تقارير

الانتحار.. وباء صامت يقتل واحداً كل 40 ثانية

 

مراد بابعا

أرقام صادمة عن ظاهرة الانتحار في العالم كشفت عنها منظمة الصحة العالمية تزامنا مع إحياء اليوم العالمي لمنع الانتحار في 10 سبتمبر/أيلول.

فكل سنة تُسجل 800 ألف حالة انتحار بحسب آخر إحصاء لسنة 2016، أي بمعدل حالة انتحار كل 40 ثانية، وهو ما يعني أنه في الوقت الذي تقرأ فيه هذه السطور ربما يكون هناك شخص في مكان ما من هذا العالم أقدم على الانتحار.

لا تفرق ظاهرة الانتحار بين صغير وكبير أو غني وفقير، فهي تشمل جميع فئات المجتمع دون تمييز، وهي مرتبطة بالأساس بالصحة النفسية للأفراد والتي تتأثر بعوامل متعددة خاصة الاكتئاب ومخلفات حوادث التعذيب والاغتصاب، وأيضا الاضطرابات الناجمة عن تعاطي المخدرات.

ومن هذا المنطلق خصصت منظمة الصحة العالمية هذه السنة أيضا اليوم العالمي للصحة النفسية -الذي يتم الاحتفال به في 10 أكتوبر/تشرين الأول من كل عام- لموضوع مكافحة الانتحار، وذلك للارتباط الوثيق بين هذه الظاهرة وقضايا الصحة النفسية بشكل عام.

فلماذا هذه الزيادة المتواصلة في حالات الانتحار حول العالم؟ ولماذا يُقْدِم البعض على وضع حد لحياتهم رغم رفاهيتها الظاهرة؟ ومن هم المعرضون أكثر للخطر؟ وهل هناك طرق للوقاية ومكافحة ظاهرة الانتحار؟

عدل الانتحار العالمي تراجع بـ9.8% بين 2010 و2016

الانتحار.. الوباء الصامت

الانتحار هو تسبب الشخص عمداً في وضع حد لحياته بسبب ألم غير محتمل، أو من أجل الهروب من ظروف ضاغطة وسط إحساس بالعجز وفقدان الأمل. وهو أحد أكبر مشكلات الصحة العامة التي تودي بحياة الكثير من الناس في العالم، كما يعتبر ثاني الأسباب الرئيسية للوفاة في أوساط الشباب ممن تتراوح أعمارهم بين 15 و29 عاماً بعد حالات الوفاة بسبب حوادث الطرقات.

وبحسب أرقام منظمة الصحة العالمية، فإن معدل الانتحار العالمي تراجع بـ9.8% بين 2010 و2016، وفسرت المنظمة هذا التراجع النسبي بازدياد عدد الدول التي أصبحت تعتمد إستراتيجيات استباقية لمنع الانتحار.

ورغم هذا التقدم المحرَز فإن الظاهرة لمزالت تودي بحياة الآلاف سنويا ويصل المعدل العالمي للانتحار إلى 10 حالات لكل 100 ألف نسمة، ويرتفع هذا المعدل إلى نحو 11 حالة لكل 100 ألف نسمة في بعض الدول المرتفعة الدخل، وقد تفوق النسبة في دول أخرى 20 حالة بين 100 ألف نسمة. وتسجل   79% من حالات الانتحار في العالم في البلدان ذات الدخل المنخفض والمتوسط حيث يعيش معظم سكان العالم.

ومن أجل أخذ فكرة عن هول الظاهرة، يكفي القول إن حوادث الانتحار المسجلة سنويا تفوق بأكثر من ثلاث مرات ضحايا كارثة تسونامي التي ضربت جنوب شرق آسيا في 2004، كما أن عدد المنتحرين حول العالم يفوق الذين قتلوا في الحروب وجرائم القتل أو سرطان الثدي.

الانتحار.. تعطل غريزة البقاء

يصعب في كثير من الأحيان تفسير سلوك المنتحر الذي يتجاهل بشكل تام وجود إمكانية لتحسن وضعه في غد أفضل، كما يصعب استيعاب طريقة تفكير المقْدِم على هذا الفعل وتعطل غريزة البقاء لديه بشكل كامل.

