إليها الوثائقي من خلال تجربة نادرة له داخل المعسكرات المعزولة، تجربة فريدة وغنية جعلته وثائقيا مذهلا كشفت أحداثه وعرّت أكاذيب دولة ظهرت في النهاية بصورة بشعة، من المؤكد أن حكومتها لا ترغب أن تظهر بها أمام العالم، كما فضح الوثائقي ممارسات عنصرية تثير الاشمئزاز.