تقارير

"الثابت والمتحول".. كتاب أدونيس الثائر على التراث العربي والإسلامي

 

خاص-الوثائقية

بعد إطلاقه ديوانه الشعري أغاني مهيار الدمشقي برز اسم أدونيس في طليعة الشعراء الحداثيين، خصوصا بعد عمله في مجلتي "شعر" و"مواقف" على تعزيز مناخ يدعم الشعر الحداثي، على حساب الشكل التقليدي للشعر العربي.

لكن العام 1973 شهد صدور أحد أهم أعماله الفكرية على شكل أطروحة لنيل شهاد الدكتوراه، وكانت تحت عنوان "الثابت والمتحول"، وقد أثارت خلافا وجدلا واسعا حولها.

تناقش هذه الحلقة من سلسلة "خارج النص" كتاب "الثابت والمتحول" للشاعر السوري أدونيس، وتتناول أفكار الكتاب الرئيسية وأسباب إثارته الجدل في الوطن العربي عند صدوره، خصوصا أنه جاء بعد نكسة العرب عام 1967.

 

ظلال النكسة.. ثورة أكاديمية في فضاء الأدب

أدونيس هو الشاعر السوري علي أحمد سعيد الذي اختار الأسطورة الفينيقية لتكون اسما مستعارا له، وهو من أبرز رواد الحداثة في الوطن العربي، وقد ولد في قرية قصابين التابعة لمدينة جبلة في سوريا عام 1930.

يقول أدونيس في كتابه: عندما نحاول نحن العرب في القرن العشرين أن ندرس تراثنا الماضي، فإن ما يجذبنا فيه هو بالضبط النتاج المرتبط بمنحى التحول، وهو النتاج الذي رفضه أسلافنا بالماضي بشكل أو بآخر، ولا يزال حتى اليوم خارج بنية المجتمع العربي الأساسية، وفي هذا ما يشير إلى أساس المشكلة، وهو ما حاولت أن أعرضه في هذا البحث من زاوية العلاقة بين الثابت والمتحول.

حملت الأطروحة في طياتها نظرة نقدية إلى التراث العربي الأدبي والشعري والديني، وبحث فيها أدونيس عن أوجه التقليد والتجديد والإبداع والابتداع، طارحا رؤية مختلفة للعربي اليوم بين تراثه الديني والثقافي.

 

أدونيس هو الشاعر السوري علي أحمد سعيد، أحد أبرز رواد الحداثة في الوطن العربي

 

أدونيس.. الشاعر والأديب

تستضيف الحلقة عددا من الكتاب والأدباء العرب لمناقشة الكتاب، وتستهل بالكاتب الصحفي صقر أبو فخر الذي قال إن الفكر العربي تصدى لهزيمة 1967 التي كان لها أثر في إعادة النظر في كل الموروث الفكري والحضاري العربي والإسلامي، فطرحت تلك المواضيع في الشعر والأدب والتاريخ للشباب التواق للحرية والرد على الهزيمة، وفسرت أسباب الهزيمة من خلال اللغة العربية.

أما أستاذ الدراسات الإسلامية عبد الرحمن الحاج، فيرى أن نزعة ثقافوية سادت في تلك المرحلة، وقد اعتبرت أن أسباب الهزيمة والتراجع العربي تكمن في الدين الإسلامي.

وهنا يتحدث أدونيس عن النتاج العربي الثقافي، فيقول إن العرب توقفوا عن الإنتاج المعرفي منذ سقوط بغداد في منتصف القرن الثالث عشر، وأنه رأى أن عليه إعادة قراءة هذا الموروث إذ لا يمكن إنتاج معرفة جديدة إذ لم نُعد قراءة موروثنا القديم بعين نقدية.

ويرى أستاذ الدراسات الأدبية العليا الشاعر المنصف الوهايبي أن ما فعله أدونيس في كتابه يشبه ما فعله طه حسين في العشرينيات في كتابه عن الشعر الجاهلي، وقد ساهم في تحريك الثقافة العربية، "وجعلنا نعيد تقييمنا للتراث بكل ما يحويه من أدب وفلسفة وقضايا اجتماعية".