وهناك حالات انتحار تحدث فجأة في لحظات الأزمة، إما نتيجة انهيار القدرة على التعامل مع ضغوط الحياة، وعلى رأسها المشاكل المالية، أو انهيار علاقة عاطفية أو غيرها من الانتكاسات أو الأمراض المزمنة.

وأظهرت دراسات أجريت في السنوات الأخيرة أن هناك علاقة بين الإصابة بمرض نقص المناعة المكتسبة "الإيدز" وارتفاع معدلات الانتحار في عدد من الدول، إذ إن المصابين بهذا المرض يقدمون على الانتحار بمعدل يفوق ثمانية أضعاف الناس العاديين.

وتسجل أيضا معدلات انتحار عالية لدى بعض الفئات التي تعاني من التمييز حسب منظمة الصحة العالمية، ونذكر منها اللاجئين والمهاجرين، والشاذين والمتحولين جنسيا، بالإضافة إلى السجناء.

وفضلا عن التغطيات الإعلامية لحالات انتحار بعض المشاهير، انتشرت في السنوات الأخيرة ظاهرة مقلقة تتعلق ببث مقاطع مباشرة عبر وسائل التواصل الاجتماعي توثق لبعض عمليات الانتحار.

وحظيت هذه المقاطع بنسب مشاهدة عالية مما أضفى جوا من العاطفية والتضامن مع حالات الانتحار، وهو ما أجمع الأخصائيون النفسيون على أنه يشجع الكثيرين على الإقدام على سلوك مماثل.

الرجال أكثر

تظهر إحصاءات منظمة الصحة العالمية أن الرجال أكثر ميلاً إلى الانتحار من النساء في جميع المناطق، باستثناء الصين والمغرب حيث فاقت أعداد النساء المنتحرات أعداد الرجال خلال العام 2016، دون أن يعطى أي تفسير لذلك.

وكثيرا ما يطرح علماء النفس مسألة التفاوت بين الجنسين في معدلات الانتحار، في محاولة لتفسير جنوح الرجال أكثر للانتحار، رغم أن مرض الاكتئاب مثلا أكثر شيوعاً بين النساء.

ومن بين التفسيرات التي قدمت أن النساء يملن أكثر إلى التنفيس عن مشاكلهن والتحدث عنها مع الآخرين، عكس الرجال الذي ينزعون إلى كتمانها.

وتقول عالمة النفس ونائبة رئيس الأبحاث بالمؤسسة الأمريكية لمكافحة الانتحار "جيل هاركافي فريدمان"  "إن الرجال أقل استعدادا لطلب الاستشارة النفسية، لكن هذا لا يعني أن الرجال لا يعانون من مشاكل نفسية تعادل أو تفوق أحيانا ما تعاني منه المرأة، لكنهم أقل إدراكا لخطورة الضغوط والاضطرابات النفسية، وهذا ما يزيد من مخاطر إقدامهم على الانتحار".

وفي الولايات المتحدة مثلا لوحظ أن النساء أكثر ميلاً للتفكير في الانتحار، حيث كانت معدلات الإبلاغ عن محاولات انتحار النساء أعلى من نظيرتها لدى الرجال، وربما يرجع هذا إلى أن الرجال يستخدمون وسائل انتحار أكثر فتكاً تزيد احتمالات موتهم قبل وصول المنقذين.

الغرب.. الأكثر انتحارا

أحد أعلى معدلات حوادث الانتحار حول العالم تسجل في مناطق أوروبا الشرقية بحسب خبراء "الجمعية الدولية لمكافحة الانتحار" و"منظمة الصحة العالمية". وتتصدر لتوانيا قائمة الدول الأوروبية في عدد حالات الانتحار متبوعة بروسيا، حيث يتعدى معدل الانتحار 30 حالة بين كل 100 ألف نسمة.

ويُرجع خبراء المنظمة العالمية لمكافحة الانتحار أسباب هذا الارتفاع إلى الإرث التاريخي الذي تركه الاتحاد السوفياتي والضغوط التي يعيشها سكان هذه الدول، واستهلاكهم المفرط للخمور، إضافة إلى افتقار تلك الدول لبرامج وسياسات لمكافحة الانتحار.

وفي أوروبا الغربية تعتبر بلجيكا وفرنسا وإيرلندا الدول الأعلى في معدلات الانتحار، فيما تسجل أدنى المعدلات في اليونان وفنلندا.