"الثابت والمتحول" يناقش جدلية الاتباع والإبداع

 

توأم الأدب والدين.. جدلية الاتباع والإبداع عند أدونيس

يرى أستاذ الأدب العربي في جامعة غازي الدكتور محمد حقي صوتشين أن ما جعل أدونيس يقدم عملا إبداعيا جديدا غير مألوف في تاريخ الأدب العربي هو أنه نظر إلى كل هذه المصادر من الثقافة العربية وكأنه لم يقرأ للآخرين.

يقول أدونيس في كتابه: هنا ثبت لدي أنه لا يمكن فهم الرؤية الشعرية العربية في معزل عن هذه الرؤية الدينية، وأن ظاهرة الشعر جزء من الكل الحضاري العربي لا يفسرها الشعر ذاته بقدر ما يفسرها المبنى الديني لهذا الكل. إلى أن يقول: فنعرف موقف العربي من الشعر وغيره ومن الاتباعية والإبداعية ومن القضايا الثقافية والإنسانية بعامة.

وهنا يعلق أبو فخر فيقول إن الكتاب بحث عن الاتباع والإبداع، بمعنى أنه لاحظ في القرون الهجرية الأولى أن جدل الإبداع والاتباع كان دائما موجودا بنفس اللحظة من وجود الثابت والمتحول، فالإسلام كان تحولا بالقياس للجاهلية، لكنه حين غدا سلطة أصبح ثابتا، وأما التحولات فهي ما نشأ بعد ذلك من صراعات وانقسامات وأفكار جديدة.

ويتوقف بنا الدكتور الحاج هنا عند فكرة أن أدونيس قدم في كتابه فكرة عن الدين أنه يمجد الماضي وأنه يثبت الزمان عند لحظة معينة، فهو بالتالي يقدم نقدا للدين لكنه لا يقدم تعريفا له، ويقدم تصورا خاصا به عن الدين وليس التصور الشائع.

يقول أدونيس: إن تأويل الثابت قائم على ثلاث مسلمات، الأولى أن النبوة الإسلامية خاتمة النبوات، والثانية أن الحقائق التي نقلتها هذه النبوة هي حقائق نهائية ومطلقة، فكما جب الإسلام ما قبله يجب ما بعده فهذا الثابت، والمتحول جميع الحركات والآراء التي حاولت أن تغير هذا الثابت.

يصنف أدونيس اليونان بأنها المشكلة الحضارية الأولى التي واجهها المجتمع العربي في الاتباع

 

علوم اليونان.. أولى العوائق اصطداما بالحضارة الإسلامية

ويعلق الوهايبي بقوله إن الكتاب واضح من عنوانه فهو يطل برأسين باتجاهين، ويرى البعض أن الثقافة قد لا تقتنى بمثل هذ الثنائية، فالتفكير الثنائي يراه البعض تفكيرا ميتافيزيقيا.

يسلط العرض الضوء على هذه الفقرة من الكتاب: كانت اليونان هي المشكلة الحضارية الأولى التي واجهها المجتمع العربي، وكلنا نعرف المواقف التي تولدت عن هذه المواجهة:

1- نأخذ من اليونان آلة التفكير (المنطق خصوصا) فهي آلة لتزكية العقل والفكر، ونأخذ الأمور التي هي برهانية ولا يمكن مجاحدتها.

2- التوفيق بين الدين العربي (الوحي) وعقل الفلسفة اليونانية، وهما في جوهرهما واحد لأنهما من مصدر واحد.

3- رفض الفلسفة اليونانية وآلتها المعرفية (العقل والمنطق).

يعلق الدكتور صوتشين، فيقول: اعتبر أدونيس صدمة الحداثة صراعا دائما بين السلفية (الثابت) وبين الإبداع الأمر الذي يخلق صدمة ثقافية حداثية، وقد انحاز أدونيس للعقل وليس للدين بمظاهره المتعددة، إذ اعتبر العقل مشروع مساءلة وإعادة نظر دائمة.

ويعتقد أدونيس أن الفكر الإسلامي السائد يرى أن النص هو مرجع العقل، ولا يمكن للعقل التفكير خارج النص، وبهذا فان العقل محدود في قدرته على الإبداع، والعلم القائم عليه جاء من الماضي. ويرى الدكتور الحاج أن ما ذهب إليه أدونيس تكذبه كل الوقائع التاريخية، لأن العقل المسلم هو الذي أبدع كل العلوم التي بني عليها حاضرنا، وهو صلة الوصل بين الحضارات القديمة التي بنى عليها وبين الحاضر الذي أسس له.

يقول أدونيس: إن أي مفكر -من أجل أن ينتج معرفة جديدة- يجب أن يسأل عن النص الذي هو المصدر الوحيد (الوحي)، لذا كان ابن رشد يقول في علاقته مع النص إنه من حيث المبدأ لا يمكن أن يكون هناك تعارض بين العقل والنقل، أي النص، فقد أول النص تأويلا عقليا، وهذا ليصل إلى النتيجة أنه لا إمام سوى العقل ثم يأتي النص، إن جميع الفلاسفة تحدثوا عن ذلك، لكن همشت الفلسفة وأحرقت كتب ابن رشد.

اهتم أدونيس بالصوفية لأنه كان يرى المتصوف متمردا على الحقيقة المتمثلة في الشريعة

 

ثورات التاريخ السياسية.. جذور الحداثة في التراث العربي

بحث أدونيس في كتابه عن جذور الحداثة في تراثنا العربي، من إيمانه بأن الحداثة مرتبطة بتطور الفكر وليس الزمن، واعتبر بعض حركات التصوف الفلسفية من أهم معالم الحداثة في التراث العربي.

وهو هنا يقول هكذا أكد الاعتزال الفصل بين الله والكون، وبين الله والناس، وأكد بأن للطبيعة المرئية إلها غير مرئي ولا يمكن أن يرى، ومع ذلك فإن المرئي هو الوهم الزائل، وذلك على النقيض مما ترى الصوفية التي أقامت نوعا من العلاقة الجدلية بين المرئي والخفي وبين الله والإنسان.

ويقصد أدونيس أن الله تعالى بالمفهوم الإسلامي قوة من خارج العالم تسير العالم، أي قوة تجريدية، بينما قال الصوفيون إن الله محايز، الله كامن في العالم وهو مبثوث في كل كائن وفي كل شيء، إن تغير مفهوم الله أدى إلى تغير العلاقة مع الآخر، وتداخلت العوالم، وأصبح الإنسان يبحث عن الحقيقة.

ويرى د. عبد الرحمن الحاج أن اهتمام أدونيس بالصوفية لأنه يرى المتصوف متمردا على الحقيقة المتمثلة في الشريعة وبالتالي يرى أن ذروة التصوف والإبداع والتحول كامنة في الشطح الذي يمثل الخروج عن إطار الشريعة.

احتكم أدونيس إلى الثابت والمتحول، مما جعله أحيانا يصنف المذاهب كالصوفية والمعتزلة ضمن المتحول على الرغم من تناقضها، فالصوفية ليست هي الاعتزال بل تحتكم للعقل، وهذا ما يفسر موقفهم من الحلاج.

كذلك اهتم أدونيس بالصوفية لأن الشعر الحداثي قائم على الغموض، الذي يجعل الشعر أكثر حيوية والصوفية تعطي أدونيس هذه المساحة لأن الباطنية والرمزية تضفي الحداثة على الشعر.

كما أنه اعتبر الثورات السياسية منذ الثورة على عثمان وما تبعها من الثورات مصدرا للتحولات الفكرية مثل ثورة الزنج وثورة القرامطة، ويرى المعارضون له أن كل التيارات الذي ذكرها في كتابه كانت قمعية، كما أن أدونيس أخفى الجانب السياسي ليثبت ما قاله.

ويقول أدونيس إنه إنما امتدح الثورات القديمة مثل الزنج والخوارج في إطارها التاريخي، وليس لأنهم خارجون، وأنه من الجميل أن يكون في القرنين الخامس والثامن الهجري فئة من الفقراء أقامت نظاما اشتراكيا داخل الدولة الاسلامية مثل القرامطة، ولقد امتدحهم لأنهم فكروا بنظام جديد وبناء جديد.