وشهدت بلجيكا عام 2016 نحو 2000 حالة انتحار، أي بمعدل 6 حالات يوميا، أو 17 حالة لكل 100 ألف نسمة، وهو ما يتجاوز المتوسط العالمي لحالات الانتحار. وغالبا ما توجه أصابع الاتهام هناك إلى الاكتئاب والانعزالية وغياب الدفء العائلي، بالإضافة إلى ضعف الوازع الديني لدى المنتحرين مما يجعلهم يفقدون الأمل في المستقبل.

وفي الولايات المتحدة الأمريكية ليس الوضع أفضل حالا، فجل المراكز الأمريكية لمكافحة الأمراض والوقاية أكدت أن معدلات الانتحار ارتفعت في كل الولايات الأمريكية تقريبا بين عامي 1999 و2016، وأن المعدل زاد بأكثر من 30% في بعض الولايات.

وحيّر هذا الارتفاع الكبير لظاهرة الانتحار علماء النفس، خصوصا وأن أكثر من نصف من انتحروا في 27 ولاية في عام 2015 لم تشخّص إصابتهم بمرض نفسي. ويُجمع أغلب المراقبين أن الأسلحة النارية المقننة في البلاد تسهل من مهمة المنتحرين خصوصا المراهقين منهم.

الدول العربية.. الانتحار يزحف في صمت

بالعودة إلى التقرير الحديث لمنظمة الصحة العالمية نجد أن نسب الانتحار في بلادنا العربية والإسلامية تسجل مستويات متوسطة من حيث العدد، لكن الظاهرة آخذة في الارتفاع في بعض الدول مقارنة بالسنوات الماضية.

وعلى عكس التوقعات التي قد تربط الانتحار بالحروب أو عدم الاستقرار، فإن مصر تتصدر قائمة الدول العربية بـ3799 حالة انتحار عام 2016، بينما حل السودان ثانيا بـ3205 حالة انتحار، ثم اليمن ثالثا بـ2335 حالة. وجاءت الجزائر في المرتبة الرابعة بعدد حالات انتحار بلغت 1299، تليها العراق والسعودية. وفي المقابل تأتي دول لبنان وسوريا في أسفل القائمة رغم وجود آلاف اللاجئين وظروف الحرب.

ويعتبر المغرب البلد العربي الوحيد الذي خالف القاعدة وشهد ارتفاعا ملحوظا في معدلات الانتحار لدى النساء بتسجيل 613 حالة انتحار سنة 2016 مقابل 400 حالة بين الذكور. أما الأردن فتتميز بظاهرة انتحار الأطفال، إذ تقدر نسبتهم بـ18% من حالات الانتحار في المملكة.

وغالبا ما يتم كذلك في الدول العربية والإسلامية ربط أسباب الانتحار بتدهور الوضعية النفسية للمنتحر من جراء الاكتئاب على الخصوص، وهنا يحاول الأطباء النفسيون جعل الخطاب الديني المعتمد على الطمأنينة والثقة وسيلة لتعزيز الوقاية من "الانتحار" وإحياء الروح المعنوية والرغبة في الحياة والإيمان بالقدر خيره وشره.

يقول الطبيب النفسي عمرو خليل في مقال له نشرته "مدونات الجزيرة" إن "الحديث عن المنتحر الذي فقد آخرته ومات كافرا لا مجال له، لأننا نتحدث عن مريض لم تُقدم له المساعدة المطلوبة في الوقت المناسب، فوصل إلى هذه المرحلة".

ولا شك في أن بعض حالات الانتحار العربية كانت بمثابة رسالة خاصة أو صرخة ألم، وأشهر الأمثلة على ذلك التونسي محمد البوعزيزي الذي أضرم النار في نفسه مفجرا الثورة التونسية مهد ما أًصبح يعرف بـ"الربيع العربي".

تعددت الطرق والانتحار واحد

نحو 20% من حالات الانتحار العالمية تنجم عن تسميم الذات بالمبيدات التي تستعمل عادة للقضاء على القوارض والحشرات، وتسجل معظم هذه الحالات في المناطق القروية في البلدان المنخفضة والمتوسطة الدخل.

كما يعتبر الشنق والأسلحة النارية من الطرق الأخرى الشائعة للانتحار، بالإضافة إلى الجرعات الزائدة من الأدوية والمخدرات.