طبعات متعددة لكتاب أدونيس تلقى تداولا ونقدا شديدين

 

طبيعة الكاتب الصدامية.. جرأة ألهبت الصراعات بين المفكرين

طبع كتاب أدونيس في نسخة ثامنة ولقى تداولا ونقدا شديدين. يقول الكاتب صقر أبو فخر: لو أن أدونيس يقول "لا إله إلا الله" ستجد الكثيرين يتهمونه بالكفر، لأن طبيعته ككاتب صدامية، وهو مختلف وناقد عميق وجريء، والذين لم يروا التحول في الشعر هاجموه من مواقع سابقة وثابتة.

وهناك كثير من الكتاب المرموقين تصدوا لكتابه، منهم عبد الله عبد الدايم ومحمد دكروب وحسين مروة وناصر حامد أبو زيد وغيرهم.

ويرى عبد الرحمن الحاج أن مشكلة أدونيس تكمن في تعامله مع التراث، وهذا يظهر في كتابه، ويتلخص في قضيتين، الأولى أنه على الرغم من أنه قرأ الكثير من التراث فإنه لم يستوعب بعض الأجزاء كما ينبغي، لأنها تحتاج للوقت والمعرفة المتخصصة بالمصطلحات التقنية كعلم الأصول. أما الجزء الآخر فهو أن أدونيس حمّل بعض التراث دلالات لا يحملها، ويخرج الدلالة المستخدمة من حقل معرفي لآخر بحيث يختلف المعنى ويخرجه عن استخدامه.

ويعتبر مؤيدوه أنه ابن التراث وابن اللغة وابن الشعر، وقد اكتسب هذا من والده وبيته وليس تابعا للخارج أو لمنهج أوروبي.

يقول أدونيس: بما أن الثقافة العربية بشكلها الموروث السائد ذات مبنى، وأعني أنها ثقافة اتباعية لا تؤكد الاتباع وحسب، وإنما ترفض الإبداع وتدينه، فإن هذه الثقافة تحول بهذا الشكل الموروث السائد دون أي تقدم حقيقي".

يعتبر كتاب "الثابت والمتحول" تجربة فكرية عميقة عصفت بعقول الكثيرين وجعلتهم يفكرون خارج الصندوق

 

سطوة الفكر الديني.. دعوة لتحريك المياه الراكدة

ويرى أدونيس أن النهوض والتقدم في عالما العربي وثقافتنا لا يقوم دون مواكبة العصر أو العزلة دون تلاقح الحضارات، ولا يمكن أن ندير العجلة للوراء.

وأنه ما دام الفكر الديني هو المهيمن يستحيل أن يحدث تقدم ويجب على المسلمين إعادة قراءة دينهم وتاريخهم، والفصل الكامل بين ما هو ديني وما هو سياسي وثقافي واجتماعي، على أن يحترم الدين ويبقى تجربة فردية لا تلزم إلا صاحبها، وإن لم نصل إلى هذا المجتمع المدني فلا يمكن أن نتقدم أبدا.

يقول د. عبد الرحمن الحاج مفندا ما قاله أدونيس إن هذا كلام نظري، إن ما يمنع الشعوب من تكوين خبراتها هي السياسة فقط وليس الدين، فإذا أردنا مخرجا عمليا وهو السياسة  بدون هذا المدخل سيبقى الكلام في سياقه النظري.

ويقول أدونيس: أريد أن أؤكد أخيرا أني لا أزعم أنني أقدم حلولا أو أني أصيب دائما بكل ما ذهبت إليه، فما أقوم به في هذا البحث ليس إلا البداية، وشأن كل بداية أن تشوبها عثرات وأخطاء، ثم إني أعتقد أن ما يثير المشكلات دقيقها ومعقدها لا يعلم الوثوق بقدر ما يعلم الشك، ولا يبشر بالطمأنينة بقدر ما يؤكد التساؤل والبحث.

مهما كان بعد المسافة بيننا وبين ما كتبه أدونيس، وبغض النظر عن تبنينا أو معارضتنا لما قاله، فإن مما لا شك فيه أن كتابه "الثابت والمتحول" تجربة فكرية عميقة عصفت بعقول الكثيرين وجعلتنا نفكر خارج الصندوق.

ذات صلة