وتكمن أهمية معرفة طرق الانتحار الأكثر شيوعا، في مساعدة الدول على وضع إستراتيجيات تساعد على الوقاية من الانتحار عبر الحد من الوصول إلى هذه الوسائل التي تسهل على المنتحر إنهاء حياته.

ويرى علماء الصحة النفسية أيضا أنه بالإمكان تفادي نصف محاولات الانتحار، وذلك عبر ما يتراوح ما بين 8 و10 جلسات من العلاج.

وتقول منظمة الصحة العالمية إن عدد البلدان التي لديها إستراتيجيات وطنية لمكافحة الانتحار ازداد خلال السنوات الخمس الأخيرة، منذ صدور أول تقرير للمنظمة بشأن الانتحار سنة 2004. لكن العدد الإجمالي للبلدان التي تملك إستراتيجيات في هذا الصدد لا يتجاوز 38 بلداً، وهو عدد لا يزال ضئيلاً للغاية.

روبن وليامز، الكوميدي الأمريكي المعروف، وضع حدا لحياته سنة 2014 بشكل صدم معجبيه

أشهر المنتحرين

قرار الانتحار قد يأتي مفاجئا ومن أناس لم نتوقع أن يقدموا أبدا على هذه الخطوة، خصوصا إذا كانوا في قمة مجدهم وإبداعهم. ولكثرتهم في كل المجالات من الأدب والفن وحتى السلطة نذكر بعض الأسماء التي طبعت التاريخ الحديث:

أدولف هتلر: انتحر جنبا إلى جنب زوجته "إيفا براون" يوم 30 أبريل/نيسان 1945، وذلك بعد الهزيمة الوشيكة التي شعر بها بسبب الضربات المتلاحقة التي تلقاها من دول الحلفاء في الحرب العالمية الثانية.

انتحر أدولف هتلر جنبا إلى جنب زوجته "إيفا براون" يوم 30 أبريل/نيسان 1945

 

فينسنت فان غوخ: مر الرسام الشهير باضطرابات نفسية متقطعة، وتزايد شعوره بالقلق والوحدة والفشل مع مرور الوقت، ليقوم سنة 1890 بإطلاق النار على نفسه بأحد حقول باريس، وهو في سن السابعة والثلاثين.

روبن وليامز: الكوميدي الأمريكي المعروف الذي حصل في 1988 على جائزة أوسكار، فقد وضع حدا لحياته سنة 2014 بشكل صدم معجبيه، إذ حاول الانتحار أولا بقطع شريان يده بسكين لكنه لم يفلح، ليلجأ ومعصمه ملطخ بدمه إلى شنق نفسه بحزام. وعانى وليامز جل حياته من إدمان شرب الخمر ومشاكل مالية واكتئاب حاد حمله في مرات عدة إلى مركز للتأهيل.

عُثر على نجمة هوليود في ستينيات القرن الماضي مارلين مونرو في غرفتها ميتة وبجانبها أٌقراص دواء،

 

مارلين مونرو: عُثر على نجمة هوليود في ستينيات القرن الماضي في غرفتها ميتة وبجانبها أٌقراص دواء، مما عزز من فرضية انتحارها بواسطة بجرعة زائدة، خصوصا وأنها كانت تعاني من نوبات اكتئاب، كما راودتها أفكار انتحارية بحسب مقربين منها، لكن روايات ظهرت فيما بعد تحدثت عن جريمة قتل مدبرة.

داليدا: تركت بصمتها في مجال الغناء ونجحت في تأدية أغان بعشر لغات، داليدا صاحبة "حلوة يا بلدي" تناولت جرعة كبيرة من الدواء لتضع نهاية لحياتها سنة 1987، تاركة رسالة مشهورة كتبت فيها باللغة الفرنسية: "اعذروني.. الحياة لم تعد تطاق".

داليدا صاحبة "حلوة يا بلدي" تناولت جرعة كبيرة من الدواء لتضع نهاية لحياتها سنة 1987

 

خليل حاوي: الأديب والشاعر اللبناني الذي عاش بين 1919 و1982، وضع حدا لحياته بإطلاق رصاصة على رأسه عندما غزت إسرائيل لبنان في صيف 1982، وانهيار نظريته التي أسماها "الإحياء العربي" وآمن بها حتى علم أنها ستظل حلما صعب المنال، فانتحر.